Loading

:: خدنى الحنين :: < :: دعواتكم يا اهل اامنتدي الغالي لعفروتة شبيك :: < :: فيديو تعليمي - ارتباطات فيبوناتشي :: < :: فيديو تعليمي - ارتباطات الموجات :: < :: فيديو تعليمي - فيبوناتشي الرائع :: < :: فيديو تعليمي - الرأس و الكتفين نمط انعكاسي :: < :: فيديو تعليمي - أنماط الموجة التصحيحية :: < :: فيديو تعليمي - أنماط الموجة التصحيحية :: < :: فيديو تعليمي - أنماط الموجات الاندفاعية :: < :: فيديو تعليمي - فهرس الموجات الاندفاعية والتصحيحية :: < :: فيديو تعليمي - نظرية موجات إليوت :: < :: فيديو تعليمي - دورة مرحلة التوزيع :: < :: فيديو تعليمي - تحليل مجموعة :: < :: فيديو تعليمي - الانعكاس وإعادة التوزيع :: < :: اللغة التركية : بعض الأفعال ذات الاستعمال اليومي :: < :: تعليم التركية : الدرس الأول الحروف التركية :: < :: فيديو تعليمي - الجمع بين الاتجاه والزخم :: < :: فيديو تعليمي - المؤشرات والآجال الاستثمارية :: < :: كرواتيا تتوج بالميدالية الفضية كوصيف كأس العالم :: < :: احتفالات صاخبة فى باريس بعد فوز "الديوك" :: < :: بوجبا يسجد احتفالا بلقب كأس العالم 2018 :: < :: فيديو تعليمي - إشارات مؤشر الزخم :: < :: نحن الفراعنة نشجع اسبانيا ماعدا الابن العاق راموس :: < :: كافانى يطلب تى شيرت محمد صلاح :: < :: هاشتاج "this is egypt" يتصدر تويتر :: < :: ملخص مباراة مصر وأوروجواي 1-0 اداء جيد للفراعنة :: < :: موعد مباريات اليوم فى كأس العالم :: < :: تردد قناة بي ان المفتوحة الناقلة لمباريات اليوم 3 :: < :: محمد صلاح.. تطور رائع قبل "موقعة أوروغواي" :: < :: المدربون الأعلى أجرا في المونديال :: < :: من يملك ميسي سيتوج بلقب المونديال :: < :: موعد مصر وأوروجواي في المونديال والقناة الناقلة :: < :: كوبر يستقر على تشكيل منتخب مصر أمام أوروجواي :: < :: الموقف النهائي من إذاعة 22 مباراة في كأس العالم :: < :: أول تصريحات لـ"كارتيرون" عن طموحاته مع الأهلي :: < :: هل تفعلها السعودية؟ :: < :: تردد قناة دهوك الرياضية على النايل سات 2018 :: < :: مصر بين أكثر عشر دول إقدامًا على السفر إلى روسيا :: < :: رغم رفض الفيفا.. التليفزيون المصري يبث 22 مباراة :: < :: شائعات الزواج تطارد فاروق الفيشاوي.. آخرها بوسي :: <

مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?

 المنتديات
 صالون الثقافة والادب
 تاريخ وحضارات وشخصيات تاريخية وسياسية
 ×*× .. قــ ــ ــ ــادة وزعــ ــمــ ــاء .. ×*×

ملاحظة : يجب التسجيل اولا قبل اضافة موضوع أو الرد
للتسجيل, اضغط هنا التسجيل مجانا بالمنتديات

حجم الشاشة:
اسم العضو:
كلمة السر:
اسلوب الكتابة:
اختيارات الكتابة: BoldItalicizedUnderlineStrikethrough Align LeftCenteredAlign Right Horizontal Rule Insert HyperlinkInsert EmailInsert Image Insert CodeInsert QuoteInsert List Insert YouTube Insert VideoGoogle Insert WMVideo
Insert Flashاضافة ملفات ريل بلايراضافة موسيقى بالخلفيةتحريك النص الى اسفلتحريك النص الى اعلىتحريك النص الى اليمينتحريك النص الى اليسار
      وهج  
الرسالة:

* HTML is OFF
* Forum Code is ON
ارفاق ملف بالموضوع
Smilies
Angry [:(!] Approve [^] Big Smile [:D] Black Eye [B)]
Blush [:I] Clown [:o)] Cool [8D] dance [:16]
Dead [xx(] Disapprove [V] eek2 [:3] Eight Ball [8]
el [:4] Evil [}:)] flash [:5] FRlol [:6]
Kisses [:X] lol [:7] looney [:8] love [:9]
love2 [:10] Question [?] Redhot [:1] Sad [:(]
Shock [:O] Shy [8)] sick [:11] Sleepy [|)]
smash [:12] Smile [:)] smile2 [:13] tasty [:14]
Tongue [:P] Wah [:2] wavey [:15] Wink [;)]

   -  HTML is OFF | Forum Code is ON
  اضغط هنا لاظهار توقيعك الخاص
    

عرض الموضوع
الفرعـون الصغير Posted - 10/03/2008 : 12:37:26
بسمـ اللهـ الرحمنـ الرحيمـ

*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

اخى الغالى .. اختى الغاليه ..

زوار , اعضاء , مراقبينـ , مشرفينـ

شبيــك لبيــك

بعد التحيه والسلامـ , لكمـ منى فائق احترامى , وخالص تحياتى


______________________


×*× .. قــ ــ ــادة وزعــ ــمــ ــاء .. ×*×


موضـــوع شــامــلـ

منـ داخــلـ مياديــن القتــالـ القـيادى

مشـاهيـر وعظمـاء , قواد وزعماء

قتـال بعـالـمـ سيـاسـى , ثـوار ورحالون

سـوف نرحـل بعـالمهـمـ لمـدة ليسـت بطـويـلـه

ولـاكـنهـا ممتعـه


ولنـــبدأ

*.*.*.*.*.*.*.*

تحــ ــ ــياتــ ــى

×*× .. فرعــ شبيك الصغير ــون .. ×*×

الردود الاخيرة : 4
الفرعـون الصغير Posted - 19/07/2008 : 19:18:01
بسمـ اللهـ الرحمنـ الرحيمـ

*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*


×*× .. النحـــاس بــاشــا .. ×*×

"4 فبراير" : الانقلاب العسكري الأول في مصر

( ذكرى حدوثها: 18 من المحرم 1361هـ)


فاروق وأعضاء حكومته




وصفت الحياة السياسية في مصر قبل حركة يوليو 1952 بأنها كرسي مكون من ثلاثة أرجل: الإنجليز والقصر والوفد؛ فإذا اختفى إحداها يصبح الكرسي غير مستقر، وغير متزن.

وفي هذا الإطار الثلاثي كانت تدور الحياة السياسية في مصر، صراعا، وتوافقا، رغم وجود عدد من السياسيين وأحزاب الأقلية التي حاولت النفاذ للحياة السياسية في ظل وجود الفجوات الكبيرة بين الثلاثة.

وتأتي حادثة (4 فبراير) التي وقعت في (18 من المحرم 1361هـ = 4 من فبراير 1942م) لتكشف الستار عن كثير من الممارسات السياسية في تلك الفترة، وإن كان من الضروري وضع هذه الحادثة في إطارها الدولي والداخلي حتى يمكن فهمها وتفسيرها، وعدم الاكتفاء باستعراض الأحداث فقط.

وملخص الحادثة أن قوات الاحتلال البريطانية قامت بمحاصرة الملك فاروق وأرغمه السفير البريطاني في القاهرة مايلز لامبسون على التوقيع على قرار باستدعاء مصطفى النحاس باشا، زعيم حزب الوفد لتشكيل الحكومة بمفرده، وقبل النحاس زعيم أكبر حزب شعبي في مصر أن يأتي إلى الحكم بهذا الأسلوب الذي وصفه البعض بأنه جاء إلى الوزارة على أسنة الحراب البريطانية، وهو ما طعن في شعبية الوفد بعد ذلك، وجعل الفروق بينه وبين خصومه من الأحزاب الأخرى تبدو لكثيرين فروقا في الدرجة، وليست فروقا في نوع الموقف السياسي، على حد تعبير المفكر طارق البشري.

ويؤكد الكاتب السياسي حسنين هيكل أن هذه الحادثة عبرت عن مآزق وطنية، ومآزق شرعية، ومآزق سلطة ترتبت عليها نتائج خطيرة فيما جرى بعدها؛ إذ إن الدبابات التي حاصرت قصر عابدين -مقر الملك فاروق- لم تترك لأحد فرصة للشك في أن الإنجليز هم المصدر الأعلى للقرار السياسي في مصر، وكان قبول الوفد بهذه الطريقة في الصعود للسلطة اعترافا بشرعية هذا المصدر الأعلى للقرار، ثم تأكد ذلك عندما قام قادة المظاهرات الوفدية التي حملت النحاس إلى مقر الوزارة بحمل مايلز لامبسون الرجل الضخم الجثة الذي كان فاروق يسميه جاموس باشا، فوق الأعناق، وهو ذاهب إلى مقر الوزارة لتهنئة النحاس بعودته للسلطة.



السياق الدولي لحادثة 4 فبراير

ارتبطت حادثة 4 فبراير بسياق دولي جعل الإنجليز يلجئون إلى التدخل بشكل سافر في السياسة المصرية، ويرغمون فاروق على إسناد الوزارة إلى حزب الوفد صاحب النفوذ الشعبي الكبير، وكان هذا السياق مرتبطا بظروف وتطورات الحرب العالمية الثانية إذ استطاعت ألمانيا أن تحقق عددا من الانتصارات في بداية الحرب، فاحتلت بولندا في 17 يوما فقط، ثم استطاعت الجيوش الألمانية في بدايات عام (1360هـ=1941م) السيطرة على عدد من بلدن شمال أوربا بسهولة كبيرة، مثل بلجيكا ولوكسمبورج، وهولندا، ثم تدفق الألمان إلى باريس وسيطروا على فرنسا، ولم يبق أمام هتلر من قوة تتحداه في أوربا سوى بريطانيا تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف، ووجد هتلر أن غزو بريطانيا يكلفه أكثر مما يستحق؛ لذا اتفق مع حلفائه الإيطاليين في الحرب، على أن يهاجم الإمبراطورية البريطانية على ضفاف البحر المتوسط؛ وهو ما سيؤدي إلى أن يفك البريطانيون قبضتهم على هذه الشواطئ الهامة، ولذا اتجه جيش ألماني قوي بقيادة القائد الشهير أروين روميل، بهدف دخول مصر واجتيازها إلى قناة السويس، والتقدم من سيناء إلى سوريا نحو الشمال والشرق لتحقيق هدف آخر وهو تكوين كماشة على الاتحاد السوفيتي، تطبق عليه بالتزامن مع هجوم ألماني من أوربا ينطلق من بولندا.

وانطلق روميل بطائرته التي هبطت في طرابلس الليبية في (16 من المحرم 1360هـ =12 من فبراير 1941م) لتحقيق هذا الهدف الألماني الكبير.

كانت مصر محورا هاما في هذا الصراع الدولي، وقد ازدادت أهمية القاهرة والخوف منها، مع تأثر بعض النخبة السياسية في مصر بالانتصارات الألمانية، خاصة فاروق، بل إن البعض رأى في الألمان منقذا لمصر من الاحتلال البريطاني، عن طريق التنسيق مع الألمان ضد بريطانيا مقابل حصول مصر على استقلالها.

وأمام هذا التحدي الكبير، قسمت الإمبراطورية البريطانية قيادتها إلى 3 جبهات رئيسية، تبعا لضرورات الصراع، الأولى: قيادة عامة، ومقرها لندن يتولاها رئيس الوزراء، وهي مكلفة بوضع الإستراتيجيات العليا للحرب، وهي مسئولة عن المسرح الأوربي، والثانية: قيادة رئيسية في مصر ومقرها القاهرة، ويتولاها وزير مفوض ومعه السفير البريطاني في القاهرة والقائد العام لقوات الشرق الأوسط، ولها التصرف وفق ما تقتضيه الضرورة دون الرجوع إلى لندن، ولكن في إطار الإستراتيجية العليا، والثالثة: قيادة رئيسية في الهند، ومقرها دلهي.


السياق الداخلي لحادثة 4 فبراير


النحاس والسفير البريطاني

صعد فاروق إلى عرش مصر سنة (1355 هـ=1937م)، وكان ما يزال صغير السن، وسط دعاية مركزة تحاول تبييض صورة القصر في عيون الشعب المصري، حتى يتمكن الملك من الحصول على أكبر قدر من السلطات في مواجهة البرلمان، بحيث يملك ويحكم في ذات الوقت، وساعده على ذلك اهتزاز شعبية الوفد بعد توقيعه على معاهدة 1936م.

ورسمت سياسة القصر على أن يظهر فاروق بأنه قريب من العامل والفلاح ويساند القضايا الإسلامية، وبلغ الصراع السياسي بين الملك والوفد أقصاه، وانتهى بإقالة وزارة النحاس باشا في (27 من شوال 1356 هـ=30 من ديسمبر 1937م) نظرا لمطالبة حكومة النحاس أن يمتد نفوذ الوزارة إلى القصر بحيث يتم تعيين وزير للقصر يكون خاضعا للحكومة والبرلمان وليس للقصر، وكان النحاس في تلك الفترة حديث عهد بالزواج، حيث تزوج للمرة الأولى في حياته وعمره (56) عاما.

وقد أدار الملك معركته السياسية لتوسيع سلطاته على حساب البرلمان، على أساس أن تتولى الحكومة وزارة من أحزاب الأقلية، بحيث تخضع له، وتنفذ ما يريد، وتكون معبرة عن الطبقات التي تمثلها، على أن يحل البرلمان الوفدي، وتجرى انتخابات جديدة تصطنع نتيجتها بما يكفل تمثيل أحزاب الأقلية التي تشكل الوزارة في البرلمان، بحيث لا يكون لأي حزب أغلبية مطلقة، وكان القصد من ذلك الاستعداد لفترة ما بعد الحرب، والتصدي للحركة الشعبية المتوقعة، ومحاربة الوفد، وأن تكون السلطة الحقيقية بيد الملك، وبقدر ما يزداد عدد الأحزاب في الوزارة والبرلمان يصعب على أي حزب منها منافسة سلطة القصر.

وقد ألف الوزارة محمد محمود رئيس حزب الأحرار الدستوريين، وقد مثلت جميع الأحزاب ما عدا حزب الوفد، حتى يضمن قوة سياسية يستطيع من خلالها مواجهة نفوذ النحاس. وفي اليوم التالي لتشكيل الوزارة التقى محمد محمود مع السفير البريطاني لامبسون، وأوضح له أنه على استعداد لأن يوقف الملك عند حده إذا تبين أنه تجاوز سلطاته الدستورية، لكنه أكد للإنجليز أنه من السهل التعامل مع فاروق.

حاول الملك والوزارة الجديدة التقارب من بعضهما، لكن ذلك لم يمنع من حدوث بعض الأزمات، إلا أن لامبسون ألقى اللوم على رئيس الوزارة في أنه يعامل الملك على أنه شخص ناضج، والواجب أن يعامله على أنه طفل في دور التربية.

وأبدى فاروق استهانة كبيرة بالحكومة، فاستقالت الوزارة، وصدر الأمر الملكي في (3 من رجب 1358 هـ=18 من أغسطس 1939م) لـ علي ماهر بتأليف الوزارة، فشكلها من المستقلين وحزب السعديين، وبالتالي أصبح اعتماده على القصر.

كانت وزارة علي ماهر مترددة في الدخول إلى الحرب، وتتبنى سياسة تجنيب مصر ويلات الحرب، وساندها في ذلك شيخ الأزهر مصطفى المراغي الذي دعا دعوته المشهورة أن يجنب مصر الحرب التي لا ناقة لها فيها ولا جمل.

ومضى عام على نشوب الحرب العالمية الثانية، عاشت فيه مصر بعيدا عن ويلاتها حتى إن القائد العام للقوات البريطانية "أرشيبالد ويفل" كان يقضي كثيرا من وقته بين الحدائق بالملابس المدنية.

وعندما بدأت الحرب تقترب من مصر، تغيرت الأحوال، إذ أثر تطور الصراع الدولي بين الطرفين المتحاربين، وموقف بريطانيا العسكري من هذا التطور على الخطوات والإجراءات التي اتبعتها السياسة البريطانية لمواجهة آثار الانتصارات الألمانية والإيطالية، فحرصت بريطانيا على الحصول على أكبر تأييد لها من الحكومة المصرية، وضمان قيام هذه الحكومة بتقديم كافة التسهيلات للقوات البريطانية، كما أن السياسة البريطانية كانت تخشى من ظهور حركة وطنية على غرار حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق تتصل بالألمان وتضغط على بريطانيا في المكان والوقت غير المناسبين، وكانت السياسة البريطانية تضع في حسبانها ردود فعل القوى السياسية المختلفة المؤيدة للفلسطينيين في صراعهم ضد الصهيونية، ونشاط الجمعيات الدينية التي بدأت تظهر على الساحة السياسية المصرية مثل حركة الإخوان المسلمين التي بدأت خوض السياسة قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بوقت قصير، كما تصاعدت شكوك الإنجليز ضد الملك، من وجود قنوات اتصال بينه وبين ألمانيا وحلفائها.

وتدخلت بريطانيا مباشرة لإقالة حكومة علي ماهر لعدم تعاونه في اعتقال الألمان في مصر، وعدم قيامه بمصادرة أموال الشركات الإيطالية في مصر، ووجهت أمرا إلى فاروق في (12 من جمادى الأولى 1359 هـ=17 من يونيو 1940م) بتغيير الحكومة القائمة، وحذرته من استمرار تلك الحكومة على عرشه، وطالبته بتعيين حكومة متعاونة مع بريطانيا تتوافر فيها الشروط التي تناسب المصالح البريطانية؛ وهي: أن تكون حكومة قوية، وممثلة للشعب، وتستطيع أن تنفذ بنود معاهدة 1936 نصا وروحا، وباختصار حكومة يوافق عليها النحاس، على حد تعبير القائد البريطاني ويفيل.

وقد رضخ الملك لمطالب الإنجليز، وشكلت حكومة برئاسة حسين صبري القريب من الإنجليز، ثم وزارة حسين سري، وكلها كانت وزارات أقلية، لم تطمئن إليها السياسة البريطانية، وعندما لمس لامبسون إعجابا من فاروق بألمانيا، قال له: "معنا ستعوم مصر أو تغرق، مصير مصر مرتبط ببريطانيا".


الوفد خارج السلطة


أحس الوفد وهو خارج السلطة بأن له القدرة على ممارسة السياسة، بدرجة لا تقل عن تشكيله للحكومة، فخاض لعبة السياسة مع الإنجليز والقصر ومنافسيه، فأرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية تضمنت عدة مطالب؛ منها: انسحاب القوات البريطانية بعد انتهاء الحرب، مع بقاء معاهدة 1936، أو المطالبة باشتراك مصر في التسوية النهائية للحرب، أو الدخول في مفاوضات مع بريطانيا بعد انتهاء الحرب للاعتراف بحقوق مصر في السودان.

وأيدت القوى السياسية المختلفة مطالب الوفد، وأثارت هذه المعارضة الوفدية السياسة البريطانية، لأسباب؛ منها أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها طرح انسحاب القوات البريطانية من مصر، وليس انسحابها إلى منطقة القناة، والوفد هو الذي فجر هذه المطالب، كما أن هذه المعارضة وتوقيتها في غير صالح بريطانيا، فموضوعها يجسد الأماني القومية، وتوقيتها حرج، نظرا للمصاعب الاقتصادية التي تجعل الشعب يحتشد خلفها.

وأقنعت خطوة الوفد وهو خارج السلطة البريطانيين بخطورة الاعتماد على أحزاب الأقلية في مصر، وبنت السياسة البريطانية تحركها على ضرورة أن يأتي الوفد إلى السلطة بعيدا عن طريق الانتخابات؛ لأن وصول الوفد إلى الحكومة استنادا إلى إرادة شعبية يقوي مركزه في مواجهة الإنجليز ويدفعه إلى تبني مواقف صلبة، قد تسبب متاعب كبيرة لبريطانيا.

وأدركت بريطانيا بخبرتها الاستعمارية الطويلة أن طريقة وصول الحكومة إلى السلطة، والأساس الذي تستند إليه في ممارسة هذه السلطة له أثر كبير في مدى تعاون تلك الحكومة مع المستعمر؛ لذا بدأت تخطط لحادثة 4 فبراير، لتجريد الملك من نفوذه بإرغامه على تعيين حكومة لا يريدها وبذلك يفقد السيطرة عليها، ويضعف في ذات الوقت الحكومة التي صعدت لكرسي الحكم على الدبابات البريطانية.



الطريق إلى 4 فبراير


قامت أزمة سياسية في مصر بسبب قطع العلاقات بين مصر وحكومة فيشي في فرنسا، وتقديم حكومة حسين سري استقالتها في (16 من المحرم 1361 هـ=2 من فبراير 1942م)، وشكل ذلك التوقيت عقبة للإنجليز بعد تراجع قوات الحلفاء أمام المحور في الصحراء الغربية، وخروج مظاهرات صاخبة في مصر تهتف: "يحيا روميل، يحيا الملك، يسقط الإنجليز"، وخرجت هذه المظاهرات من الأزهر وجامعة القاهرة، وتردد أن القصر كان وراء هذه المظاهرات التي استمرت يومين، فالتقى السفير البريطاني لامبسون بالملك، وطلب منه عدم تعيين حكومة تعادي الإنجليز، ثم طلب منه استدعاء النحاس لتكوين الوزارة، واعتبار الملك مسئولا مسئولية مباشرة عن أية اضطرابات تحدث في البلاد.

وقد أجرى الإنجليز اتصالات سرية مع النحاس حتى يتأكدوا من أنه سيقبل بالوزارة التي سيقدمها له الإنجليز عن طريق القوة بعيدا عن الطريق التقليدي وهو الانتخابات، وكان الوسيط الذي أجرى هذه الاتصالات أمين عثمان الذي قال لـلامبسون: "إن النحاس الذي عمل بولاء معنا في وقت السلم سيكون متعاونا معنا أكثر عشر مرات في وقت الحرب، ولكن لتحقيق ذلك يجب أن تكون له يد حرة، خاصة في مواجهة القصر".

وبعد هذا التأكد الإنجليزي من موافقة النحاس على قبول الوزارة أرسل لامبسون إلى فاروق برسالة قال فيها: "إذا لم أعلم قبل السادسة مساء أن النحاس قد دعي لتأليف الوزارة، فإن الملك فاروق يجب أن يتحمل تبعات ما يحدث".

ورفض فاروق هذا الإنذار؛ ولذا قرر لامبسون أن ينتزع موافقة الملك بالقوة، فأمر القوات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين، ثم اقتحم على الملك قصره بمرافقة قائد القوات البريطانية، وخيره بين التوقيع على التنازل عن العرش واستدعاء النحاس لتشكيل الوزارة، فوافق الملك على العرض الثاني، واعتبر لامبسون ذلك استسلاما كاملا للإنجليز دون شروط، وكان يقول: "إن فاروق ولد جبان ويجب إخافته بين الحين والآخر".

رأى فاروق في وزارة 4 فبراير تحديا سافرا لسلطته، فقرر اللجوء للخط الإسلامي، فأطلق لحيته التي كانت تستفز لامبسون، وأخذ يصلي الجمعة وسط الجماهير، وزار المصانع، وكثف من اهتمامه بالقضايا الإسلامية، ولم يسترح حتى طرد هذه الحكومة في (21 من شوال 1363 هـ=8 من أكتوبر 1944م) ولم يعترض الإنجليز على طردها بهذه الصورة؛ لأن الغرض منها قد استنفد ولم يعد هناك حاجة لبقائها، وتعرض الوفد لصراعات عدة، كان أهمها خروج الزعيم القبطي الكبير مكرم عبيد من الوفد، وتأليفه "الكتاب الأسود" ضد حكومة النحاس، كذلك نمت حركة الإخوان المسلمين بدرجة كبيرة مقابل تراجع شرعية الوفد وشعبيته.‏‏


من المراجع:


لطيفه سالم - فاروق وسقوط الملكية في مصر -مكتبة مدبولي - القاهرة - الطبعة الثانية- نوفمبر 1996.

هدى عبد الناصر- الرؤية البريطانية للحركة الوطنية المصرية 1936-1952 -دار المستقبل العربي- 1987.

محمد حسنين هيكل- الانقلاب العسكري الأول في السياسة المصرية- مجلة وجهات نظر- العدد 39 إبريل 2002.


يَـ ـتْـ ـبَـ ـعْ
الفرعـون الصغير Posted - 25/05/2008 : 11:55:34
بسمـ اللهـ الرحمنـ الرحيمـ

*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*


×*× .. عـلـى ديــنار .. ×*×


علي دينار : باني السلطنة والآبار

(في ذكرى مقتله: 11 من المحرم 1335 هـ)





حَكَمَ الْفُور -الذين يعودون في أصلهم إلى سليمان صولونج القادم من تونس والمنحدر من أصل عباسي، والذي تزوج من ملكة فور- سلطنة دارفور الإسلامية عدة قرون قبل أن تخضع تلك السلطنة لحكم المهديين في القرن الثالث عشر الهجري(التاسع عشر الميلادي).

ومع سيطرة المهديين على دارفور انتقل حكامها الأقدمون إلى جنوب غرب جبل مُرّة، حيث ولد لهم طفل أعاد لهم حكم دارفور، وكانت له في ذلك قصة.. إنه السلطان "علي دينار" آخر سلطان لدارفور الإسلامية، وباني "آبار علي" بالسعودية...


المولد وبداية الظهور


ولد علي دينار في قرية "شوية" بدارفور، ولا يوجد تاريخ محدد لولادته، لكن يمكن تقدير تاريخ مولده ما بين عام (1272هـ= 1856م) وعام (1287هـ=1870م). أما أبوه فهو "زكريا بن محمد فضل" ولا يوجد شيء عن طفولته أو نشأته أو شبابه، إلا أن أول ظهور له كان في (جمادى الآخرة 1306هـ= فبراير 1889م) عندما ساند عمه السلطان "أبو الخيرات" في تمرد "أبو جميزة"، ثم هرب مع عمه بعد هزيمة التمرد.

كان "الفور" الذين ينتمي إليهم "علي دينار" يقيمون جنوب غرب جبل مُرّة بعد سيطرة المهديين على دارفور، وعندما توفي السلطان "أبو الخيرات" في ظروف غامضة عام (1307 هـ=1890م) كانت المهدية تسيطر على دارفور وكردفان، فطلب أمير هاتين المنطقتين من "علي دينار" المثول بين يديه في مقر رئاسته في "الأُبَيْض"، والخضوع لأمير المهدية في "الفاشر" –عاصمة دارفور- "عبد القادر دليل"، إلا أن "علي دينار" كان قلقا من هذا اللقاء وآثر أن يُبدي الخضوع للمهدية دون أن يلتقي بأمرائها، غير أن هناك أخبارا تؤكد أنه التقى بخليفة المهدي "عبد الله التعايشي" في عام (1309 هـ=1892م) وبايعه.

وهناك ارتباك ملحوظ في سيرته خلال هذه السنوات الست التي تلت تلك المقابلة، ومن الصعب حمل أي شيء فيها على اليقين التام. ويُقال لم يشترك في معركة "كرري" الفاصلة بين المهدية والإنجليز في (صفر 1310 هـ = سبتمبر 1898) والتي انتهت بهزيمة المهدية، حيث خرج من "أم درمان" خلسة مع 300 من أتباعه قاصدا دارفور.


السيطرة على الحكم في دارفور

قصد "علي دينار" الفاشر عاصمة دارفور التي سيطر عليها في ذلك الوقت شخص يُسمى "أبو كودة" معلنا نفسه سلطانا عليها بعد انهيار المهدية، وكتب إلى "أبو كودة" شاكرا صنيعه في تخليص دارفور من المهدية، ثم طلب منه التخلي له عن العرش، فانصاع "أبو كودة" لهذا المطلب بعد تمنع، ودخل "دينار" الفاشر فاتحا لها بدون قتال.

كانت دارفور مطمعا لكثير من المتنافسين على الحكم، فعقب سقوط المهدية ظهر مطالبون بالحكم مثل "إبراهيم علي" –عمه السلطان أبو الخيرات- ونظرا لعلاقاته مع الإنجليز في حكومة السودان، فقد طلب أن يدعموه في مواجهة "علي دينار"، فقام السردار الإنجليزي "كتشنر" بدراسة الموقف في دارفور، والمقارنة بين "علي دينار" و"إبراهيم علي" أيهما يصلح للحكم، ورأى أنه من الحكمة عدم السماح بحدوث صراع في دارفور حفاظا على أمنها واستقرارها، وحتى لا تتورط حكومة السودان الخاضعة للإنجليز في صراع يحمل الخزينة تكاليف كبيرة نظرا لبعد دارفور وصعوبة مواصلاتها وندرة الطرق المعبدة للوصول إليها.

ولذا كتب "كتشنر" إلى "علي دينار" يحذره من القيام بأي عمل يكون من شأنه حدوث ثورة أو اضطراب في دارفور، ويخبره بأن الإنجليز يعلمون أنه لم يقاتلهم في "أم درمان" وأنه ترك الميدان قبل المعركة بيوم، وأنه من أحفاد السلاطين الذين حكموا دارفور. كما كتب إلى "إبراهيم" يحذره من الاشتباك مع "علي دينار".

هذا الحياد النسبي من الإنجليز في الصراع بين الرجلين كان فرصة ذهبية لعلي دينار لتدعيم سلطته في دارفور، وخوض معركة ضد "إبراهيم علي" والانتصار عليه في (14 من رمضان 1316 هـ= 26 من يناير 1899م) في منطقة "أم شنقة" داخل الحدود الشرقية لدارفور، وبعد هذا الانتصار سعى "علي دينار" إلى استمالة الإنجليز والتأكيد لهم أنه مخلص لحكومتهم في السودان وأنه يتمنى أن يعتبره حاكم السودان أحد موظفيه.




دينار والإنجليز


سلاطين باشا

كان مستقبل العلاقة مع "علي دينار" من الأمور التي تشغل الإدارة الإنجليزية في السودان، وتتم مناقشتها على مستويات عليا، وبنى الإنجليز موقفهم على أن "علي دينار" استطاع أن يوطد نفسه سلطانا على دارفور، وستتكلف الحكومة الكثير إذا أرادت تغييره، كذلك فإنه يصر على إعلان الإخلاص والرغبة في طاعة حكومة السودان، وأن من الأفضل لتلك الحكومة أن تدير دارفور من خلال "دينار" وليس من خلال حاكم مصري أو إنجليزي، وتم توصيف "دينار" على أنه "صديق في الوقت الحاضر"، وبذلك أعاد الإنجليز العمل بالسياسة التي اتبعها الحاكم الإنجليزي "غوردون باشا" عندما ذهب إلى السودان سنة (1301 هـ=1884م) والتي كانت ترتكز على تدعيم حكم السلاطين المحليين كوسيلة فعالة لحكم السودان، ولذا اعترف الإنجليز بـ"دينار" كأمر واقع من الضروري التعامل معه.

وقد حدث تطور مهم سنة (1317 هـ=1900م) عندما تم تعيين البارون النمساوي "سلاطين باشا" –صاحب كتاب "السيف والنار في السودان"- مفتشا عاما للسودان، وكان من مسئولياته إقليم دارفور، وقد شددت الإدارة الإنجليزية في القاهرة برئاسة المعتمد البريطاني اللورد "كرومر" على "سلاطين" أن يحرص على إفهام "علي دينار" أن دارفور تقع ضمن منطقة النفوذ البريطاني-المصري، وأن الإدارة هي التي سمحت له بممارسة سلطات داخلية واسعة في دارفور، وكان الهدف من هذه السياسة تأكيد تبعية دارفور لحكومة السودان.

وأثناء رحلة "سلاطين" في السودان أكد لشيوخ القبائل أنه تم الاعتراف بعلي دينار ممثلا للحكومة في دارفور، وأن على الجميع أن يتعامل معه وفق هذا التوصيف، ورغم ذلك فقد تهرب "علي دينار" من مقابلة "سلاطين" أكثر من مرة عام (1318 هـ=1901م).



تدعيم سلطان الداخل


كان وضع دارفور فريدا داخل السودان؛ فهي من الناحية الفعلية لم تكن كباقي أقسام السودان رغم اعتراف بعض المعاهدات الدولية بكون الإقليم قسما من السودان، مثل معاهدة 12 مايو 1894م مع الكونغو، أو تصريح 21 مارس 1899م مع الفرنسيين، وكذلك رغم اعتراف "علي دينار" بكون دارفور قسما من السودان وقيامه بدفع جزية سنوية لحكومة السودان حتى عام 1915م، ورغم التبعية التي أبداها "علي دينار" لحكومة السودان فقد رفض دائما دخول أي موظف حكومي إلى دارفور.

وقد كانت السنوات الأولى لحكم على دينار مستقرة نسبيا وهي السنوات التي امتدت من (1319 هـ =1902م) حتى (1327 هـ=1909م)، ورغم أن علاقته بحكومة السودان لم تكن مستقرة نسبيا وكان عدم الثقة هو الأساس في التعامل، فإن هذه العلاقات كانت غير عدائية، وتتسم بالود الحذر، فكان "دينار" كلما حاول الاستزادة من مظاهر استقلاله الداخلي من خلال تعزيز مركزه داخل السودان أو إقامة علاقات خارجية بصفته الشخصية كسلطان لدارفور وقفت له حكومة السودان الخاضعة للإنجليز بالمرصاد.



مشكلات دينار


-العلاقة مع السنوسية: كانت الحركة السنوسية ذات التوجه الديني والإصلاحي قد اجتاحت صحاري شمال إفريقيا حتى حدود دارفور، وكانت ذات زخم وقبول واسع في تلك المناطق، وتزامن صعود هذه الحركة مع بداية حكم "علي دينار" ولذا رأى ضرورة عدم الدخول معها في مواجهة، مع عدم السماح لها بالامتداد داخل دارفور.

ولتحقيق هذه المعادلة الصعبة، لم يتجاوب "دينار" مع طلب الزعيم "محمد المهدي السنوسي" عندما طلب عام (1317 هـ=1900م) من السلطان "علي دينار" السماح له ولأتباعه بالعبور من الأراضي الدارفورية للذهاب إلى الحج، فتعلل بأن بلاده فقيرة جدا ولا تستطيع استضافة السنوسي ووفده الكبير، كما اعتذر عن عدم إقامة زاوية سنوسية في عاصمته "الفاشر"، ورغم ذلك رأى أن السنوسية ليست منافسة لدولته ويمكنه من خلال توثيق علاقاته بها الحصول على السلاح وبعض البنادق الحديثة.

-العلاقة مع سلطنة "واداي": وتقع هذه السلطنة الإسلامية في منطقة تشاد حاليا، وكانت من الممالك الإسلامية الشهيرة، وقد تعرضت في تلك الفترة لاضطرابات كثيرة أضعفتها وجعلتها مطمعا للاستعمار الفرنسي، حيث استطاع الفرنسيون الانتصار على سلطانها "رابح الزبير" في (22 من ذي الحجة 1317 هـ= 22 من إبريل 1900م) في منطقة "كوسري" على بعد خمسة أميال جنوب بحيرة تشاد، لكن سيطرتهم التامة على "واداي" لم تكتمل إلا عام (1326 هـ=1908م) عندما بسطوا سيطرتهم على المنطقة القريبة من الحدود مع دارفور، وهو ما أقلق "علي دينار" خاصة أن المنطقة الحدودية بين الجانبين كانت مسرحا للمناوشات.

وقد طلب "علي دينار" من حكومة السودان أن تسانده ضد الفرنسيين، وعندما تقاعست حكومة السودان عن مساندته كتب أول احتجاج إلى تلك الحكومة في (1327 هـ= 1909م) بشأن الانتهاكات الفرنسية الحدودية، ووجدت حكومة السودان نفسها في مأزق فتخطيط الحدود بين دارفور وواداي سيكون مستحيلا بدون جلاء الفرنسيين عن المنطقة الحدودية المتنازع عليها، والاعتراف بالادعاءات الفرنسية في تلك المناطق معناه نقض الهدنة مع "علي دينار"، بينما كان هناك اتجاه لعرض القضية على التحكيم، لكن حكومة السودان كانت ملتزمة ببقاء وضع "علي دينار" على ما هو عليه ورفضت رفضا قاطعا أن يقيم أية علاقات خارجية.

-العلاقة مع الجيوب المهدية: عندما سقطت الدولة المهدية في السودان بقي لها عدد من الجيوب في دارفور، وكان أبرز تلك الجيوب "عربي دفع الله" في المناطق الجنوبية من دارفور، و"الفكي سنين حسين" في الغرب، وقد شنت قوات "علي دينار" عدة هجمات على "دفع الله" ودفعته الخسائر التي مني بها إلى أن ينضم إلى "علي دينار" سنة (1320 هـ =1903م) وكان ذلك نهاية الجيب الأول.

أما "الفكي سنين" في منطقة "كباكية" فقد استغرق وقتا وتضحيات من "علي دينار" لتصفيته نظرا لقوته وتأثيره الديني، حيث وجه إليه "دينار" جيشا مكونا من أربعة آلاف مقاتل سنة (1317 هـ=1900م) بقيادة خادمه "كيران" لكن المهدية هزمت ذلك الجيش، فأرسل جيشا آخر في العام التالي من ستة آلاف مقاتل لكن المهدية هزمته، فأرسل جيشا ثالثا سنة (1319 هـ=1902م)من اثني عشر ألف مقاتل بقيادة "محمود ديدنجاوي" وهُزم أيضا.

لم ييئس "علي دينار" من تصفية ذلك الجيب واتبع سياسة الإجهاد الحربي المتواصل لـ"الفكي سنين" حيث قام بغارات متواصلة على منطقة "كباكية" عدة سنوات دون أن يخوض قتالا كبيرا، وفي سنة (1325 هـ= 1907م) وجه جيشا كبيرا وضرب حصارا على "الفكي" لمدة 17 شهرا وانتهى الأمر في (1327 هـ= 1909م) بدخول جيش دارفور "كباكية" وقتل "الفكي".

-العلاقات مع القبائل: شهدت الفترة الأولى من حكم "علي دينار" علاقات متوترة مع القبائل خاصة "المساليت" و"الرزيقات" و"الزيادية" و"المعالية" و"بني هلبة" وامتدت هذه الصراعات إلى نهاية حكمه، وكانت المشكلة الرئيسية هي انعدام الثقة بين الجانبين، فقد كان "علي دينار" يرغب في فرض سطوته عليهم، أما هم فكانوا خائفين منه ومن نمو قوته، وكان لهذه العلاقات المتوترة بينه وبين القبائل انعكاساتها في توتر العلاقة بينه وبين حكومة السودان، وفي استخدام الإنجليز للورقة القبلية ضد "علي دينار" أثناء الحرب ضده واحتلال دارفور بعد ذلك.


الانفتاح على الخارج

كان "علي دينار" حريصا على الانفتاح نحو الخارج وخلق نوع من التواصل بين دارفور والعالم الخارجي رغم حرص حكومة السودان على الوقوف له بالمرصاد في أي خطوة يقوم بها في هذا الاتجاه، فقد رفضت حكومة السودان التجاوب مع رغبة "علي دينار" في نشر كتاب عن حياته بعنوان "العمران" في القاهرة سنة (1330 هـ= 1912م) حيث رفض الحاكم العام للسودان هذا الأمر رفضا قطعيا، ولم يوافق إلا على طباعة ست نسخ فقط من الكتاب للاستخدام الشخصي للسلطان.

وقد تابع الإنجليز محاولات "علي دينار" الانفتاح على بعض الصحف المصرية، وراقبوا اتصالاته بجريدة "العمران" التي كانت تصدر في القاهرة ويُديرها "عبد المسيح الأنطاكي"، والتي كان يدعمها "دينار" بالمال، ورغم ذلك ؛ فقد كانت بعض الصحف المصرية النزيهة تنظر باحترام إلى "علي دينار" مثل صحيفة "اللواء" التي كان يُصدرها الزعيم المصري "مصطفى كامل" وتعتبره بادرة طيبة على طريق التحرر من السيطرة الاستعمارية، ونشرت مقالا مهما عنه في (2 من ربيع الآخر 1318 هـ=29 يوليو 1900م) عنوانه "علي دينار مسالم لا مستسلم"، ثم نشرت مقالا آخر بعد عامين بعنوان "محاولة التدخل الإنجليزي في شئون دارفور وفشلهم في ذلك".

وكان لعلي دينار دوره في العلاقات الإسلامية، فقام بحفر عدد من الآبار على مشارف المدينة المنورة عرفت بـ"آبار علي" نسبة إليه، وأصبحت ميقاتا لبعض الحجيج، كما كان له أوقاف بالحجاز.

أما موقفه من دولة الخلافة العثمانية، فكانت علاقته بها أثناء الحرب العالمية سببا رئيسيا في تحرك الإنجليز ضده للقضاء عليه وتقويض سلطنته؛ فعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى ودخلتها تركيا ضد إنجلترا، تغيرت الأوضاع ؛ فقد كانت مصر تابعة من الناحية الاسمية لدولة الخلافة، في حين أنها خاضعة من الناحية الفعلية لسيطرة الاحتلال الإنجليزي، وكان خديوي مصر "عباس حلمي" مساندا للخلافة ضد الإنجليز، ولذا قام الإنجليز بعزله وتعيين عمه "حسين كامل" سلطانا على مصر، وفي (18 من ربيع الأول 1333 هـ=3 من فبراير 1915م) أرسل وزير الحرب التركي "أنور باشا" خطابا إلى "علي دينار" يطلب منه مساندة تركيا في حربها ضد الحلفاء، وقد زاد من خطورة تلك الرسالة تحرك الأتراك مع السنوسية في ليبيا لتحريكهم ضد الوجود الفرنسي في بلاد المغرب ومنطقة تشاد، وضد الإنجليز في مصر والسودان.



الصدام والنهاية


ويبدو أن "علي دينار" بنى موقفه على أن ألمانيا وتركيا هما المنتصران في الحرب ضد الحلفاء، وأن عليه تقديم العون لتركيا حتى يجني ثمار هذه المساعدة بعد انتهاء الحرب، وإن كان ذلك لا يمنع انطلاق "علي دينار" من عاطفة وحمية دينية لمساندة دولة الخلافة ضد أعدائها من الفرنسيين والبريطانيين الذين أطلق عليهم صفة "الكفار".

أما البريطانيون فرأوا أن "علي دينار" قام بانقلاب في السياسة الدارفورية الخارجية نظرا لأنه كان يعاني من فقدان شعبيته فأراد أن يعوض ذلك باللجوء إلى الدين، وأيا ما كان الدافع وراء تمرد "علي دينار" على الإنجليز فقد وقعت الوحشة ثم القتال بين الجانبين، ورأى الإنجليز في البداية ضرورة تأليب القبائل عليه لإضعاف سلطته تمهيدا لحربه، فتم تسليح قبائل "الرزيقات" وتحفيزهم ضده، وتم استغلال شائعة أن السلطان "علي دينار" يجهز تعزيزات من الفور في منطقة جبل الحلة كذريعة لحربه؛ خاصة بعد تحسن الموقف العسكري للإنجليز في مصر ونجاحهم في القضاء على خطر السنوسية على الحدود الغربية لمصر.

وقد بدأت الحرب بين الجانبين في ( ربيع الآخر 1334 هـ= مارس 1916م)، ووقعت عدة معارك داخل أراضي دارفور كان أهمها معركة "برنجيه" الواقعة قرب العاصمة الفاشر، وتمكن الإنجليز من تبديد جيش دارفور البالغ 3600 مقاتل بعد أربعين دقيقة من القتال، وقتل في المعركة حوالي ألف رجل من جيش دارفور، وعندما علم "علي دينار" بالهزيمة استعد للقتال مرة أخرى للدفاع عن الفاشر، لكن الجيش الذي كان تحت يديه لم يكن مدربا ولم يكن يمتلك أي أسلحة حديثة، كما أن الإنجليز استخدموا الطائرات لأول مرة في إفريقيا، وكانت هذه المرة ضد جيش "علي دينار"، وتم لهم السيطرة على الفاشر في (22 من رجب 1334 هـ = 24 من مايو 1916م) ففر السلطان بأهله وحرسه نحو جبل مُرّة، وهناك تم اغتيال "علي دينار" أثناء صلاته الصبح على يد أحد أتباعه في (11 من المحرم 1335 هـ=6 من نوفمبر 1916م) بعدما رفض الإنجليز قبول أي تفاوض معه للاستسلام.

لقد عبر علي دينار عن تطور ملحوظ في الوعي السياسي للقادة المحليين في السودان وأفريقيا، وعن درجة كبيرة من الوعي الديني والإداري، حيث استطاع إقامة سلطنته في غرب السودان، وكون لها شبكة من العلاقات الخارجية كشفت عن وعي سياسي ناضج، وسعى لبناء سلطنته وفق نظام داخلي جيد مقارنة بالإمكانات التي كانت متاحة له في ذلك الوقت؛ حيث كوّن مجلسا للشورى، وعين مفتيا لسلطنته، ومجلسا للوزراء، وبدأ في تكوين جيش حديث، وأوكل تدريبه إلى ضابط مصري، ووضع نظاما للضرائب يستند إلى الشريعة الإسلامية.



مصادر الدراسة:


آلن ثيوبولد: علي دينار آخر سلاطين دارفور- ترجمة فؤاد عكود- العالمية للطباعة والنشر- السودان- الطبعة الأولى- 2005م.

يونان لبيب رزق: السودان في عهد الثنائي "1899-1924م"- معهد البحوث والدراسات العربية- 1976م.

أحمد عبد القادر أرباب: تاريخ دارفور عبر العصور- الخرطوم- 1998.


يَـ ـتْـ ـبَـ ـعْ

الفرعـون الصغير Posted - 17/05/2008 : 10:13:44
بسمـ اللهـ الرحمنـ الرحيمـ

*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*


×*× .. بـ ـطـ ـرس غـ ـالـ ـى .. ×*×

بطرس غالي : أدوار أثارت الشعب

(في ذكرى اغتياله: 9 من صفر 1328هـ)

بطرس غالى



قالت العرب في أمثالها: "الملك عقيم"، بما يعني أن شواهد التاريخ لا ترى للسياسة نسبا أو تعرف لها صهرا، فالسياسة لها قواعدها التي تحكمها، وما يغلفها من عوامل أخرى ما هي إلا للتسويق وإخفاء الوجه الحقيقي للسياسة التي لعن لفظها وجميع مفرداتها الإمام محمد عبده.

والمتابع لتاريخنا يلحظ أن بعض الأحداث جاءت مشوهة، حيث كان الخطاب الأيديولوجي الفاقع هو سيد الموقف، ويتم تفسير الأحداث والمواقف على أرضية "نحن.. وهم" وليس على أرضية المشتركات وعوامل التلاحم، ومن تلك الأحدث التي عايشتها مصر كان حادث اغتيال رئيس الوزراء القبطي "بطرس غالي" على يد أحد شباب الحزب الوطني.


بطرس.. العصامي


ولد بطرس غالي ناروز في بلدة الميمون بمحافظة بني سويف سنة (1262هـ= 1846م) وكان أبوه موظفا، والتحق في صغره بأحد الكتاتيب كغيره من المصريين حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بالمدرسة القبطية بالقاهرة، ثم انتقل إلى مدرسة البرنس مصطفى فاضل، وكانت تلك المدرسة تهتم بتدريس اللغات فأتقن الإنجليزية والتركية، وكان يتمنى العمل في السكة الحديد، وكانت من الهيئات المعتبرة في مصر في ذلك الوقت؛ ولذا نظم قصيدة في مدح رئيسها "عمر لطفي"، وما لبث أن عُين مدرسا بالمدرسة القبطية بالقاهرة، لكنه سافر بعد ذلك في بعثة إلى أوربا لتلقي تعليمه العالي هناك.

وعندما عاد بطرس من أوربا عمل في الترجمة بالإسكندرية، في مجلس التجارة بشعبة الضرائب، ووضع كتابا في المسائل المالية كان من أشهر الكتب في ذلك التخصص في تلك الفترة، وقد تنبأ له المندوب الإنجليزي في صندوق الدين "ريفرز ويلسون" بأنه سيكون وزيرا لمالية مصر.

وكان بطرس غالي هو أول من يحصل على رتبة الباشوية من الأقباط، وكان الزعيم الوطني أحمد عرابي هو من توسط له للحصول على هذه الرتبة.



وعندما قامت الثورة العرابية في مصر بقيادة "أحمد عرابي" كان بطرس من المنادين بمفاوضة الخديوي، ولذا اختير ضمن مجلس المفاوضة بعد هزيمة العرابيين في معركة التل الكبير للتفاوض مع الخديوي باسم العرابيين، وكان بطرس غالي هو أول من يحصل على رتبة الباشوية من الأقباط، وكان الزعيم الوطني أحمد عرابي هو من توسط له للحصول على هذه الرتبة.


كان عالي الهمة، كبير المطامع، قوي الحافظة، شديد العارضة، وقد ارتقى إلى أسمى المناصب المصرية بجهده وقوة عقله


وقد صعد نجم بطرس غالي سريعا؛ ففي عام (1310 هـ= 1893م) تولى وزارة المالية إبان بداية عهد الخديوي "عباس حلمي الثاني" في وزارة رياض باشا التي استمرت حوالي عام، ثم لم يلبث أن أصبح وزيرا للخارجية في الوزارة الثالثة التي شكلها "مصطفى فهمي باشا"، والذي كان يعتبر رجل الإنجليز في مصر، واستمر في وزارة الخارجية ثلاثة عشر عاما من (5 من صفر 1303 هـ حتى 17 من شوال 1326 هـ= 12 نوفمبر 1885م حتى 11 نوفمبر 1908م) وهي أطول فترة يشغلها وزير في هذا المنصب الكبير، وقد وصف "زكي مجاهد" صاحب كتاب "الأعلام الشرقية" بطرس غالي بقوله: "كان عالي الهمة، كبير المطامع، قوي الحافظة، شديد العارضة، وقد ارتقى إلى أسمى المناصب المصرية بجهده وقوة عقله، وكان يميل إلى المطالعة في ساعات الفراغ، وقد جمع مكتبة كبيرة، وكان يعرف اللغة الفارسية والتركية والقبطية والإنجليزية والإيطالية".



بطرس ورئاسة الوزارة المصرية


واشتهر بطرس بذكائه ودهائه الشديدين، لذا رأى البعض أن تعيين بطرس جاء متماشيا مع سياسة المهادنة التي كان يرغب الخديوي عباس في اتباعها مع الإنجليز، حيث إن بطرس كان على علاقة جيدة مع كل من الإنجليز والخديوي على حد سواء.

وعندما سقطت وزارة "مصطفى فهمي باشا" أسند الخديوي "عباس حلمي الثاني" رئاسة الوزارة إلى بطرس غالي، واستمرت هذه الوزارة منذ تشكيلها في (19 من شوال 1326 هـ= 13 نوفمبر 1908م) حتى اغتيال بطرس في (11 من صفر 1328 هـ=20 فبراير 1910م).

وأكد الخديوي عباس لجورست أن بطرس غالي مصري قبل أن يكون قبطيا


وكان تعيين بطرس غالي في رئاسة الوزارة المصرية بطلب من المعتمد السامي البريطاني في القاهرة "جورست" وبموافقة الخديوي عباس حلمي الثاني، ولذا سميت هذه الوزارة عند المصريين في تلك الفترة بوزارة الوفاق، أي التوافق بين كل من الاحتلال الإنجليزي وعباس حلمي، وأكد الخديوي عباس لجورست أن بطرس غالي مصري قبل أن يكون قبطيا، عندما تساءل جورست عن موقف المصريين في سابقة تعيين رئيس وزراء قبطي لمصر.

ويرى بعض مؤرخي تلك الفترة أن تعيين الإنجليز لبطرس غالي في هذا الوقت في رئاسة الوزراء كان مقصودا، لضرب الحركة الوطنية المصرية التي اشتد ساعدها وبدأت تطالب بالاستقلال وزوال الاحتلال، ولذا فكر الإنجليز في زرع الشقاق بين عنصري الأمة من الأقباط والمسلمين لإدخال الحركة الوطنية في معارك جانبية بعيدا عن معركة الاستقلال والتحرر، ولعل ما يؤكد هذا التفسير هو أن العلاقات بين المسلمين والأقباط في هذه السنوات شهدت حالة كبيرة من التأزم والقلق، عبر عن نفسه في مؤتمرين كبيرين عقدا بعد اغتيال بطرس غالي بقليل وهما "المؤتمر القبطي" الذي عقده الأقباط، و"مؤتمر مصر الجديدة" الذي عقده المسلمون ردا على المؤتمر القبطي السابق.



الأدوار البطرسية

لعب بطرس عدة أدوار في السياسة المصرية، واتسمت كلها بالتعاون مع الإنجليز


لعب بطرس عدة أدوار في السياسة المصرية، واتسمت كلها بالتعاون مع الإنجليز، ولذا لم يبد الشعب المصري أي نوع من الفرح لذهاب وزارة مصطفى فهمي وقدوم وزارة بطرس غالي، ولا يرجع ذلك إلى ديانة الرجل، ولكن إلى ماضي بطرس الذي اختزنت له مرارة الشعب المصري عدة أحداث، منها:

اتفاق السودان

عندما احتل الإنجليز مصر (1299هـ=1882م) بعد فشل الثورة العرابية، شهد السودان قيام الثورة المهدية التي استطاعت أن تسيطر على السودان، وفي تلك الفترة قرر الإنجليز إعادة السودان إلى سيطرتهم في إطار حملة مشتركة تتحمل تكاليفها الخزانة المصرية، وأن يكون حكم السودان مشتركا بين مصر وبريطانيا، وقد وقع اللورد "كرومر" المعتمد البريطاني في مصر على تلك الوثيقة عن الجانب البريطاني، ووقع عن الجانب المصري "بطرس غالي"، وتم توقيع اتفاق السودان في (7 من رمضان 1316 هـ=19 يناير 1899م). وقد نص الاتفاق على اثنتي عشرة مادة كان مجموعها لا يعني إلا شيئا واحدا هو فصل السودان عن مصر، حيث إن جميع سلطات السودان تتمركز في يد الحاكم العام للسودان وهو بريطاني الجنسية.

كما نص الاتفاق على أنه لا يجوز عزل هذا الحاكم إلا بعد موافقة الحكومة البريطانية، كما أن تشريعات القطر المصري لا تسري على السودان.

وبذلك لم يُعط هذا الاتفاق لمصر أي ميزة فعلية من المشاركة مع بريطانيا في إعادة فتح السودان، وتحملت مصر بمفردها تكاليف الحملة، وكانت المسئولية ملقاة على مصر والسلطة في يد بريطانيا.

ورغم هذا الاتفاق المجحف في حق مصر فقد وافق بطرس عليه، رغم أنه كان يملك تقديم الاستقالة وإحراج بريطانيا في إبداء عدم قدرته على المضي مع أطماعها إلى نهاية الطريق، فقد أعطاها بموافقته حقا في السودان دون أن تتحمل ثمنه، وأعطاها سلطة واسعة في إدارة السودان دون أدنى مسئولية.

كما أن هذا الاتفاق قوض ممتلكات مصر في منطقة خط الاستواء في كل من أوغندا وعدد من الموانئ الموجودة على البحر الأحمر مثل زيلع وبربرة.

ويذكر اللورد كرومر في تقرير له عن حالة مصر والسودان أن السودان كان يبتلع الكثير من الأموال دون أن يكون هناك أية نتيجة، وأن إعادة فتح السودان يُعزى إليه إفلاس الخزانة المصرية، حتى إن مصر باعت في سبيل هذه الحملة البواخر الخديوية وعددا من السرايات والحدائق والأراضي وكل ما استطاعت بيعه للإنفاق على هذه الحملة، ورغم هذه النفقات جاء اتفاق (1316هـ=1899م) ليطيح بهذه النفقات والأرواح التي بذلت ويعطي السودان بلا ثمن لبريطانيا، وكان هذا الاتفاق بلا مثيل في العلاقات الدولية!!

وقع مجلس النظار المصري العقد المشئوم لا تخليا منه عن السودان مؤقتا فحسب، وإنما تنازلا عن ملكية أراضيه الفسيحة لإنجلترا".


وقد قابل الرأي العام المصري اتفاق الحكم الثنائي بغضب كبير، واعتبرته الصحافة المصرية سلبا للحقوق، ومقدمة لاستيلاء بريطانيا على السودان، ومن الطريف في هذا الاتفاق الشائن أن الحكومة المصرية قامت عقب هذا الاتفاق بتسديد أكثر من مائتي ألف جنيه من خزينتها إلى بريطانيا نظير عدد من الجنود والضباط الذين شاركوا في الحملة، ووصفت إحدى الصحف الفرنسية هذا الاتفاق بقولها: "لقد وقع أمس أفظع اغتصاب في هذا الجيل وهو عقد الاتفاق الذي أبرم بين الغاصب القاهر والمغصوب العاجز؛ فقد وقع مجلس النظار المصري العقد المشئوم لا تخليا منه عن السودان مؤقتا فحسب، وإنما تنازلا عن ملكية أراضيه الفسيحة لإنجلترا".

ووصفت الصحف المصرية هذا الاتفاق بكلمة "الانتحار"، وكعادة المصريين في إطلاق النكات التي تعبر عن الرفض السياسي أو المعارضة السياسية، فعندما صعد بطرس إلى رئاسة الوزارة قال المصريون: إنه جاء ليسجل عقد بيع السودان بعد أن كان قد وقع العقد الابتدائي في اتفاق السودان.




رئيس محكمة دنشواي

لعب بطرس غالي دورا كبيرا في حادثة دنشواي التي كانت من النقاط السوداء التي سجلها التاريخ في حق الإنجليز أثناء احتلالهم لمصر، وملخصها أن عددا من ضباط الجيش الإنجليزي خرجوا لاصطياد الحمام في قرية دنشواي فأصيبت إحدى السيدات بعيار ناري واحترق أحد الأماكن التي يتم فيها تخزين القمح، فاستشاط أهالي القرية غضبا وهاجموا هؤلاء الإنجليز ففر البعض وتوفي أحدهم من تأثير ضربة شمس، فعقد الإنجليز محاكمة لتأديب أهالي القرية، ورأس هذه المحكمة بطرس غالي باعتباره قائما بأعمال نظارة الحقانية في (7 من شوال 1324 هـ=23 نوفمبر 1906م)، وقضت بالإعدام شنقا لأربعة من الأهالي، وبالأشغال الشاقة مددا مختلفة لعدد آخر، وبالجلد خمسين جلدة على آخرين، وتم تنفيذ الأحكام بعد محاكمة استمرت ثلاثة أيام فقط وأمام الأهالي.


العمل بقانون المطبوعات



الخديوى توفيق


صدر أول قانون للمطبوعات في مصر في (5 من المحرم 1299 هـ=26 نوفمبر 1881م) في عهد الخديوي توفيق، لكن هذا القانون لم يتم العمل به حتى اشتد ساعد الحركة الوطنية خاصة بعد حادثة دنشواي وحالة الغضب المكتوم التي اجتاحت الرأي العام المصري على هذه البشاعة التي تمت بها محاكمة دنشواي، ولذا طلب الإنجليز من حكومة بطرس غالي ضرورة عودة قانون المطبوعات مرة أخرى، فأصدر مجلس الوزراء في (4 من ربيع الأول 1327 هـ= 25 مارس 1909م) قرارا بإعادة العمل بقانون المطبوعات الصادر في عهد الخديوي توفيق، وكان الهدف منه مصادرة الحريات ومصادرة الصحف وإغلاقها، وكان هذا القانون بمثابة وضع القيود على الأقلام، وتكميم أفواه الصحافة.

وقد زاد هذا القانون من سخط الوطنيين على حكومة بطرس غالي، ولذا اعتبر البعض أن بطرس مسئول مسئولية تاريخية عما حل بالصحافة الوليدة من كبت لحرياتها ومصادرة للصحف، وبلغ من غضب الوطنيين على هذا القرار أن قام "محمد فريد" زعيم الحزب الوطني بالذهاب إلى الخديوي عباس حلمي في نفس اليوم الذي صدر فيه ذلك القانون بعريضة احتجاج على ما قامت به وزارة بطرس غالي وقامت المظاهرات الرافضة لهذا التضييق والكبت لحريتها.

وقد أدى إغلاق منافذ التعبير أمام الحركة الوطنية والقمع الفكري والسياسي الذي تعرضت له إلى اللجوء للعمل الوطني السري الذي كان مكانا ملائما لظهور العنف في العمل السياسي.




تمديد امتياز قناة السويس


لعب بطرس غالي دورا مشبوها في مشروع مد امتياز قناة السويس الذي كان يهدف لمدها أربعين عاما أخرى، وذلك مقابل مبلغ من المال تدفعه الشركة صاحبة الامتياز إلى الحكومة المصرية إلى جانب نسبة معينة من الأرباح تبدأ من سنة (1338هـ=1921م) حتى (1387هـ=1968م).

وكان بطرس يجتهد لإخفاء مشروع القانون عن الصحافة والحركة الوطنية حتى يقوم بتمريره دون أي ضجة من الرأي العام المصري، ولذا ظل هذا المشروع محل تكتم مدة عام كامل، وقد اقترب بطرس من تحقيق غرضه لولا أن الزعيم الوطني محمد فريد استطاع الحصول على نسخة من مشروع القانون وقام بنشرها في جريدة اللواء في (رمضان1327هـ = أكتوبر 1909م) وبدأت حملة من الحركة الوطنية وعلى رأسها الحزب الوطني في تعبئة المصريين ضد هذا القانون، خاصة أن إعطاء الامتياز كان يعني أن تترك الشركة القناة للمصريين سنة (1428هـ= 2008م).

وكان من ذكاء الحركة الوطنية أنها طالبت بعرض مشروع هذا القانون الخطير على الجمعية العمومية لأخذ رأيها فيه، وكان معنى ذلك هو حشد الأمة المصرية ضد هذا القانون، وقد وافق الخديوي عباس حلمي على ذلك، وتم تحديد يوم (1 من صفر 1328 هـ=10 فبراير 1910م) لانعقاد الجمعية العمومية لمناقشة المشروع.




ابراهيم الوردانى


وفي تلك الجلسة حضر شخص يدعى "إبراهيم ناصف الورداني" وكان من أعضاء الحزب الوطني، وتأثر بما دار من مناقشات في تلك الجلسة وخرج منها عازما على وضع حد ونهاية لمشروع هذا القانون يتلخص في اغتيال بطرس غالي.

وقد قام إبراهيم الورداني باغتيال بطرس غالي أمام وزارة الحقانية في الساعة الواحدة ظهرا يوم (11 من صفر 1328 هـ=20 فبراير 1910م)، حيث أطلق عليه الورداني ست رصاصات أصابت اثنتان منها رقبته.


نتائج الاغتيال

كان اغتيال بطرس غالي هو أول جريمة اغتيال في مصر الحديثة، وكان متزامنا مع نظر الجمعية العمومية لمشروع مد امتياز قناة السويس، وكان الورداني شجاعا للغاية؛ فقد اعترف بقيامه بقتل بطرس غالي؛ لأنه في نظره خائن بسبب ما قام به في اتفاق الحكم الثنائي ومشروع قانون مد امتياز قناة السويس، ورئاسته لمحكمة دنشواي، وقانون المطبوعات.

وعقب اغتيال بطرس تم ترقية ابنه نجيب غالي ليصبح وكيلا لوزارة الخارجية المصرية، وحصل على رتبة الباشوية.


كان اغتيال بطرس غالي سببا في إنشاء المكتب السياسي الذي كان يهدف إلى تعقب السياسيين وذوي الاتجاهات الوطنية، وكان أول رئيس لهذا المكتب هو "فليبدس بك" وهو شخصية يونانية تمصرت، وعرف عنها الفساد، حتى إنه حبس بعد ذلك خمسةَ أعوام لجرائم تتعلق بالرشوة والفساد.

وتألفت عقب اغتيال بطرس غالي وزارة جديدة برئاسة "محمد سعيد باشا" وكان سعد زغلول فيها وزيرا للحقانية، فصودرت الحريات، ونفي محمد فريد إلى خارج مصر، كما تحالف الخديوي عباس حلمي الثاني مع الإنجليز وعادت سياسة الوفاق بينهما مرة أخرى.




الاغتيال.. سياسي

أما إبراهيم الورداني فقد كان وقت اغتياله بطرس غالي شابا في الرابعة والعشرين من عمره، ودرس في سويسرا الصيدلة، حيث عاش بها عامين بدءا من سنة (1324هـ=1906م)، ثم سافر إلى إنجلترا وقضى بها عاما حصل خلاله على شهادة في الكيمياء ثم عاد إلى مصر في (ذو الحجة 1326هـ= يناير 1909م) ليعمل صيدلانيا، وكان عضوا في الحزب الوطني، وكان له ارتباط بجمعية مصر الفتاة، وبعد عودته لمصر أسس جمعية أسماها "جمعية التضامن الأخوي" التي نص قانونها على أن من ينضم فيها يجب أن يكتب وصيته.

وقد مثل الورداني أمام المحكمة في (12 من ربيع الآخر 1328 هـ=21 إبريل 1910م) وكان يرأسها الإنجليزي "دلبر وجلي"، وكان من المحامين الذين حضروا للدفاع عن الورداني "أحمد بك لطفي".

وعندما ألقي القبض عليه قال إنه قتل بطرس غالي "لأنه خائن للوطن"، وإنه غير نادم على فعلته، واعترف أنه فكر في قتل بطرس عندما حضر جلسة المجلس العمومي ورأى معاملة بطرس غالي الجافة لأعضاء المجلس، ومشاركته في محكمة دنشواي.

وقد كشف التحقيق مع الورداني وجود أكثر من خمسة وثمانين جمعية سرية لم يكن للحكومة أي علم بها أو عنها.

وقد وجهت للورداني تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، وهي جريمة عقوبتها الإعدام، وانشغل الرأي العام المصري بالحادث انشغالا كبيرا، حتى فشت في تلك الفترة خطابات التهديد التي كانت ترد إلى النظار (الوزراء) وكبار المسئولين في الدولة.

وقد قام عبد الخالق باشا ثروت الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب النائب العام بالتحقيق في القضية، وقد ذكر في مرافعته أن الجريمة المنظورة أمام المحكمة هي جريمة سياسية وليست من الجنايات العادية، وأنها "بدعة ابتدعها الورداني بعد أن كان القطر المصري طاهرا منها" ثم طالب بالإعدام للورادني، ثم أرسلت القضية إلى المفتي (الشيخ بكري الصدفي) لإبداء رأيه فيها، لكن المفتي أخذ بوجهة نظر الدفاع القائلة باختلال قوى المتهم العقلية وضرورة إحالته إلى لجنة طبية لمراقبته، إلا أن المحكمة لم تأخذ برأي المفتي، وكانت سابقة أن يعترض المفتي على حكم محكمة الجنايات برئاسة الإنجليزي "دولبر وجلي"، وفي يوم (9 من جمادى الأولى 1328هـ=18 مايو 1910م) أصدرت محكمة الجنايات حكمها بالإعدام على الورداني، وفي صباح يوم (21 من جمادى الآخرة 1328 هـ=28 يونيو 1910م) تم تنفيذ حكم الإعدام في الورداني.

وقد صدر قرار يُحرم على أي مصري الاحتفاظ بصورة الورداني وبقي هذا القرار ساريا حتى ثورة يوليو 1952م.



مواقف متباينة

ولم يترك الاحتلال الإنجليزي حادثة اغتيال بطرس غالي تمر دون أن يستخدمها لزرع الشقاق بين عنصري الأمة المصرية من مسلمين وأقباط، وفي الإسراع للقضاء على الحركة الوطنية، فقد شنت الصحف الموالية للاحتلال وبعضها من الصحف القبطية هجوما كبيرا على الحركة الوطنية واتهمتها بالتعصب الديني، ووصفت الاغتيال بأنه اغتيال وراءه دوافع دينية، ودعت إلى إيجاد فرق من الاحتلال تجوب المدن لحماية الأقباط، ودعت لإغلاق الصحف التي تحرض على كراهية الأقباط.

وأعلن بعض ذوي الاتجاهات المتطرفة من الأقباط عزمهم اللجوء لدولة قوية تكون عضدا لهم في المستقبل، وبذلك جعل هؤلاء من الحادث مأتما قائما، ودعوة للثأر والانتقام، ودعوة لأن يحكم الإنجليز مصر مباشرة؛ لأن الخديوي عباس في نظرهم كان يساند الحركة الوطنية، بل إن البعض دعا إلى إلغاء الجيش المصري وزيادة قوات الاحتلال.

وقد عارض هذا الاتجاه عقلاء الأقباط الذين نفوا عن الحادث أي صفة دينية، ومن أمثال هؤلاء "نصيف المنقبادي" و"مرقص حنا" و"مرقص فهمي" وغيرهم. وقال مرقص حنا بأن التعصب إذا كان موجودا فلا قضاء عليه إلا بالدستور، ودعا الأقباط إلى كتابة العرائض من أجل الدستور.

ويؤكد المؤرخ طارق البشري في كتابه "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" أن اغتيال بطرس غالي أوجد نوعا من الأسى والحزن في أوساط الأقباط على اعتبار أن الرجل كان أول قبطي يتولى هذا المنصب منذ تاريخ طويل في مصر، وأن بعضا من مثيري الشقاق حاول استغلال هذا الحادث لإثارة الخلافات الطائفية، بالرغم من أن دوافع الاغتيال كانت سياسية، وهو ما أكده المعتمد البريطاني في مصر إلدن جورست من أن الباعث على قتل بطرس غالي لم يكن لثأر شخصي أو لتعصب ديني وإنما كانت جريمة سياسية، وكذلك ما أكده المحامي القبطي المعاصر للحدث "مرقص فهمي" من أنه إذا كان الورداني قتل بطرس غالي تعصبا فليس ذلك دليلا على أن كل المسلمين أرادوا هذا القتل.


من المراجع:


محمود متولي: مصر والاغتيالات السياسية-دار الحرية-القاهرة-الطبعة الأولى-1985.

طارق البشري: المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية-دار الشروق-الطبعة الرابعة-2004.

زكي محمد مجاهد: الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية-دار الغرب الإسلامي-بيروت-الطبعة الثانية-1994.

مصطفى النحاس جبر: سياسة الاحتلال تجاه الحركة الوطنية (1906-1914)-الهيئة العامة للكتاب-1975م

عبد الرحمن الرافعي: محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية-دار المعارف-القاهرة-الطبعة الرابعة –1984م.



يَـ ـتْـ ـبَـ ـعْـ

الفرعـون الصغير Posted - 10/03/2008 : 12:43:56
بسمـ اللهـ الرحمنـ الرحيمـ

*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*


×*× .. طـ ـلـ ـعـ ـت حـ ــ ـرب .. ×*×


طلعت حرب : الاقتصاد قبل السياسة

(في ذكرى تأسيس بنك مصر: 18 من شعبان 1338 هـ)


طلعت حرب


تعد حياة طلعت حرب محطة في تاريخ مصر عامة وتاريخها الاقتصادي على وجه الخصوص، ولو لم يؤسس طلعت حرب غير بنك مصر وحده لدخل تاريخ مصر من أوسع أبوابه؛ حيث وضع بعبقرية اقتصادية نادرة الاقتصاد المصري على بداية المسار الصحيح، في وقت كان فيه الأجانب يحتلون مصر بالكامل من أرضها إلى نيلها، ومن لقمة خبزها إلى جلابية أبنائها!

نقل الرجل مصر -خلال العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات- من الاقتصاد الفردي إلى الاقتصاد الذي تديره شركات المساهمة، وإلى المشروعات المثلية التي يملكها الوطنيون ويديرونها ويوجهونها وجه الصالح الوطني المصري العام، ومن الورش الصناعية الصغيرة إلى مصانع المحلة الكبرى للغزل والنسيج التي تشغّل مدينة بكاملها، ومن المشروعات المعزول كل منها عن الآخر إلى المشروعات المتكاملة أفقيا ورأسيا.




مولده ونشأته

ولد محمد طلعت بن حسن محمد حرب في (28 من رجب 1284هـ= 25 نوفمبر 1867م) بقصر الشوق في حي الجمالية بالقاهرة حيث يتعانق التاريخ وعطر البشر.

يعود أصل أبيه إلى قرية ميت أبو علي بمحافظة الشرقية شمال شرق القاهرة، وكان والده من موظفي السكة الحديد، ولم يكن على درجة من الثراء أو الغنى، ويبدو أن المصاعب المالية التي واجهها الأب انعكست فيما بعد على آراء الابن الاقتصادية، ونوعية المشاريع الاقتصادية التي كان يرى فيها خلاصا لمواطنيه وبلده.

أنهى طلعت حرب تعليمه الثانوي بمدرسة التوفيقية بالقاهرة، ثم التحق في (ذي القعدة 1302 هـ= أغسطس 1885م) بمدرسة الحقوق والإدارة التي أنشأها الخديوي إسماعيل في نفس العام الذي ولد فيه طلعت حرب.

تخرج طلعت حرب سنة (1306 هـ=1889م) واشتغل مترجما بالقسم القضائي "بالدائرة السنية" -وهي الجهة التي كانت تدير الأملاك الخديوية الخاصة- وبعد فترة خلف محمد فريد في إدارة أقلام القضايا بالدائرة، ثم انتقل مديرا للمركز الرئيسي بالقاهرة لشركة وادي كوم أمبو.

وفي منتصف عام (1323هـ=1905م) عُين مديرا لشركة العقارات المصرية وأيضا لشركة كوم أمبو خلفا للمدير اليهودي، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتولى فيها مصري منصبا على هذه الدرجة من الأهمية في شركات يملكها ويديرها ويسيطر عليها الأجانب. وقد كتب مصطفى كامل في جريدة الأهرام في (8 من جمادى الأولى 1323هـ= 10 يوليو 1905م) يهنئ طلعت حرب بهذا رغم ما بينهما من خلافات في الرأي.

وفي عام (1326هـ=هـ=1908م) قرر طلعت حرب إنشاء شركة مالية سماها "شركة التعاون المالي" كانت تقوم بالأعمال المصرفية الصغيرة التي تتناسب ومقدرتها المالية. وأهم ما قامت به الشركة هو تقديمها الكثير من القروض لأصحاب الأعمال الصغيرة في القاهرة عندما كان الإفلاس يتهددها، وأوكل طلعت حرب إلى صديقه د. فؤاد سلطان مهمة إدارتها، وتفرغ لما هو أكبر من هذه الشركة، وهو حملة الدعوة إلى تأسيس شركة مساهمة كبرى لبنك مصر!.



بنك مصر.. الفكرة ونشأتها


كان الأجانب -الذين كانت مصر تمتلئ بهم بعد أن قدموا إليها مع بداية تولي محمد علي حكم مصر- هم وحدهم الذين خاضوا تجربة تأسيس وإنشاء بنوك في مصر منذ مجيء محمد علي، وفقا لنظام الاحتكار السائد والذي لم يسمح بظهور ثروات كبيرة بين المصريين.

والطريف أن محمد علي نفسه حين واتته فكرة إنشاء بنك لم يجد أمامه من يطمئن إليه سوى اثنين من "الخواجات" اليونانيين وعهد إليهما بإنشاء البنك على أساس مشاركة الحكومة المصرية معهما.

وبعد أن تولى الخديوي إسماعيل حكم مصر أصدر يوم (12 من ربيع الآخر 1296هـ=4 إبريل 1879م) قرارا بتعيين وزيرين أجنبيين في الحكومة التي يرأسها نوبار باشا: الأول فرنسي للأشغال، والثاني إنجليزي للمالية!، وزاد هذا القرار من غليان الناس وتذمرهم، حيث ازدادت الديون واجتاح الإفلاس الجميع.

وفي يوم (22 من ربيع الآخر 1296هـ= 14 إبريل 1879م) جرى اجتماع حضره كبار الأعيان والتجار، وكان الهدف من ذلك الاجتماع هو إيجاد محاولة لتخليص الوطن من أسر الدين خلال 28 عاما، وفي سبيل ذلك فكروا في افتتاح بنك وطني برأسمال قدره 14 مليونا من الجنيهات تُجمع من سائر أفراد الأمة.. ومن هذا الاجتماع تولدت فكرة إنشاء "بنك وطني" للمرة الأولى، وذلك قبل عامين اثنين من الاحتلال الإنجليزي لمصر.

وسرعان ما تدهورت الأمور في مصر إلى أن تم خلع الخديوي إسماعيل من عرش مصر، وحلّ محله ابنه توفيق في (7 من رجب 1296هـ= 26 يونيو 1879م) وبلغت ديون مصر حوالي مائة مليون جنيه.

ثم وقعت مصر -التي كانت تحت السيادة العثمانية- تحت الاحتلال الإنجليزي بعد هزيمة عرابي (1298هـ=1881م) ومع بوادر الحرب العالمية الأولى أعلنت بريطانيا في (7 من ذي القعدة 1332هـ= 27 سبتمبر 1914م) إنهاء السيادة العثمانية على مصر، ووضعتها تحت الحماية البريطانية.

وحتى الحرب العالمية الأولى سيطر الأجانب على جميع البنوك في مصر، حتى إن الحكومة المصرية أودعت أموالها لدى البنك الأهلي بفائدة 1.5% مع علمها بأن البنك يرسل هذه الأموال إلى الخارج. وبلغ الرأسمال الأجنبي في عام (1332هـ = 1914م) حوالي 91% من مجموعة الأموال التي تُستغل في الشركات المساهمة التي تزاول نشاطها في مصر.

وفي ظل هذا الحال كان صوت طلعت حرب هو الصوت الاقتصادي الذي رأى أن السبيل لتحرير اقتصاد مصر هو إنشاء بنك مصري برءوس أموال مصرية صرفة، وأخذ يطوف القرى والنجوع داعيا لإنشاء بنك مصر.. ولكنه قوبل بالسخرية والاستهزاء في أحيان كثيرة، إلا أنه لم ييئس.

وبخطوات هادئة وواثقة ظل طلعت حرب يدعو للمشروع، وحين سمع بذلك المستشار المالي الإنجليزي استدعاه لمقابلته، وقال له: "هل تتصور أن المصريين يستطيعون أن يديروا بنكا؟ إنها صناعة الأجانب وحدهم"، بل إنه نصحه بأن يشرك الأجانب في أي بنك يفكر بإنشائه حتى يعطي المصريين شعورا بالثقة في هذا البنك!. لكن طلعت حرب رد عليه بثقة: "لقد قررت أن يكون هذا البنك مصريا مائة في المائة".



بنك مصر.. الرسالة والبدايات


يقول طلعت حرب عما ينوي أن يقوم به بنك مصر: "إنه سيشجع المشروعات الاقتصادية المختلفة التي تعود عليه وعلى البلاد بالربح العظيم، ويساعد على إيجاد الشركات المالية والتجارية والصناعية والزراعية وشركات النقل بالبر والبحر وشركات التأمين بأنواعها، كما يعمل على أن يكون لمصر صوت مسموع في شئونها المالية، ويدافع عن مصالحها كما تدافع البنوك عن مصالح بلادها".

وكانت أول شركة قام بنك مصر بتأسيسها هي "مطبعة مصر" برأسمال قدره 5 آلاف جنيه، وتدرج رأسمالها إلى أن أصبح 50 ألف جنيه، ثم شركة "مصر للغزل والنسيج" في (صفر 1346 هـ= أغسطس 1927م) بالمحلة الكبرى وبدأت برأسمال قدره 300 ألف جنيه، ووصل إلى مليون جنيه عام (1355هـ= 1936م).

وقرر طلعت حرب أن يمد نشاطه خارج العاصمة، فبعد إنشاء بنك مصر بعام واحد تم افتتاح فرع بالإسكندرية، وفي عام (1340هـ= 1922م) كان البنك يفتتح فروعا له في أهم الأحياء التجارية بالقاهرة.




بنك مصر.. في بلاد العرب


كانت إحدى أماني طلعت حرب هي إنشاء فرع لبنك مصر في فلسطين، وسرعان ما تحولت الأمنية إلى مشروع جاد قابل للتنفيذ، ولكن لم يتحقق بسبب تهديد اليهود المصريين –ساعتها- بسحب أموالهم المودعة في بنك مصر حين سمعوا بعزم طلعت حرب إنشاء بنك مصري فلسطيني في فلسطين.

وإذا كان طلعت حرب فشل في إنشاء فرع لبنك مصري في فلسطين فإن النجاح حالفه في الشام؛ حيث أنشأ بنك مصر سوريا لبنان الذي افتتح فعلا في (شعبان 1348هـ= يناير 1930م).

وكان لبنك مصر وجود في المملكة العربية السعودية، حيث ساهم في إقامة فنادق في مكة وجدة وتمهيد الطرق بين مكة وجدة وإقامة نظام للبرق، وتوفير سيارات الأجرة لنقل الحجاج برا.. إلا أن أهم ما قام به كان تثبيت سعر الريال السعودي؛ لحماية الحجاج من جشع الصيارفة، وذلك بعد أن اتفق طلعت حرب مع الملك عبد العزيز آل سعود على ذلك.




"فليبق بنك مصر وليذهب ألف طلعت حرب"


دخل طلعت حرب من خلال الشركات والمصانع التي أخذ يشيدها ويقيمها كل بيت مصري، وبغير منافس أصبح زعيما اقتصاديا، وإن ظل حريصا على أن يكون دائما بعيدا عن السياسة وخصوماتها وعن الأحزاب وصراعاتها.

في الأسابيع القليلة التي سبقت نشوب الحرب العالمية الثانية بدأت بوادر أزمة في بنك مصر، حيث تكالب عشرات الألوف من المودعين على سحب أموالهم وودائعهم من البنك، بل إن الغريب في الأمر هو مسارعة صندوق توفير البريد الحكومي إلى سحب كافة ودائعه من بنك مصر وحده، بالرغم من أن ودائعه في البنك الأهلي كانت أضعاف أضعاف ما كان موجودا في بنك مصر!.

ذهب طلعت حرب لمقابلة وزير المالية المصري يحثه على إيقاف سحب ودائع صندوق التوفير الحكومي، لكنه الوزير رفض الطلب -بإيعاز من علي ماهر الناقم على طلعت حرب بسبب منحه مصطفى النحاس قرضا بعد أن أنقصت الحكومة معاشه- وطلب إليه أن يتنحى عن إدارة البنك مقابل إنقاذ البنك من أزمته!.

وبالفعل قدم طلعت حرب استقالته التي فوجئ بها الرأي العام المصري، وآثر الإبقاء على تاريخه عن إدارة البنك الذي أنشأه ورأسه. ويؤكد سكرتيره الشخصي أن العبارة الوحيدة التي خرجت من فمه وهو يغالب دموعه كانت: "لقد مت ولم أدفن!!"، ونقل بعض المقربين منه قوله عندما ترك بنك مصر: "الحمد لله.. فليبق بنك مصر، وليذهب ألف طلعت حرب".




طلعت حرب.. أديبا


بالرغم من شهرته كاقتصادي بارع فإن طلعت حرب كان أديبا بدأ حياته بتأليف الكتب، كما اشتغل بالصحافة حينا آخر، وكانت له آثار صحفية وأدبية بارزة، ثم شغلته عن الأدب الاهتمامات الاقتصادية، وقد ظل أسلوبه متأثرا بحياته الأدبية، ويظهر ذلك واضحا في أسلوب كتابة تقارير بنك مصر، وفي أحاديثه ومقالاته ومحاضراته.

وله كتاب "تاريخ دول العرب والإسلام"، صدرت طبعته الأولى عام 1897م، وطبعته الثانية عام 1905، وموضوع الكتاب هو تاريخ العرب قبل الإسلام إلى عصر الخلفاء الراشدين، وأشار في مقدمة الطبعة الأولى إلى ما يراه من أهمية في كتابه التاريخ للنهوض بالأمم.

أما كتابه الثاني فقد أصدره عام 1899م، وهو بعنوان "تربية المرأة والحجاب" كتبه ردا على كتاب "تحرير المرأة" الذي أصدره قاسم أمين في السنة ذاتها. والكتاب ينتقد رأي قاسم أمين فيما يدعو إليه، حيث دافع طلعت حرب عن الحجاب وأوغل في الدفاع عنه، بادئا بمأثورات تنسب إلى السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي وإلى الحسن بن علي، وتكلم عن التربية ووجوبها.

وله كتاب "فصل الخطاب في المرأة والحجاب" أصدره في عام 1901 ردا على الكتاب الثاني لقاسم أمين "المرأة الجديدة"، وركز في هذا الكتاب على أقوال الشيخ محمد عبده عن المرأة ودورها، وعلى ردود رشيد رضا في مجلة المنار على كتاب قاسم أمين.

ومن الملاحظ أن طلعت حرب الذي دافع عن حجاب المرأة انفتح في مشروعاته الاقتصادية الوطنية لعمل المرأة بكثافة نسبية واضحة، وذلك من العشرينيات وما بعدها.

وقد توفي الرجل ودفن بالفعل يوم (28 من رجب 1360هـ=21 أغسطس 1941م).




من المراجع:

شخصيات وقضايا معاصرة: طارق البشري- دار الهلال.

طلعت حرب.. بحث في العظمة : فتحي رضوان- الهيئة العامة لقصور الثقافة.

دراسة عن بنك مصر: أريك أفيز.

طلعت حرب.. ضمير وطن: رشاد كامل.




يَــ ــتْــ ــبَــ ــعْ

 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share