Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


شبيك لبيك تى فى
 المنتديات
 صالون الثقافة والادب
 (( بصــراحــة مع هيكل ))
 10 _ تقرير من اليمن
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic  

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70936 مشاركة

كتب فى :  - 30/07/2008 :  09:14:59  Show Profile





جروب شبيك لبيك

التاريخ : 8/3/1963

المصدر : الاهرام

خلال أيام هذا الأسبوع، التى قضيتها فى اليمن، مع قواتنا المحاربة هناك حيث كانت، حاولت جهدى أن أفتح عينى وأذنى على آخرها لكى أستوعب ما أستطيع من صور الحقيقة.

ولقد ذهبت إلى كل مكان ظننت أننى أستطيع منه أن أرى لمحة من القصة العظيمة التى دارت وتدور وقائعها فى اليمن.

وتحدثت إلى كل الرجال الذين أسعدتنى الظروف بلقائهم فى قيادات قواتنا المسلحة، ومراكزها، ومواقعها الأمامية.

بل وحاولت قدر ما تحتمله طاقتى أن أعيش الظروف التى يعيشها المقاتلون لدرجة أننى طلبت إذنـاً، وحصلت عليه، بأن أطير مع سرب من قاذفات القنابل، فى إحدى طائراته النفاثة من طراز اليوشين 28، وأكون هناك وسط السحب فوق قمم الجبال، أثناء الغارة الجوية على مواقع للمتسللين ضد ثورة اليمن!

ذهبت إلى صنعاء، جالساً على صندوق ذخيرة فارغ، فى إحدى طائرات النقل الحربى ومنذ اللحظة الأولى، والطائرة لم تبرح بعدُ أرض المطار فى الطريق إلى صنعاء، فلقد أحسست بجو ميدان القتال.

وكمراسل حربى قديم، فى فلسطين، وفى الحرب الأهلية فى اليونان، وفى معارك كوريا الرهـيبة، وفى القتال المرير فى الهند الصينية - فإنى أستطيع أن أعرف جو ميدان القتال حين ألقاه، وأكاد أقول إن جو ميدان القتال يثير فى نفسى أعمق المشاعر، وفى رأيى أن الحرب هى ذروة الدراما الإنسانية الهائلة.

ولقد كان جو ميدان القتال من حولى فى طائرة النقل الحربية الكبيرة، وهى تهدر بمحركاتها القوية قبل أن تنطلق.

وكنا على أرض الطائرة مجموعة مثيرة من البشر.

ثلاثة من ضباط الطيران عائدين بعد إجازة قصيرة فى القاهرة، وحديثهم كله مرح، وحكايات عن مغامرات لهم فى ميدان القتال قبل الإجازة القصيرة فى القاهرة.

وخمسة أو ستة من ضباط الجيش، أحدهم جاء من اليمن فى إجازة لمدة يومين ليشترك فى جنازة أمه ويعود، وآخر انتهز إجازة أسبوع يستحقها ووضع فى يده خاتم خطوبة، ما زال يبرق فى زهو بين أصابعه.

وعدد من الجنود أحدهم كما اكتشفت خلال الحديث من قريتنا وهو ذاهب مع رفاقه إلى الميدان لأول مرة.

ثم أربعة من العمال ذاهبين للمشاركة فى استكمال بناء المطار الجديد فى الحُدَيِّدة.

وعندما كانت الطائرة قد مرقت من فوق الوادى، وعبر الصحراء الشرقية إلى البحر الأحمر واستدارت فى اتجاه الجنوب، كان ضباط الطيران الثلاثة فى نوم عميق وكان منظرهم صورة رائعة لرفقة السلاح فإنهم، ولا أعرف كيف، تكوموا فى ركن معاً،وكل واحد منهم يتخذ من كتف زميله أو من قدمه وسادة يضع رأسه عليها ويروح مع النوم الهنىء!

وكان أحد الضباط وسط الجنود الذاهبين إلى الميدان لأول مرة يحكى لهم ما سوف يرونه ثم انتقل بالحديث إلى معنى المعركة الدائرة فى اليمن وأهدافها.

ثم كان هناك، ذلك الذى ما زال خاتم الخطوبة الجديد يبرق من بين أصابعه، وكان معظم وقته ساكتاً لا يتكلم، ثم كان يقف بين وقت وآخر يتطلع من نافذة الطائرة إلى الأرض التى لفها ظلام الليل ثم إلى السماء الصافية التى فرشتها النجوم!

وحين هبطت مطار صنعاء فى الساعات الأولى من الصباح، كانت القاعدة الجوية هناك قطعة حية من جو ميدان القتال.

كانت دوريات الفجر قد بدأت لاستكشاف التحركات التى جرت فى ستار الظلام،وكان أول من لقيته على سطح المبنى الصغير الذى اتخذته القاعدة الجوية هناك برجاً لتوجيه العمليات هو مقدم الجو عبد العليم يوجه طائرات أسرابه إلى أهدافها وكانت الطائرات تنطلق واحدة بعد واحدة من المطار الذى تحيط به الجبال العالية ثم تغيب وراء الجبال لكنه فى وقفته على سطح المطار لا يفقد اتصاله بها، وإنما صوته يصعد باللاسلكى إلى قادتها وهم يشقون أجواء اليمن، ثم تصل إليه أصواتهم، يتحدثون إلى بعضهم بما يرونه تحتهم، ويتحدثون إليه فى طلب التعليمات.

ثم ذهبت بعد ذلك مع المعركة من قيادتها العامة إلى المواقع المتقدمة.

خرجت من مقر القيادة فى صنعاء حيث التقيت باللواء أنور القاضى قائد القوات فى اليمن لأركب على الفور طائرة هليكوبتر فوق جحافة ورأس العرقوب، وأهبط فى صرواح التى شهدت أعنف معارك اليمن، ثم أقضى بقية اليوم مع قواتها التى قضت الشهور الطوال وسط جبال صرواح الموحشة،ورأت ما لم يَرَهُ غيرها، ولم تقهر العدو وحده، وإنما قهرت الطبيعة القاسية ذاتها وسيطرت عليها عن طريق سيطرة على النفس لا تكاد حكاياتها أن تدخل إلى التصور لولا أننى بنفسى كنت بينهـم.

وفى اليوم التالى ذهبت إلى مَأْرِب.

ثم ذهبت بعد ذلك إلى معظم المواقع التى دارت فيها معارك اليمن.

وتحدثت، حيثما ذهبت إلى كل الرجال، مئات من الضباط، وألوف من الجنود.

ولقد سمح لى المشير عبد الحكيم عامر، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أن أحضر اجتماعاً لهيئة أركان حربه فى اليمن، جرت فيه مناقشة عمليات الأسبوع الذى كنت أريد أن أقضيه فى اليمـن، وكان من حظى أن أحضر هذا الاجتماع جالساً أستمع إلى كل كلمة وأرى كل خط على الخريطة.

ولقد وجدت بعد ذلك فى طوافى بالقيادات والمواقع المتقدمة أن ذلك الاجتماع الذى حضرته مستمعاً كان بالغ الأهمية لى، وكان المشير عبد الحكيم عامر وهو يسمح لى بحضور هذا الاجتماع قد قال:

- إن ذلك سوف يمكّنك من رؤية صورة شاملة لحركة الميدان كلها وبالتالى سوف يعطيك فرصة لرؤية أبعد، فى أى موقع تكون فيه بعد ذلك.

ولقد أحسست أن الساعة التى قضيتها فى ذلك الاجتماع فى صنعاء كانت ذخيرة من الضوء والوضوح خلال مرات كثيرة، وقفت فيها على الجبال السوداء التى تبدو وكأنها كتل من الفحم!

وفوق ذلك فلقد أعطانى المشير عبد الحكيم عامر ما طلبت من وقته، ولم يتردد مرة فى أن يجيب على أى سؤال، لكنه فى كل مرة كان يقول لى:

- ليس المهم أن تسمع منى، إنى أريدك أن تسمع كل شىء من هؤلاء الرجال الذين يخوضون المعارك بأنفسهم... هؤلاء هم صناع التاريخ بأيديهم.

ولقد سمعت من هؤلاء الرجال كل ما أستطيع أن أسمعه.

- سمعتهم يتحدثون عن المعركة نفسها، وعن ظروفها، وعن الجو الضارى الذى تجرى فيه؟

- وسمعتهم يتحدثون عن قيمة المعركة ودورها فى حركة النضال العربى الكبير؟

- وسمعتهم يتحدثون عما بعد المعركة، وقد وصلت إلى نهايتها، وكيف يمكن ضمان النصر الذى تحقق هناك.

وقلت إننى حاولت التجربة نفسها،كى أضيف الإحساس الذاتى بالجو كله إلى ما رأيت وسمعـت.


لقد وجدت نفسى صباح يوم الثلاثاء الماضى فى مكتب قائد العمليات الجوية أستمع مع الطيارين فى سرب قاذفات القنابل إلى تعليماته الأخيرة عن عملية كُلفوا بأدائها صباح ذلك اليوم، وكان حظى أن أكون فى قاذفة القنابل التى يقودها النقيب الطيار محمد حنفى محجوب، ومعه مساعد الملاح محمود مصطفى، والرقيب المدفعى فتحى أبو رحمة.

وبعد التعليمات الأخيرة، وجدت نفسى مع الثلاثة، نسير فى اتجاه الطائرة التى كانت جاهزة بحمولاتها من القنابل، كذلك كانت مدافعها الأمامية، والخلفية قد أُحكم اتصالها بمخزن الطلقات.

ووضعت على رأسى غطاءً مما يضعه الطيارون، مزوداً بالسماعات وبالميكروفون لكى أستطيع طوال المعركة أن أكون على اتصال بها، سواء فى طائرتنا، أو فى غيرها من طائرات السرب الخارجة إلى نفس المهمة أو بالقيادة أو مراكز التوجيه على الأرض.

وكانت فى يدى خريطة للمواقع المقرر ضربها وكانت محددة بعلامات حمراء فى منطقة جبل "مسوار" و"وشحة" قرب الحدود مع السعودية.

وعلقوا على كتفى مظلة هبوط حاولت أن أقنعهم بعدم جدواها إذا أصيبت طائرتنا - بالنسبة لى على الأقل - لكنهم - حماهم الله - أصروا أن أعلقها وفعلت.

وانطلقت بنا الطائرة، ووراءنا حلقت بقية طائرات السرب، متجهين معاً إلى منطقة الهدف.

وكنت جالساً مع الملاح فى مقدمة الطائرة المصنوعة من الزجاج السميك، والمنظر من حولى مهيب ورائع.

سلاسل من الجبال إلى مدى البصر، وقمم تدخل فى السحاب، ووديان غائرة حتى تكاد أعماقها التى لا تصل الشمس إليها أن تتوه فى ظلام.

وفى هذه الوديان كانت أهدافنا، فإن التسلل يتحرك منها إلى حيث يريد.

وجاءنى صوت النقيب الطيار محمد حنفى محجوب خلال السماعات التى تغطى أذنى:

- هل حضرت غارات جوية من قبل؟

قلت:

- نعم.. لكننى كنت هناك... تحت على الأرض!

وسمعته يضحك، ثم يروح يصف لى منطقة الهدف التى بدت أمامنا، ويحدد مواقع الضرب على المعالم الطبيعية الظاهرة أمامنا، ثم يقول لى:

- استعد الآن، سوف ننقض على أول هدف، وفى نهاية الانقضاض سوف نلقى أول قنبلة، ثم نصعد بسرعة لنسمح للقاذفة القادمة وراءنا أن تلتقط صورة للضرب، ثم تلقى هى الأخرى أول قنبلة.

- ثم تلاحقت ملاحظاته:

- أمسك نفسك جيداً لحظة الانقضاض...

هذا الصوت الذى سمعته الآن هو مخزن القنابل يفتح...

سوف ترتج الطائرة مع رفع مشابك أول قنبلة لكى تسقط...

إذا أصيبت الطائرة بطلقة مدفع فلا تخشَ شيئاً، نستطيع أن نواصل العمل وفى جسم الطائرة طلقتان وثلاث.

عندما نعود للارتفاع بعد الانقضاض سوف تشعر بتأثيرات مختلفة، سوف نكون ساعتها أسرع من الصوت لكن التأثير سوف يزول بعد قليل.. ".

وبدأت الانقضاضة الأولى... ثم الثانية والثالثة والرابعة لقذف القنابل.

وجاء دور الانقضاض لضرب أحد الوديان بالمدافع.

وتكرر الانقضاض ست مرات.

وحين هبطت بعد ساعة كاملة فى الجو إلى القاعدة، كنت متلهفاً على نتيجة المهمة، وسألنى قائد القاعدة:

- كل التقارير تؤكد أن الهدف تحقق، لكن قل لى أنت أولاً: كيف رأيت العملية؟

قلت له:

- بالنسبة لى أيضاً تحقق الهدف... لقد عشت التجربة!

ولقد استطردت طويلاً ولم أصل بعد إلى صلب الموضوع.

كل ما قلته حتى الآن: هو أننى رأيت، وسمعت، وعشت التجربة!

وذلك كله قد يكون ظلالاً ملونة فى صورة الحقيقة، لكنه لا يرسم بعد خطوطها الرئيسية.

وأظن أننى عكست الآية فى منطق الحديث.

كان يجب أولاً أن أحدد الخطوط الرئيسية للصورة... ثم أضع ألوان الظل.

لكننى من ألوان الظل بدأت، ومع ذلك فلسوف أحاول تدارك ما فعلت وأنتقل على الفور إلى الخطوط الرئيسية لصورة الحقيقة فى اليمن.

وفى انتقالى إلى صلب الموضوع، فإنى أشعر أن ثمة شيئاً ينبغى لى أن أبدأ به، وهو تصحيح خطأ وقعنا فيه جميعاً، نحن الذين كنا نتابع من هنا أخبار ما يجرى فى اليمن.

إن الوصف الذى أطلقناه منذ البداية على المعركة لا يتلاءم مع طبيعتها.

ولربما كان هذا الوصف صحيحاً فى المرحلة الأولى بعد ثورة اليمن، لكن الأمور تغيرت كثيراً، ولم يتغير الوصف الذى اخترناه لها من الأيام الأولى، وهو أن المعركة هى "عمليات ضد المتسللين".

إن وصف المعركة على أنها عمليات تسلل ضد ثورة اليمن يعطى انطباعاً سطحياً لا يصل إلى أعماق الحقيقة.

وليست مجرد عمليات لمقاومة التسلل، تلك التى اشتركت فيها فرقة من قوات الجمهورية العربية المتحدة فى اليمن... لكنها كانت:

- حرباً حقيقية وشاملة أولاً.

- ثم كانت حرباً ضد عدو تساعده كل الظروف ثانياً.

وكانت حرباً على أرض ليس كمثلها أرض فى المشقة والوعورة ثالثاً. وأتحدث عن هذه العوامـل، واحداً واحداً.

أولاً: عن حقيقة الحرب:

إن المعركة بدأت بالفعل عمليات محددة ضد محاولات التسلل، لكن شكلها العام ما لبث أن تغير.

لقد بدأت الثورة اليمنية ليلة 27 سبتمبر سنة 1962، وأعقبتها مدة خمسة عشر يوما هادئة، كانت أرض اليمن ذاتها وما حولها مبهورة من مفاجأة ما حدث لكن قوى كثيرة تستعد وتتحفز.

ثم بدأت مرحلة محاولات التسلل مع وصول الحسن من نيويورك ولندن إلى الرياض ثم نقله إلى نجران ثم عبوره حدود اليمن ودخوله بالفعل إلى صاعدة ومعه مجموعات من اليمنيين الذين جُندوا من السعودية وبعض قبائل منطقة الحدود التى تربطها صلات عديدة بالأسرة المالكة السعودية.

وكانت الظروف فى منطقة صاعدة مواتية لهذا الانقضاض على ثورة اليمن خصوصاً أن صاعدة هى العاصمة الروحية للمذهب الزيدى، الذى كان الأئمة فى اليمن يستغلونه فى تأييد حكمهم وتثبيـته.

فى ذلك الوقت طلبت حكومة الثورة فى اليمن مساعدة الجمهورية العربية المتحدة لمواجهة هذا التسلل القادم من وراء الحدود تعززه إمكانيات الأسرة المالكة السعودية.

وذهبت طلائع من القوات العربية تعززها بعض الطائرات.

كانت العملية محددة فى منطقة صاعدة.

وظلت بالفعل محصورة فيها ومن حولها قرابة شهر كامل وأمكن فى النهاية رد التسلل وضربه.

لكن ذلك لم يكن نهاية العمليات، وإنما كانت هناك مرحلة أخرى بدأت تظهر مقدماتها.

وقبل الدخول إلى المرحلة الثانية فإنه من الضرورى أن نمهد لها بفكرة واضحة عن طبيعة الحكم فى اليمن وعن الظروف القَبَلية التى تلعب فيها الدور الرئيسى.

وفى ذلك المجال فإنه من الخطأ أن نتصور اليمن وكأنها بلد قام فيه تكوين الدولة بمعناها الحـديث، فإن اليمن لم تدخل بعدُ هذه المرحلة، ولربما كان هذا السبب فى حد ذاته من أسباب قيام الثورة.

لقد كان الإمام يحكم اليمن... لكنه يحكم من غير دولة.

كان يحكم باستغلال الدين، وكان يحكم بالسيف بعد استغلال الدين أو قبله.


وكانت سياسة الحكم فى عهده هى ضرب القبائل بعضها ببعض، وإباحة أرض واحدة منها للآخرين على نظام التخطية المشهور بهذا الاسم فى اليمن وبمقتضاه كان الإمام يبيح لقبيلة من القبائل أن تنقض على أرض غيرها وعلى بيوتها وأن تنهب وتقتل حتى يطلب إليها أن تكف... فتكف.

وكان الإمام يجبى الزكاة ويأخذها لنفسه وتلك كل علاقته بالقبائل.

ومن هنا لم تكن فى ألوية اليمن المختلفة فروع محلية للإدارة المركزية ولا كانت هناك حاميات للجيش اليمنى فى هذه الألوية.

وكان كل شىء متروكاً للقبائل تعطى الزكاة للأمام وتبعث بها إليه، وتختلف معه فى تقديرها وتتعرض لانتقامه أو تدفعها راضية وتدفع عن نفسها شرور التخطية.

وكان الجيش اليمنى - وهو لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة آلاف فى ذلك الوقت مركّزاً فى صنعاء أو فى غيرها من المدن الرئيسية، تعز أو الحُديدة.

من هنا، فإنه حين قامت الثورة بقيادة الجيش، وناصرتها عناصر التجار فى المدن الذين ضاقوا بظلم الأئمة، وعناصر المثقفين الذين أتيحت لهم فرصة المقارنة بين ما رأوه أو علموه من أحوال العالم الخارجى وبين أحوال التخلف المروّع فى بلادهم، كانت الثورة تتركز أساساً فى المدن الثلاث صنعاء، وتعز، والحديدة.

وكان السؤال التالى والخطير هو:

- كيف تتصرف القبائل؟

ولقد كان واضحاً أن أكبر قبائل اليمن، وهى "حاشد" و"بكيل" قد فرغ صبرها من النظام المرعب الذى يحكم اليمن وأنها تؤيد الثورة بل إن بعض أبناء هذه القبائل وغيرها - من ضباط الجيش وجنوده اشتركوا بالفعل فى عملية إسقاط النظام الملكى.

ونعود بعد هذه المقدمة إلى المرحلة الثانية من معركة اليمن بعد مرحلة التسلل الأولى إلى صاعدة.

فى هذه المرحلة جدّت عوامل كثيرة:

- منها أن الملك سعود بدأ يحس بخطر ثورة اليمن عليه فى السعودية خصوصاً بعد الإنذار الذى حمله إليه مجىء الطيارين السعوديين بطائراتهم إلى القاهرة ثم أصداء ذلك فى الجيش السعودى والنتيجة أن الملك قرر أن يضع جهده كله فى عملية زحف واسعة النطاق ضد ثورة اليمن.

- ومنها أن الحكومة البريطانية التى تخشى من تأثير ثورة اليمن على مشروعاتها فى الجنوب وخصوصاً على قاعدة عدن بدأت هى الأخرى تعمل متحالفة مع الملك سعود فى نفس هدفه.

ودخلت بريطانيا المعركة ببقايا الهاشميين من أعوانها.

الملك حسين فى الأردن، وقريبه شريف بيحان.

- ومنها بعد ذلك ظهور البدر إمام اليمن المخلوع ووصوله إلى الجوبة داخل أراضى السعودية.

وكانت الخطة المرسومة لهذه المرحلة الثانية من المعركة ذات جناحين:

الأول: تجنيد أكبر عدد من المتسللين فى هجمات على الحدود.

والثانى: الاتصال بالقبائل خصوصاً وأن هذه القبائل فى غيبة فروع محلية للإدارة المركزية فى العاصمة، وفى غيبة حاميات للجيش اليمنى موجودة فيها، تملك السيطرة الكاملة على أرضها، واتجاه هذه القبائل على هذا النحو سوف يقرر العلم الذى يرتفع على أرضها... علم الثورة أو علم الأمام.

معنى ذلك أن الملك سعود الذى كان يقود المعركة حتى ذلك الوقت بنفسه، كان يستطيع أن يحتل أعماقاً بعيدة داخل أرض اليمن بمجرد اتصاله بالقبائل وإقناعها بالعمل معه - من غير حاجة إلى متسللين من الخارج يصلون إلى أقاليمها.

وكان هناك شىء آخر يقدره الجميع ويحسبون حسابه.

ذلك هو أن قبائل اليمن كلها بالطبيعة سوف تتحرك بعد قيام الثورة لكى تحدد كل واحدة موقفها من نظام الحكم الجديد.

وكانت حركة القبائل المنتظرة - بالطبيعة - هى الفرصة التى يقدرها الملك، ويحسب حسابها وكان يستعد لها بكل ما يملكه وبكل ما تستطيع شركة أرامكو أن تقدمه له سلفاً وعلى الحساب!

وحقق الملك نجاحاً مع مشايخ قبائل الأعروش فى منطقة صرواح ومع بعض مشايخ" خولان" و"جهم" فى منطقة مأرب.

وهكذا نشأ وضع خطير:

بينما محاولة مقاومة التسلل فى الشمال تجرى عند صاعدة، ظهرت فى الداخل جيوب معادية لثورة اليمن نتيجة للاتصال ببعض مشايخ القبائل.

وبدأت العمليات تتسع على الحدود، وفى الداخل حيث الطرق مفتوحة إلى الحدود خصوصاً عن طريق منطقة الجوف المتصلة مباشرة بالربع الخالى.

ومع نهاية سنة 1962 كان الموقف كما يلى نتيجة لهذه التطورات:

1-عمليات للتسلل ضد الحدود يقودها البدر ومعه القاضى السياغى الذى كان مندوباً للإمام فى السعودية، ومركز العمليات فى جيزان موجه إلى حرض.

2 - نشاط مع القبائل فى منطقة الجوف، مركز المواصلات الحساس مع الداخل يشرف عليه الحسن ومعه ابنه الحسن بن الحسن.

3- نشاط مع القبائل فى منطقة مأرِب يقوده محمد بن الحسن بالتعاون مع الشيخ الغادرشيخ قبائل الأعروش الذى زوّج ابنته من محمد بن الحسن.

4- نشاط فى منطقة حريب يتولاه شريف بيحان مباشرة، أو تتولاه بريطانيا بالطريق غير المباشر.

وفى هذه المرحلة بدأت القيادة العربية المشتركة بضرب عمليات التسلل وحققت انتصاراً كبيراً فى حرض دعمته السيطرة الكاملة على منطقة التسلل الأولى فى صاعدة لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

لقد كان ذلك كافياً لضرب التسلل... لكن الأمر لم يصبح مجرد التسلل المكشوف لاختراق الحدود بالمقاتلين.

وإنما أصبح التسلل ذهباً وأسلحة إلى الداخل كل يوم على الطرق المفتوحة عبر منطقة الجوف.

وكان متوسط النقل اليومى من السلاح فى تلك الفترة ألف بندقية كل يوم، غير مدافع الهاون، والطلقات والذخائر والذهب الذى كان العملة الوحيدة التى رضى بها مَن اتصل بهم سعود.

وبدأت المرحلة الثالثة، ولقد كانت أخطر المراحل... ثم كانت فى نفس الوقت مرحلة التصفية الحاسمة ولهذا فإن المشير عبد الحكيم عامر ذهب إلى اليمن منذ اللحظة الأولى لبدء عملياتها.

وقال لى المشير عبد الحكيم عامر فى صنعاء أول أمس:

- فى البداية كانت التعليمات إلى القوات هى:

أولاً - مقاومة التسلل.

ثانياً - مع المحافظة على سلامة القوات.

ثم أضفنا إلى الهدفين هدفاً جديداً حتّمته طبيعة المعركة المتغيرة فى المرحلة الأخيرة.

هو:

ثالثاً - قفل حدود اليمن ومنع التسلل نهائياً وليس مجرد مقاومة.

فى هذه المرحلة بدأت قواتنا فى اليمن تقوم بحركة التطويق العظيمة التى قامت بها وحققت عن طريقها نجاحها الكبير فى اليمن، فقد زحفت هذه القوات من صاعدة حول منطقة الجوف كلها حيث ملتقى الطرق المفتوحة القادمة من نجران وراء حدود السعودية ثم تمركزت فى "مأرب"، ودفعت قواتها إلى الأمام حتى "الجوبة" وراحت تضغط على "حريب".

ولقد تحقق بعملية التطويق العظيمة هدفان:

الأول: إقامة نطاق من حول اليمن، لا يقاوم التسلل فقط، وإنما يمنعه أصلاً.

والثانى: عبر عنه المشير عبد الحكيم عامر فى الأمر اليومى الصادر عنه إلى جميع القوات يوم أول مارس، والذى قال فيه "لقد تم الحصار لمنع دخول سلاح أو ذخيرة أو أموال من السعوديين، وقد بدأت القبائل المتمردة تحس بوطأة الحصار ولابد أن تستسلم فى وقت قريب وبذلك تكون مهمتكم العظيمة فى تثبيت الثورة فى اليمن قد انتهت".


ولم يكن ذلك كله مما يمكن أن نسميه عمليات ضد المتسللين.

وإنما كانت المسألة، على مراحل متعاقبة، أكبر من ذلك وأخطر.

لذلك قلت إنه لا بد من عملية تصحيح لوصف المعركة بما يناسب طبيعتها.

لقد بدأت تسللاً.

لكنها انتهت بعمليات عسكرية... بحرب حقيقية وشاملة.

ثانياً: من الظروف المساعدة للعدو:

- كان العدو المتأهّب للانقضاض على ثورة اليمن، يدعم جهوده بقوى لا يمكن التقليل من آثارها.

- فى أول هذه القوى حلف بغداد، الذى غيَّر اسمه إلى الحلف المركزى، وهو الآن - أساساً - تحت قيادة بريطانيا وتوجيهها. وهدف هذا الحلف الذى لا ينكره هو السيطرة على الشرق الأوسط وضمان بقائه فى منطقة نفوذ الغرب، وبالتالى فإن عداءه الكبير موجّه إلى حركة القومية العربية.

وكان نشاط الحلف فى معركة اليمن عسكريا ماديا، ونفسيا.

عسكريا - كان الملك حسين أحد أدوات هذا الحلف - طرفاً مباشراً فى المعركة العسكرية بقوات من المدربين وبأسلحة عديدة أهمها المدفعية، ومدفعية الهاون على وجه الخصوص.

وكانت القوات البريطانية فى بيحان، سند عمليات التسلل من بيحان والاتصالات بالقبائل، خصوصاً بعض أقسام "خولان" و "جهم" و"الأعروش".

بل تدخلت القوات البريطانية صراحة ضد كتيبة من الجيش اليمنى كانت تقوم بعملية ضد "حريب" الواقعة على الحدود مباشرة مع بيحان.

كذلك فإن بريطانيا كانت أكبر مورّد للسلاح، وناقل له، فى المعركة ضد ثورة اليمن، وبعدها تجىء الباكستان وهى الأخرى عضو فى الحلف المركزى.

مادياً - صرفت بريطانيا فى المعركة، فإن الملك حسين لم يصرف من جيبه، وما فى جيبه على أى حال هو ما تعطيه له بريطانيا وحلفاؤها.

نفسياً - كانت إذاعات عمَّان، والأهواز فى إيران، وأنقرة، ولندن، وبغداد قبل الثورة على قاسم وعلى سياسته التى وصفها هاشم جواد وزير خارجيته بقوله إنها كانت "تخدم المخطط الأنجلو أمريكى" - كلها حرباً على ثورة اليمن منذ اليوم الأول، بل اللحظة الأولى، ثم أضيفَ إلى هذه الإذاعات كلها، برغمى، إذاعة دمشق التى تسيطر عليها الرجعية السورية المتعاونة تعاون المصير مع الرجعية العربية المتحالفة بالمصلحة مع الاستعمار!

- بعد حلف بغداد، ذَهَبُ الملك سعود، وقد تحدثت عن ذهب الملك ودوره فى معركة اليمن بما يكفى.

ولقد أصبح الملك سعود مقتنعاً أنه إذا لم يقضِ على ثورة اليمن فى اليمن، فإن ثورة اليمن سوف تقضى عليه فى السعودية بتأثيرها التاريخى على الأقل.

- ثم يجيء دور التخلف الذى فُرض على اليمن،والذى كان أخطر الأعداء فى المعركة من أجل الثورة.

- لقد كان التخلف بجميع صوره أقصى ما واجهه جنودنا فى اليمن.

كان المقاتل من القبائل التى اتصل بها أعداء الثورة اليمنية لا يعرف شيئاً إلا أوامر شيخه الصادرة إليه...

نصف عارٍ، يحمل بندقية وصُندوقاً من الذخيرة، وبعض الدقيق يعجنه ليصنع شبه كرة من الطحين وبعض الزبيب المجفف ثم يخرج إلى الجبل لا يعرف الحياة،ولا الحياة تعرفه.

- والتخلف هو الذى سمح للبدر بوصفه إماما أن يستغل الدين فى نماذج رأيتها بعينى، ولو لم أَرَهَا لاستغربت حدوثها فى النصف الثانى من القرن العشرين.

- فى رايدة رأيت فى بيت أحد مشايخ القبائل قطعة من الصفيح عليها اسم البدر،وقال لى الشيخ الذى "جمهر" على حد التعبير الذى تستعمله القبائل وتعنى به موالاة الجمهورية:

- إن البدر بعث إلى هذا "الشىء" وقال لى ضعه فى بيتك لا تُصِبْهُ الغارات الجوية.

وكان الشيخ معتقداً بصدق تميمة البدر لولا أن بيته تهدَّم فى غارة جوية وأدرك بالبرهان أن البدر خدعه!

- فى حجة أرونى قطعة ورق بخط البدر يُقْطِع فيها أحد المشايخ قيراطين فى الجنة!

- فى مأرب روى لى أحد المشايخ مشهداً غريباً حضره بنفسه فى الجوبة مقر البدر بعد هروبه إلى السعودية وقال الرجل إن البدر جعله يسمع صوت الوحى الإلهى يبشره بأنه المنصور وبأن السلال سوف يُشنق، ثم تبين أن البدر سجل على جهاز تسجيل كهربائى رسالة بصوت عميق ووضع جهاز التسجيل فى مكان مُختفٍ من الحجرة وقال لبعض المشايخ الجالسين معه:

- هل معنا أحد فى هذه القاعة؟

قالوا: لا.

قال لهم: اسمعوا صوت الوحى!

ثم بدأ يتمتم بأدعية وصلوات.. وبعد قليل سمعت حشرجة فى الغرفة ثم الصوت العميق ينطلق من حيث لا يرى المشايخ يقول موجها الحديث للبدر:

- أنت المنصور... أنت المنصور.

ثم تمضى الرسالة المدَّعاة من الوحى على هوى البدر حتى النهاية والمشايخ يصيحون.

- الله أكبر سمعنا الوحى.

ولقد أدرك الرجل حقيقة الخديعة عندما عرضت عليه القيادة جهاز تسجيل... يأخذه هدية، ويسجل عليه ما يريد!

- فى صنعاء سمعت قصة محاولة البدر أن يستغل نجاته بعد ضرب قصر البشائر فى صنعاء بقنابل الدبابات.

حاول البدر أن يقنع بعض القبائل أنه خالد لا يموت، يريده الله لرسالة لا تتحقق إلا به.

ووقف البدر أمامهم وعبأ مسدساً بطلقة من "الفشنك" داخل غلاف من البلاستيك وأعطى المسدس لأحدهم، وقال له: أطلِقْ على النار، وقال الشيخ : أعوذ بالله أن أقتلك.

قال البدر: لن تقتلنى لأن الله لا يريد.

ورفض الشيخ وناول البدر مسدسه إلى أحد أتباعه فأطلق المسدس عليه ولم يحدث له بالطبع مكروه، غلاف الطلقة من البلاستيك ذاب، وعبوتها من الفشنك تفرقع، ولا تُحدث صوتاً... نموذج من لعب الأطفال فى أمريكا.

لكن بعض المشايخ صدقوا حكاية الخلود حتى تتم الرسالة.. إلى أن رَأَوْا فى صنعاء مسدساً من نفس النوع... يفرقع ولا يقتل!!

- والتخلف هو الذى سمح لوزير مالية الاتحاد الجنوبى، وهو بريطانى، أن يقول لعدد من السلاطين فى اجتماع عقده لهم فى بيحان وحضره بعض المشايخ من حريب:

إن الاشتراكية التى تنادى بها الجمهورية العربية ضد الإسلام.

ثم راح يقول إنها تعنى مشاركتكم فى زوجاتكم، وفى أرضكم.

ثم يقول الرجل البريطانى:

- إن المصريين كفرة، أليس جنودهم يرتدون القبعات على رؤوسهم !

ويقول السلاطين:

- أَى واللهِ!

ثالثاً : ثم يجىء دور الأرض التى حاربت قواتنا عليها معركة اليمن:

ولقد قلت إنه ليس كمثلها أرض فى مشقتها وفى الوعورة وأشعر وأنا أخط هذه الكلمات الآن على الورق، ومشاهد الطبيعة فى اليمن ما زالت فى ذاكرتى أننى فقدت القدرة على الوصف!

صنعاء العاصمة مثلا ليس فيها طريق واحد مرصوف وإنما الطرق حتى داخل المدينة خنادق بعد خنادق مَلأَى بالتراب.

وفى منطقة صرواح مثلاً وقفت مع بعض الضباط أتطلع حولى، وأفهم لأول مرة تلك الأساطير التى قرأتها فى سيرة سيف بن ذى يَزَن عن جبال الجن والكهوف التى تسكنها فى اليمن.

وكانت الصورة كاملة... حتى حركة الجن كما تصفها الأساطير رأيتها بعينى وإن كان تعليلها الآن يختلف.

كانت الأساطير تصور حركة الجن عموداً من الدخان يرتفع إلى السماء.

والحقيقة أنه عمود من التراب تثيره تيارات هوائية تقوم متعارضة فى جبال اليمن فتصنع دوامات يرتفع فيها التراب إلى قرب السحاب فعلاً، ويتحرك على نحو لا يُلام الخيال القديم البدائى معه، إذا ظنه خُطَى الجن وحركة المردة من الشياطين !

ومنظر الجبال من طائرة الهليكوبتر لا يُنسى.

جبال شاهقة، وكتل من الصخر، وذُرى متلاحقة كأنها أسنان الغيلان فيما تصوره ذات الأساطير القديمة.

وفى صرواح رأيت أحد جنود المدرعات مشغولا بإعادة تركيب جنزير دبابته ووقفت أمامه وهز رأسه يقول لى:

- تصور هذه الشروخ فى فولاذ جنزير الدبابة... كله من هذه الصخور.

والعجيب أنه كان يقولها وابتسامة على شفتيه.

ولقد جعلتنى صرواح أحس أن رجال القوة الفدائية التى دافعت عنها من الصاعقة والمدرعات قد صنعوا صداقة بينهم وبين الجبال.

وكنت أتحدث عن الجبال، وكانوا يدافعون عنها.

وقلت لهم وأنا أنظر إلى الجبال الموحشة تحيط بموقعهم من كل جانب:

- أشعر أن هذه الجبال نفسها ذات طبيعة عدوانية.

واندفع أكثر من واحد بينهم، فى نَفَس واحد، دفاعاً عن الجبال:

وتطلعت إليهم من حولى.

مجموعة من شباب أرض الوادى الحبيب هنا على ضفتى النيل قهروا الطبيعة الموحشة هناك وسط الجبال فى قلب اليمن فى صرواح.

قهروا الطبيعة بسيطرة على النفس بغير حدود.

وعدت أنظر إليهم مرة أخرى...

صلابة عجيبة على ملامحهم، ولِحَاهم طالت وهم لا يشعرون بها، والشمس على بشرتهم تجعلهم كتماثيل البرونز، وفى عيونهم يقظة حادة كأنها وميض الخناجر اليمنية.

وجلست إليهم ساعات سوف أعود إليها مرة أخرى.

وسمعت منهم المغامرات والحكايات والشعر الذى كتبه بعضهم داخل كهوف الجن!

وسمعت قصص الهوى فى الوطن وحنين الذكريات.

وحين ارتفعت بى طائرة الهليكوبتر من صرواح عائدة إلى صنعاء ساعة الغروب كنت من النافذة أطل عليهم، على المواقع القريبة من قصر بَلْقِيس ملكة سبأ الذى ما تزال أطلاله بالقرب منهم، وكنت ألمح بعضهم يتحرك عائداً إلى المواقع على قمم الجبال.

ونظرت إلى الجبال الموحشة وعليها أشعة الغروب، وأحسست على الفور أنهم نقلوا إلى شعورهم بالود نحو جبال صرواح.

كانت الجبال الموحشة تكتسب ظلالاً مشحونة من أحاسيس الغروب تلك اللحظات وأنا ما زلت ألمحهم عند السفوح يتسلقون إلى القمم.

وقلت فى نصف صلاة:

-يا جبال صرواح سلاماً... لهم ولكِ، لقد دافعوا عنكِ يا جبال صرواح وأعطوكِ مع الدماء قلوبهم.

ويا جبال صرواح أَحِبِّيهِم وكُونى من حولهم الأمان.

لقد جاءوا إليكِ بحياتهم... رسالة من الحياة الكبيرة التى حاول أعداء الحياة أن يمنعوا وصولها إليكِ... لكنهم تحدوا أعداء الحياة، وجاءوا إليك من الوادى البعيد الأخضر، شريك نفس المصير معك... يا جبال صرواح!





مـ ـ ـ ـ ـ ـارو
عضو ماسى

Egypt
12125 مشاركة

كتب فى :  - 28/10/2008 :  17:03:48  Show Profile
مشكورة ع الجهد
Go to Top of Page

دودى2020
عضو فعال

Egypt
428 مشاركة

كتب فى :  - 07/09/2009 :  16:14:40  Show Profile
تسلم ايدك على الموضوع
Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70936 مشاركة

كتب فى :  - 15/09/2009 :  03:14:00  Show Profile
دودى2020

تسلم للتواجد

Go to Top of Page
  Previous Topic الموضوع Next Topic  
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share