قضاء الصلاة
الموضوع (34) قضاء الصلاة.
المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر.
مايو 1997 المبدأ : القرآن والسنة.
سئل : سمعنا بعض الآراء تقول : من ترك الصلاة عمدا لا يجب عليه قضاؤها،
فهل هذا صحيح ؟.
أجاب : يقول جمهور العلماء : إن الصلاة إذا خرج وقتها دون أن يؤديها
المسلم المكلف وجب عليه أن يقضيها ، قال تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس
إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} الإِسراء : 78،
يقول القرطبى، مقتضى ظاهر الآية أنه لو فعلها فى غير وقتها تكون باطلة
ولا ثواب عليها.
وإذا كانت باطلة فلا داعى لقضائها ، مع أن فواتها معصية ، ولولا حديث
" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " لم ينتفع أحد بصلاة
وقعت فى غير وقتها ومن هنا كان لابد من قضاء الصلاة في غير وقتها
المحدود لها.
وخروج الصلاة عن وقتها قد يكون لعذر أو لغير عذر، ومن العذر النوم
والسهو فمن فاتته بعذر وجب عليه قضاؤها ، فقد روى البخارى ومسلم
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها
، لا كفارة لها إلا ذلك " وفي رواية " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل
عنها فليصلها إذا ذكرها " فإن اللَّه عز وجل يقول { وأقم الصلاة لذكرى
} طه : 14.
وكذلك يجب قضاؤها لأنها صارت دينا له ، وقد روى الشيخان أن رجلا
سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن أمه التى ماتت وعليها صوم شهر هل
يقضيه عنها ؟ فقال له " نعم ، فدين اللَّه أحق أن يقضى " وفي رواية أن
امرأة سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن أمها التى نذرت أن تحج ، فلم
تحج حتى ماتت ، هل تحج عنها ؟ فقال : " حجى عنها، أرأيت لو كان
على أمك دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا ، فالله أحق بالقضاء ".
فالحديث الأول يوجب القضاء على الناسى بالنص ، والحديث الثانى يدل
على وجوبه بعموم قضاء دين اللّه. ويؤكد وجوب القضاء التعبير بالكفارة
، كأن النسيان ذنب فيه كفارة ، مع أن القلم رفع عن الناسى.
أما من ترك الصلاة حتى خرج وقتها بدون عذر، فالقضاء واجب عليه أيضا
كما قال جمهور العلماء ، وحجتهم فى ذلك ما يأتى :
1 - قول اللَّه تعالى { وأقيموا الصلاة } ولم يفرق بين أن تكون في وقتها
أو بعده ، وهذا أمر يقتضى الوجوب ، فى الوقت وغير الوقت.
2 -ثبت الأمر بالقضاء على النائم والناسى، مع أنهما غير آثمين ، ك لها
عمدا أولى بوجوب القضاء.
3 - الحديث يقول " من نام عن صلاة أو نسيها " وهو يدل على وجوب
القضاء مطلقا، لأن النسيان ترك ، وهو يشمل الترك المتعمد وغير المتعمد
بدليل قول اللّه تعالى { نسوا اللَّه فنسيهم } التوبة : 67، واللّه لا ينسى
فمعناه أنه تركهم وقوله { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم
} السجدة : 14 ، والمعنى إنا تركناكم ومثله قوله تعالى { ما ننسخ من
آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } البقرة : 106 ، فمعنى ننسها
نتركها.
4 - يقول الحديث " فليصلها إذا ذكرها" وهو يشمل الذكر بعد النسيان
وبعد غيره ، ومنه حديث " من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى" وهو
سبحانه لا ينسى حتى يكون ذكر بعد نسيان ، بل المراد علمت ، فمعنى
ذكرها علمها.
5-أن ديون الآدميين المرتبطة بوقت ، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها
بعد وجوبها، وهى مما تسقط بالإبراء، فديون اللَّه لا يصح فيها الإِبراء
، وأولى ألا يسقط قضاؤها إلا باذن منه ، ولا يوجد هذا الإذن.
6 -أن العلماء اتفقوا على أن الفطر فى رمضان يوجب القضاء فى غير
رمضان ، فكذلك الصلاة إذا لم تؤد فى وقتها وجب قضاؤها فى وقت اَخر.
ترك الصلاة
الموضوع (35) ترك الصلاة.
المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر.
مايو 1997 المبدأ : القرآن والسنة.
سئل : ما حكم تارك الصلاة، هل هو كافر أو مؤمن عاص ؟.
أجاب : الصلاة ركن من أركان الإسلام ، ومنزلتها من الإِيمان بمنزلة الرأس
من الجسد ، والنصوص كثيرة فى وجوب المحافظة عليها ، وفى التحذير
من تركها أو التهاون فيها ، ومن أخطر ما ورد قى تركها حديث رواه مسلم
" بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ".
وهذا الحديث يدل ظاهره على ما ذهب إليه من قال إن الإِيمان عقيدة وعمل
، يقول النووى فى شرح هذا الحديث ما ملخصه :
تارك الصلاة إن كان منكرا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين خارج
من ملة الإِسلام إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ولم يخالط المسلمين مدة
يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه. وإن كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها
كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه ، فذهب مالك والشافعى
وجماهير السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب ، فإن تاب
وإلا قتلناه حدا كالزانى المحصن ، ولكنه يقتل بالسيف ، وذهب جماعة
من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروى عن على وإحدى الروايتين عن أحمد
بن حنبل وهو وجه لبعض أصحاب الشافعى ، وذهب أبو حنيفة وجماعة
من أهل الكوفة والمزنى صاحب الشافعى إلى أنه لا يكفر-ولا يقتل بل يعزر
ويحبس حتى يصلى.
ثم ذكر حجة القائلين بكفره وهى ظاهر الحديث والقياس على - كلمة التوحيد،
وحجة القائلين بعدم قتله وهى حديث " لا يحل دم امرىء إلا بأحد ثلاث
" وليس فيه ترك الصلاة، ومن قال لا يكفر احتج بقوله تعالى { إن اللَّه
لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
وبحديث " من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة " وحديث " حرم على النار
من قال لا إله إلا اللّه " وغيرها من الأعمال كالصلاة ونحوها.
ومع قولهم بعدم كفره قالوا بقتله حدا إن لم يتب محتجين بقوله تعالى "
فإن تابوا وأقاموا الصلاة واَتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " أى لا تقتلوهم إن
فعلوا ذلك ، ومفهومه يقتلون إن لم يفعلوا. وبحديث "أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا
منى دماءهم وأموالهم ".
وأجاب هؤلاء الذين لا يكفرون تارك الصلاة عن الحديث " بين الرجل وبين
الشرك والكفر ترك الصلاة " بأن المعنى أنه يستحق عقوبة الكفر وهى القتل
، أو أنه محمول على المستحل ، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو أن
فعله فعل الكفار انتهى.
ذكر السبكى فى طبقات الشافعية أن الشافعى وأحمد تناظرا فى تارك الصلاة
فقال الشافعى : أحمد أتقول أنه يكفر؟ قال نعم ، قال إذا كان كافرا فبم
يسلم ؟ قال : يقول لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه ، قال الشافعى : فالرجل
مستديم لهذا القول لم يتركه ، قال : يسلم بأن يصلى قال : صلاة الكافر
لا تصح ، ولا يحكم له بالإِسلام بها، فسكت أحمد.
ومن ترك الصلاة كسلا مع الإِيمان بوجوبها عليه يجب نصحه بالحكمة والموعظة
الحسنة، فإن لم يتب وجبت مقاطعته وكراهيته وحَرُمَ حبه ومودته.
فذلك مظهر الإِنكار بالقلب الوارد فى حديث تغيير المنكر، وقد حدث أن النبى
صلى الله عليه وسلم هجر المتخلفين عن غزوة تبوك بغير عذر وأمر أصحابه
بهجرهم ، على أن يكون الهجر بدافع دينى لا لغرض شخصى ، والأعمال
بالنيات.
ولو أن المؤمنين الطائعين قاطعوا العصاة وهجروهم لكان ذلك من أكبر
العوامل على مراجعة أنفسهم وتوبتهم إلى اللَّه ، ضرورة حاجتهم إلى التعامل
مع إخوانهم.
جمع التبرعات أثناء الخطبة
الموضوع (36) جمع التبرعات أثناء الخطبة.
المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر.
مايو 1997 المبدأ : القرآن والسنة.
سئل : هل يجوز جمع التبرعات أثناء خطبة الجمعة ؟.
أجاب : روى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من توضأ فأحسن
الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة
ثلاثة أيام ، ومن مسَّ الحصا فقد لغا". قال العلماء : لقد نهى الرسول صلى
الله عليه وسلم عن اللغو حال خطبة الجمعة، وحكمته أن فيه تشويشا على
الخطيب بالكلام أو بأى عمل آخر، وأن فيه انصرافا عن الاستماع إليه.
قال أبو حنيفة ومالك والشافعى وعامة العلماء : يجب الإنصات للخطبة،
وبخاصة إذا تلى فيها قرآن ، قال تعالى { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا
له وأنصتوا لعلكم ترحمون } الأعراف : 204 ، وقال أيضا { وقال الذين
كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } فصلت : 26 ، وقال
أبو حنيفة : يجب الإنصات حتى قبل الخطبة ، من حين خروج الإمام إليها.
وقول الحديث : " ومن مس الحصا فقد لغا" يشير إلى أن كل ما يصرف
الإنسان عن الاستماع إلى الخطبة يبطل ثواب الجمعة ، وذلك كمس الحصا
الذى كان يفرش به المسجد النبوى، ومثله اللهو بالمسبحة وبأى شىء آخر،
فهو لغو أى باطل مذموم. ولما كان حامل صندوق التبرعات منصرفا عن
الاستماع ومشوشا على غيره بصوت النقود المعدنية التى تقرع قاع الصندوق
، وبمشيه بين الصفوف الذى قد يكون معه تخطً للرقاب وهو منهى عنه نهيا
شديدا، وقد يشغل المتبرع بإخراج النقود فينصرف عن سماع الخطبة-لما
كان ذلك كان جمع التبرعات بهذه الطريقة منافيا لواجب الاستماع إلى
الخطبة، وليست هذه حالة ضرورة حتى يباح لها المحظور، فإن جمع التبرعات
ممكن بعد الانتهاء من الصلاة.
وقد جاء النهى عن تخطى الرقاب يوم الجمعة مقيدا بأنه يكون بعد خروج
الإمام للخطبة ، كما فى رواية أحمد والطبرانى ، أو يكون أثناء الخطبة كما
فى رواية لأحمد وأبى داود والنسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما
، حيث رأى النبى صلى الله عليه وسلم رجلا يتخطى رقاب الناس وهو
يخطب ، فقال له " اجلس ، فقد آذيت " وجاء النهى مطلقا لم يقيد بهذين
القيدين كما فى رواية ابن ماجة والترمذى " من تخطى رقاب الناس يوم
الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " وقال الترمذى : حديث غريب ، أى رواه
راو واحد فقط والعمل عليه عند أهل العلم.
واعتمادا على هذه الروايات يمكن أن يقال : لو كان جمع التبرعات قبل
خروج الإمام للخطبة وليس فيه تخط للرقاب لم يكن ذلك ممنوعا.
والأفضل -كما قلنا-أن يكون ذلك بعد الانتهاء من الصلاة.