Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


دردشة شبيك لبيك
 المنتديات
 المنتدى الاسلامى
 نور الأسـلام
 ::..!!..:: خطبــــــة الـجــمــعــــة ..!!..::
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
Previous Page | Next Page
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 28/12/2010 :  18:00:19  Show Profile

التبرج وخطره في المجتمعات


أحمد بن جمال أبوسيف

الخطــــــــــــــــــــــــــبة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون))
((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا))
(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما ))
أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعه، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةِ في النار
أما بعد،

عباد الله :

فإننا نعيش في زمن كثرت فيه الفتن وانتشرت ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ومن تلكم الفتن التي طاشت وتطيش لها عقول فتنة النساء ، فتنة النساء تلك الفتنة التي حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" ، هي الفتنة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام : " اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" .
إخوة الإسلام :

فتنة النساء فتن متعددة وليست فتنة واحدة : فتنة النساء في الاختلاط بالرجال فتنة ىالنساء في الخلوة بالرجال فتنة النساء بالتبرج والسفور ، التبرج الذي هو الشرارة الأولى للزنا عياذا بالله تعالى .
عباد الله : يقول النبي صلى الله عليه وسلم محذرا من هذه الفتن : "إذا خلا رجل بامرأة كان الشيطان ثالثهما "
يقول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم : "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية"
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة لا تسأل عنهم : وذكر منهم : وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده ، فلا تسأل عنهم"
يقول صلى الله عليه وسلم : "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"
عباد الله : يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "سيكون آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات"
نعم عباد الله كل هذا التحذير من فتنة النساء لخطرها وكبير ضررها .
نعم إخوة الإسلام : هذه المرأة المتبرجة التي تخرج إلى الشارع بكامل زينتها وقد تعطرت وتبرجت امرأة ملعونة امرأة مستحقة للعنة الله إمرأة مستحقة للطرد من رحمة الله ، أتدرون لماذا يا عباد الله ؟
لأنها امرأة ظالمة نعم ظالمة ، ظالمو لنفسها ظالمة لأهلها ظالمة لمجتمعها مخالفة أوامر دينها .
ظالمة لنفسها لأنها عرضت نفسها للعنة الله ظالمة لنفسها لأنها عرضتها لسخط الله ظالمة لنفسها لأنها عرضتها لعذاب الله ؛ والواجب على كل واحد منا أن يحرص على النجاة من عذاب الله وأن يسعى للفوز برضوان الله ، وهذه المتبرجة خالفت ذلك كله فعرضت نفسها للعذاب والسخط واللعنة .
وهي أيضا ظالمة لأهلها لأنها جلبت وتجلب وستجلب لهم الكلام والسبة والعار ، وظالمة لزوجها لأنها تزينت لغيره وأبدت مفاتنها لسواه وهو ما تزوجها إلا لتكون له وحده لا يشركه فيها غيره .
ولكن المصيبة عباد الله : لما يكون هذا التبرج وذاك السفور وذياك الفساد بعلم الأهل ورضا الزوج ةتحت نظرهم فهذه هي المصيبة حقا ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة لا يدخلون الجنة : العق لوالديه والديوث ورجلة النساء" .
أتعرفون الديوث عباد الله إنه الذي يرضى لأهله مثل هذا التبرج إنه الذي يقر في أهله الخبث ولا يغيره نعوذ بالله من سوء الحال .
المتبرجة مستحقة للعنة لأنها ظالمة لمجتمعها
إخوة الإسلام إن المتبرجة إذا تعطرت وتزينت ولبست وهي عارية بلباسها وخرجت إلى الشارع كأنها تدخل غرفة نومها لتنام مع زوجها فتنت الرجال فتنت الشباب إذا رأوها وخاصة وأن كثيرا من الناس لا يمتثلون أمر الله جل وعز بغض البصر فتراه يقلب ناظريه فيها من فوقها إلى أسفلها فيرى ما لا يستطيع أن يصبرعليه فيشتهي هذه المتبرجة ويحاول أن يصل إليها بكل الطرق وشتى الوسائل فيحدث ما لا يحمد عقباه من الفتن والزنا والخنا عياذا بالله .
ولا تحسبن أيها المسؤول عن امرأة متبرجة : أختا أو بنتا أو زوجة أنها سوف تحترم لما تنزل إلى الشارع بتبرجها والله وتالله وبالله أيمان ثلاثة لن ينظر إليها كثير من الناس إلا على أنها عارضة لنفسها باذلة لعرضها تشتهى .
فالمرأة المتبرجة مستحقة للعنة ولغضب الله وعقابه وأليم عذابه لأنها أشاعت الفاحشة في المجتمع المسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
عباد الله : المرأة المتبرجة مستحقة للعنة والغضب والسخط لأنها خالفت أوامر دينها خالفت أوامر الله جل وعلا وارتكبت نهيه وتناست قوله : "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" وخالفت أمر نبيها وهو يدعوها ويدعو نساء الأمة جميعا إلى الستر والحياء والعفة .
نسأل أن يستر على أعراضنا وأعراض المسلمين
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
عباد الله إن الواجب على هذه المرأة المتبرجة أن تتقي الله جل وعلا وتبادر بالتوبة والإنابة والرجوع والاستغفار وإصلاح ما فات مستجيبة لأمر ربها جل وعلا : "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما"
فالحجاب والجلباب فيه مصلحة للمرأة المسلمة لأنها به تعرف تعرف أنها صالحة تعرف أنها متزنة تعرف أنها ملتزمة أنها بعيدة عن الشبهات فلا يتعرض لها أحد بالأذى .
والواجب على أولياء أمور النساء أن يتقوا الله في النساء وأن يتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فاعلم أخي أنك مسؤول عن صغير الأمور وكبيرها فاتق الله وأعد للسؤال جوابا .
نسأل الله أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن .


Edited by - مــطر on 28/12/2010 18:09:21
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 28/12/2010 :  18:02:42  Show Profile

في جلاء الهم والغم والحزن


الشيخ عبدالرزاق العباد


الخطــــــــــــــــــــــــبة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد أيها المؤمنون عباد الله

أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فإن من اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، وتقوى الله جل وعلا هي رأس السعادة وسبيل الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة وهي خير زاد يبلِّغ إلى رضوان الله.

عباد الله

إن العبد في هذه الحياة قد يصاب بآلام متنوعة وقد يرد على قلبه إردات متعددة تؤرق قلبه وتؤلم نفسه وتجلب له الهم والحزن والغم، فهذه أمور مقدرة وأشياء مكتوبة لابد أن يراها العبد في هذه الحياة إلا أن الله عزوجل جعل للعبد أسبابا عظيمة وأمورا مهمّة إذا اعتنى بها واعتنى بتطبيقها زال عنه همُّه وانجلى غمه وذهب حزنه وانشرح صدره وتحققت له سعادته في هذه الحياة فهناك أمور عديدة ترد على القلب تؤلمه منها أمور تتعلق بأمور ماضية وذكريات لأشياء قد مضت وانقضت فيحزَنُ القلب عند تذكرها ويصيبه آلام متنوعة باستحضارها، وهناك آلام تتعلق بأشياء في المستقبل ترد على قلب العبد فيصيبه الهم بسبب أمور قادمة وأشياء آتية لا يدري ما يكون له فيها ويهتم قلبه لذلك. وهناك الغم وهو الذي يصيب العبد في أمر يتعلق بحاضره وواقعه وحاله فهذه أمور ثلاثة حزن وهو يتعلق بما مضى، وهم وهو يتعلق بالمستقبل وغم وهو يتعلق بحاضر الإنسان، وهذه الأمور الثلاثة إنما تنجلي عن القلب وتزول عنه بالعودة الصادقة إلى الله جل وعلا، والانكسار بين يديه والتذلل له والخضوع له سبحانه والدخول في طاعته والاستسلام لأمره والإيمان بكتابه وتدبره والعناية بقراءته وتطبيقه فبذلك عباد الله لا بغيره تزول هذه الأمور وينشرح الصدر وتتحقّق له السعادة ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أوأنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وهمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله فرحا " وفي رواية "أبدله فرجاً". وهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ثم إن الصحابة الكرام لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يوجه إلى هذا التوجيه العظيم ويدل على هذا الدعاء المبارك قالوا لرسول صلى الله عليه وسلم: ألا نتعلم هؤلاء الكلمات فقال عليه الصلاة والسلام: " أجل ينبغي على من يسمعهن أن يتعلمهن " فهي كلمات عظيمة ينبغي على المسلم أن يتعلمَّها وأن يسعى في قولها عندما يصاب بالهمّ أو الغم أو الحزن، وليعلم أن هؤلاء الكلمات إنما تكون نافعة له إذا حقَّق مدلولها وطبَّق مقصودها وعملت بما دلت عليه، أما أن يأتي بالأدعية المأثورة والأذكار المشروعة دون فهم لها ودون تحقيق لمقصودها فإنها بذلك تكون عديمة التأثير قليلة الفائدة.

عباد الله وعندما نتأمل هذا الدعاء العظيم الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليقوله العبد عندما يصاب بالهم أو الغم أو الحزن نجد أنه يتضمَّن أربعة أصول عظيمة لا تتحقق للعبد السعادة ولا ينجلي عنه الهم أو الغم أو الحزن إلا بتحقيقها والإتيان بها:

أما الأصل الأول: فهو تحقيق العبادة لله جل وعلا وتمام الانكسار له والذّل بين يديه والخضوع له سبحانه واعتراف العبد بأنه مملوك لله مربوب له المخلوق له يدبره الله عزوجل ويتصرف في شؤونه كلها وهذا نأخذه من قوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك " فهذا اعتراف من العبد بأنه مملوك لله مربوب لله مخلوق له سبحانه وتعالى هو وآباؤه وأمهاته إلى آدم وحواء، فالكل مماليك لله والكل مربوبون له هو خالقهم وهو سيدهم وهو مولاهم وهو مدبر شؤونهم لا مالك لهم إلا الله ولا خالق لهم إلا الله ولا مدبِّر لشؤونهم إلا الله سبحانه وتعالى ولهذا فإن العبد يذل لله ويخضع بين يديه وينكسر لعظمته وجلاله وجماله وكماله

أما الأصل الثاني: - عباد الله - فهو أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه سبحانه لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه #64831;ما يَفتح الله للناس من رحمةٍٍ فلا مُمسكَ لها وما يُمسكْ فلا مُرسلَ له مِن بعده#64830; [فاطر: 2] وهذا مستفاد من قوله " ناصيتي بيدك ماضٍ في حكمك عدل في قضاؤك " فناصية العبد وهي مقدَّمة رأسه بيد الله عزوجل يتصرف فيه تبارك وتعالى كيف يشاء ويحكم فيه بما يريد لا معقِّب لحكمه سبحانه ولا راد لقضائه ولهذا قال: " ماض فيَّ حكمك " فحكم الله ماض وقضاؤه ماض ولا يرده راد مهما فعل العبد فما قدره الله كان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا لابد على العبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره وبمشيئته النافذة وقدرته الشاملة التي شملت كل مخلوق

والأصل الثالث: - عباد الله - أن يؤمن العبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العظيمة الواردة في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويتوسل إلى الله بها .

يقول الله تعالى: #64831;ولله الأسماء الحسنى فادعوهُ بها وذَرُوا الذين يُلحدون في أسمائه سيُجزَون ما كانوا يعملون#64830; [الأعراف: 180]

ويقول تعالى: #64831;قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى#64830; [الإسراء:110] والعبد كلما كان عظيم المعرفة بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى زادت خشيته لله وعظمت مراقبته له وازداد بعداً عن معصيته والوقوع فيما يسخطه كما قال بعض السلف: "من كان بالله أعرف كان منه أخوف".

والله جل وعلا يقول: #64831;إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ#64830; [فاطر:28] ولهذا مما يطرد الهم والغم والحزن أن يعرف العبد ربه ويعرف أسماءه وصفاته ويتوسل إليه سبحانه بها وهذا مستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"

أما الأصل الرابع: - عباد الله - فهو العناية بالقرآن الكريم كلام الله عزوجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذي فيه الهداية والشِّفاء والغنية والكفاية والسداد #64831;إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقومُ#64830; [الإسراء: 9] وكلما كان العبد عظيم العناية بالقرآن الكريم تلاوة وحفظا ومذاكرة وتدبرا وتطبيقا كان ذلك من أعظم أسباب انشراح صدره وذهاب همه وانجلاء حزنه وغمّه وهذا مستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام: " أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وهمي " فهذه عباد الله أصول أربعة مستفادة من هذا الحديث العظيم ينبغي علينا أن نتأملها وأن نسعى في تطبيقها وأن نحفظ هذا الدعاء المبارك الذي أرشد إليه نبينا صلى الله عليه وسلم ودل الأمة عليه بل رغّب في حفظه وتعلمه، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم لكل خير وأن يهدينا سواء السبيل وأن يشرح صدورنا ويزيل همومنا وغمومنا وأن يكتب لنا السعادة في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم

الحمد لله عظيم الإحسان واسع الجود والفضل والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين

أما بعد عباد الله اتقوا الله تعالى ثم اعلموا رحمكم الله أن سعادة العبد في هذه الحياة وزوال الكرب عن قلبه إنما يتحقق بتوحيد الله وإخلاص الدين له سبحانه وتعالى، وقد جاء في سنن أبي داود بإسناد ثابت عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها كلمات تقولها عند الكرب أو في الكرب: " الله ربي لا أشرك به شيئا " فهي كلمة عظيمة يقولها المسلم عندما يصاب بالكرب وهي توحيد وإخلاص وإيمان وإذعان وبعد عن الشرك كله صغيره وكبيره ولهذا عباد الله ما زالت الكربات عن العبد بمثل توحيد الله وإخلاص الدين له وتحقيق العبادة التي خلق العبد لأجلها وأوجد لتحقيقها فإن القلب عندما يعمر بتوحيد الله وإخلاص الدين له تذهب عنه الكربات وتزول عنه الغموم والشدائد ويسعد غاية السعادة ولهذا نسأل الله عز وجل أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بتوحيد الله وإخلاص الدين له وأن يوفقنا لكل خير وأن يؤت نفوسنا ونفوسكم تقواها وأن يزكيها فإنه سبحانه خير من زكاها وهو وليها ومولاها.

وصلوا وسلموا على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: #64831;إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما#64830; [الأحزاب: 56] وقال صلى الله عليه وسلم: " من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا "، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وأبي السبطين علي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين اللهمّ أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين اللهم دمر أعداء الدين اللهم دمر أعداء الدين اللهم دمر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام . اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم انصر إخواننا المسلمين المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم نصرا مؤزرا، اللهم أيدهم بتأيدك ووفقهم بتوفيقك واحفظهم بحفظك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وأعنه على البر والتقوى وسدّده في أقواله وأعماله، وألبسه ثوب الصحة والعافية، اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحييتنا، اللهم إنا نعوذ بك من فجاءة نقمتك، ومن زوال نعمتك، وتحول عافيتك ومن جميع سخطك، ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، عباد الله اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.


Edited by - مــطر on 28/12/2010 18:11:31
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 28/12/2010 :  18:04:39  Show Profile

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس


أمجد عمران سلهب


الخطــــــــــــــــــــــــبة

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقاً)).
وهذا قول الله -عز وجل-: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).
وعن معاذ بن أنس –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء).
ويروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قوله: (من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون).
وجاء في "سير أعلام النبلاء": أن رجلاً كان يشتم عمر بن ذر، فلمّا لقيه عمر قال: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وهذا رجل خاصم الأحنف بن قيس، وقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فقال: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدة.
يقول الشيخ العثيمين -رحمه الله- في تعليقه على كتاب "حلية طالب للعلم": (المجادلة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويـريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بهـا، وعلامة ذلك -أي المجادلة الحقة- أن الإنسان إذا بان له الحق اقتنع، وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه فتجده لو بان أن الحق مع خصمه يورد إيرادات، يقول: لو قال قائل ثم إذا أجيب قال، لو قال قائل ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم تكون سلسلة لا منتهى له، ومثل هذا عليه خطر ألا يقبل قلبه الحق لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر، ولكن في خلوته، وربما يورد الشيطان عليه هذه الإيرادات فيبقى في شك وحيرة كما قال الله -تبارك وتعالى-: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ و َأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُـمْ فِـي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)الأنعام110
وقال الله -تعالى-: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمـَا يُريِدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) المائدة 49
فعليك يا أخي بقبول الحق سواء مع مجادلة غيرك أو مع نفسك، فمتى تبين لك الحق، فقل: سمعنا وأطعنا، وآمنا و صدقنا؛ و لهذا تجد الصحابة يقبلون ما حكم به الرسول -عليه الصلاة والسلام-، أو ما أخبر به دون أن يوردوا عليه الاعتراضات.
قال النووي في كتاب الأذكار:
"قال بعضُهم: ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدين ولا أنقصَ للمروءة ولا أضيعَ للذة ولا أشغلَ للقلب من الخصومة.
فإن قلتَ: لا بُدَّ للإِنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه.
فالجوابُ ما أجابَ به الإِمامُ الغزالي أن الذمَّ المتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل أو غير علمٍ كوكيل القاضي، فإنه يتوكَّلُ في الخصومة قبل أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانب هو فيخاصمُ بغير علم، ويدخلُ في الذمّ أيضاً مَن يطلبُ حَقَّه لكنه لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة، كلماتٍ تُؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملُه على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجَّتَه بطريق الشرع من غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلُه هذا ليس حراماً، ولكن الأولى تركُه ما وجد إليه سبيلاً، لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومة على حدّ الاعتدال متعذّر، والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته ويُطلق اللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب حتى أنه يكون في صلاته وخاطره معلقٌ بالمحاجّة والخصومة فلا يَبقى حالُه على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ، وكذا الجِدال والمِراء.
فينبغي أن لا يفتحَ عليه بابَ الخصومة إلا لضرورة لا بُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانَه وقلبَه عن آفات الخصومة."
وهذا فصلٌ أنقله لكم من كتاب: [النُبَذُ في آداب طَلبِ العِلم] لفضيلة الدكتور حمد بن إبراهيم العثمان لعل الله -عز وجل- ينفعنا به.
"مجانبة الخصومة والجدال بالباطل:
عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:[ ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ]، ثُمّ تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
و لمّا تخلف كعب بن مالك -رضي الله عنه- عن غزوة تبوك، و جاء المخلّفون يعتذرون للنبيّ -صلى الله عليه وسلم-، و جاء كعب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وجلس بين يديه، قال له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-:[ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك]؟ فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت إني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيتُ جدلاً، ولكني -والله- لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به ليوشكن الله أن يسخطك عليّ …الحديث.
قال النووي:قوله ((أعطيت جدلاً)) أي: فصاحةً، وقوّة في الكلام، وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت.
و قال عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-:[إن للخصومات قحماً، وإنّ الشيطان يحضرها].
وقال جعفر بن محمّد:[ إيّاكم و الخصومات في الدين؛ فإنها تُشغل القلب، وتورثُ النفاق].
وقال الإمام مالك -رحمه الله-: [الجدال في الدين ينشىء المراء، ويذهب بنور العلم من القلب، ويقسي القلب ويورث الضغن].
وقال الإمام الشافعيّ:[من إذلال العلم أن تناظِرَ كلّ من ناظرك، وتقاول كل من قاولك].
وقال الأوزاعي: [بلغني أن الله إذا أراد بقومٍ شرًّا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل].
وقال القاسم بن عثمان الجوعي:[إذا رأيت الرجل يخاصم فهو يُحبُّ الرئاسة].
و قال شيخ الإسلام:[وما أكثر من يحتج به من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم، وقد يبدي ذوو العلم له مستندًا من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله لها وعمله بها ليس مستندًا إلى ذلك؛ وإنما يذكرها دفعًا لمن يناظره].
والمجادلة المحمودة إنّما هي إبداء المدارك التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأمّا إظهار غير ذلك، فنوع من النفاق في العلم والعمل.
و قال أبو بكر الآجري -رحمه الله-:[اعلموا رحمكم الله، ووفقنا وإياكم للرشاد، أن من صفة هذا العالم العاقل الذي فقهه الله في الدين، ونفعه بالعلم، أن لا يجادل، ولا يماري، ولا يغالب بالعلم إلا من يستحق أن يغلبه بالعلم الشافي، وذلك يحتاج في وقت من الأوقات إلى مناظرة أحد من أهل الزيغ، ليدفع بحقه باطل من خالف الحق، وخرج عن جماعة المسلمين، فتكون غلبته لأهل الزيغ تعود بركة على المسلمين، على الاضطرار إلى المناظرة، لا على الاختيار لأن من صفة العالم العاقل أن لا يجالس أهل الأهواء، ولا يجادلهم].
و قال أيضًا:[ومن صفة هذا العالم العاقل إذا عارضه في مجلس العلم والمناظرة بعض من يعلم أنه يريد مناظرته للجدل، والمراء والمغالبة، لم يسعه مناظرته؛ لأنه قد علم أنه إنما يريد أن يدفع قوله، وينصر مذهبه، ولو أتاه بكل حجة مثلها يجب أن يقبلها، لم يقبل ذلك، ونصر قوله، ومن كان هذا مراده لم تؤمن فتنته، ولم تحمد عواقبه].
و قال الحافظ ابن رجب:[فما سكتَ مَنْ سكتَ من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلاً ولا عجزاً؛ ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه، وما تكلَّم من تكلَّم وتوسَّع من توسَّع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًّا للكلام وقلة ورع؛ كما قال الحسن وسمع قوماً يتجادلون: "هؤلاء قوم ملّوا العبادة، وخفّ عليهم القول، وقلَّ ورعهم فتكلَّموا"."
نعم:


"وظلمُ ذوي القُربَـى أشدُّ مـضاضةً *** على النفسِ مِن وَقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ!

... ولكنَّنا سَنَظَلُّ نُنَاصِحُ، ونتناصَحُ..
ونتواصى بالحقِّ، ونتواصى بالصبرِ..
وسنحرصُ -جدًّا جدًّا- على الرِّفْقِ، واللِّينِ..
وسنحرصُ-أكثرَ وأكثرَ- على جمعِ كلمةِ السلفيين-(كُلِّ السلفيِّين)-..
حتى نرجعَ كما كُنَّا:
مثالَ الوحدةِ والائتلاف..
مثالَ الجمعِ والاتِّفاق...
كما هو شعارُ السُّنَّةِ، وإطارُ أهل السُّنَّة...
"فأرجو الرِّفْقَ في النَّقْدِ، والتلطُّفَ في الردِّ -قَدْرَ استطاعتِكم-؛ حتَّى نكون -أيضاً- عَوْناً لإخوانِنا على الشيطان؛ حتى لو بَغَوْا علينا -هدانا اللـهُ وإيَّاهُم سواءَ السَّبِيلِ-.
{والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهُمْ سُبُلَنا..}
ولْنَكُن -جميعاً- على معنى ما قالهُ يحيى بن مُعاذ الرازي (المتوفى سنة 258هـ) -رحمه الله-:
» ليكن حظُّ المؤمن منك ثلاثاً:
1- إنْ لم تَنْفَعْهُ؛ فلا تَضُرَّهُ.
2- وإنْ لمْ تُفْرِحْهُ؛ فلا تَغُمَّهُ..
3- وإنْ لم تمدَحْهُ؛ فلا تَذُمَّهُ""


Edited by - مــطر on 28/12/2010 18:12:53
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 28/12/2010 :  18:07:27  Show Profile


إذا أحب الله عبداً


د. خالد سعد النجار

الخطــــــــــــــــــــــــــــبة
عن قتادة بن النعمان -رضي الله عنه- قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء) (1).

الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها، وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها حتى نظروا في شواهدها وآياتها، ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها، ولا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها (2) .

قال جل شأنه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد 20. أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية، وقال قتادة: هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله - سبحانه - ما استطاع، والغرور (بفتح الغين) الشيطان، يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة، قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء (3).

والله -جل شأنه- إذا فتح الدنيا وزينتها على العصاة فإنما هو استدراج، قال - تعالى -: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) التوبة 55 (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) التوبة 85 .

قال المناوي: (إذا أحب الله عبداً حماه) أي حفظه من متاع (الدنيا) أي حال بينه وبين نعيمها وشهواتها ووقاه أن يتلوث بزهرتها لئلا يمرض قلبه بها وبمحبتها وممارستها ويألفها ويكره الآخرة (كما يحمي) أي يمنع (أحدكم سقيمه الماء) أي شربه إذا كان يضره، وللماء حالة مشهورة في الحماية عند الأطباء، فهو جلّ اسمه يذود من أحبه عن الدنيا حتى لا يتدنس بها وبقذارتها ولا يشرق بغصصها، كيف وهي للكبار مؤذية وللعارفين شاغلة وللمريدين حائلة ولعامة المؤمنين قاطعة، والله - تعالى -لأوليائه ناصر، ولهم منها حافظ وإن أرادوها (4)

وقال ابن الجوزي: تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان: يا سفيان عد منع الله إياك عطاء منه لك، فإنه لم يمنعك بخلا، إنما منعك لطفا. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق، فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له، لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه، إما بحفظهن أو بالكسب عليهن، فإن قوى عشقه لهن ضاع عمره وانقلب هم الآخرة إلى اهتمام بهن، فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر، وإن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه، وإن أردن الوطء وهو عاجز فربما أهلكته أو فجرن، وإن مات معشوقه هلك هو أسفا، فالذي يطلب الفائق يطلب سكينا لذبحه وما يعلم، وكذلك إنفاذ قدر القوت فإنه نعمة، وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) (5) ومتى كثر تشتت الهمم، فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال (6).

ولذلك حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من التكالب على الدنيا، والسنة النبوية طافحة بالأحاديث الصحيحة التي تدور حول هذا المعنى الجليل، فعن عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما انصرف تعرضوا له فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآهم ثم قال: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟) قالوا أجل يا رسول الله، قال: (فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) (7)، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصا ولا يزدادون من الله إلا بعدا) (8).

وعن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: (إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ [أي أتصير النعمة عقوبة] فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ لَهُ مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلا يُكَلِّمُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ [أي العرق] فَقَالَ (أَيْنَ السَّائِلُ) وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ [أي الجدول] يَقْتُلُ [وفي رواية يقتل حبطا والحبط انتفاخ البطن من كثرة الأكل] أَوْ يُلِمُّ [أي يقرب من الهلاك]، إِلا آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ [أي أخرجت] وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ [أي أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيلت في دفعه بأن تجتر فيزداد نعومة ثم تستقبل الشمس فتحمى بها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ والتخمة فسلمت وهذا بخلاف من لم تتمكن من ذلك]، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (9).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (حلوة الدنيا مرة الآخرة ومرة الدنيا حلوة الآخرة) (10) يعني لا تجتمع الرغبة فيها والرغبة في اللّه والآخرة بها، ولا يسكن هاتان الرغبتان في محل واحد إلا طردت إحداهما الأخرى واستبدت بالمسكن، فإن النفس واحدة والقلب واحد، فإذا اشتغلت بشيء انقطع عن ضده، ولهذا قال روح اللّه عيسى لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد (11) وقال - صلى الله عليه وسلم - (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) (12).


Edited by - مــطر on 28/12/2010 18:14:57
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 28/12/2010 :  18:17:47  Show Profile


أصحاب الكهف عظات وعبر


الشيخ علي الحدادي


الخطبة الاولى
إن أحسن القصص هي قصص القرآن لما فيها من العظات والعبر التي تنفع من تدبرها وتأملها عقيدة وعبادة وسلوكاً .
والله عز وجل ما ذكر القصص فى القرآن تسلية وإضاعة للأوقات وإنما أنزلها لأخذ العبرة منها قال الله تعالى ( لقد كان فى قصصهم عبرة )
ومن قصص القرآن قصة أصحاب الكهف التي ذكرها الله فى سورة الكهف وهي السورة التى رغب النبي صلى الله علية وسلم فى قراءتها وحفظ بعض آياتها ففى صحيح مسلم عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال ). وعن أبى سعيد الخدري انه قال ( من قرأ سورة الكهف فى يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق ) رواه البيهقي وله حكم الرفع..
وملخص قصة أصحاب الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم ووحدوه في العبادة وكان قومهم مشركين فاعتزلوهم إلى كهف فضرب الله عليهم النوم فناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنوات.ثم بعثهم الله من نومهم فحفظ الله لهم دينهم ووقاهم الفتن وعصمهم منها ونالهم شئ كبير من العز والشرف بعد أن تبدلت أحوال الناس جزاء صبرهم وثباتهم وإيمانهم ..
ويستفاد من قصتهم فوائد كثيرة ومنها..
أولاً:
أن قصتهم مع عجيب شأنها فإنها ليست بأعجب آيات الله، بل أعجب منها خلق الأرض وما خلق فيها من أنواع الزينة ومن كل شئ ثم يفنى ذلك بقدرة الله ثم يبعث الله الخلائق ليجازيهم على أعمالهم .
فليتفكر المسلم فى خلق السموات والأرض وليتذكر أنه خلق لعبادة الله وحده وليتذكر معاده وليستعد له بأحسن العمل قال الله تعالى ( إنا جعلنا مع على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا أم حسبت أن اصحب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) أى وإن كانت قصتهم عجيبة إلا أن ما تقدم ذكره أعجب وأعظم.
ثانياً:
أن هؤلاء الفتية نشؤوا في بيئة كافرة مشركة تعبد من دون الله آلهة أخرى ولكن الله عزوجل تداركهم بلطفه ورحمته فهداهم إلى الإيمان والتوحيد. فآمنوا بالله وحده وعلى العاقل أن يكون رائده الحق لا التعصب لما عليه الآباء والأسلاف فحيث تبين له لحق فليلتزم به ولا يمنعنه من قبول الحق هوى أو حظ من حظوظ النفس الأمارة بالسوء فالحق أحق أن يتبع.
ثالثا:
لما عرف أولئك الفتية الحق جهروا به كما قال تعالى ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هولاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطن بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) وأكثر المفسرين أنهم قالوا هذا الكلام العظيم أمام ملك زمانهم.
وما كانت دعوتهم إلا دعوة الرسل ألا وهى إفراد الله بالعبادة والبراءة من عبادة ما سواه.
ما طالبوا بحكم ولا نافسوا على ملك ولكن دعوا إلى إفراد الله بالعبادة وهكذا على كل من عرف الحق وعلمه عليه أن يدعوا إليه على بصيرة وحكمة وأن يسلك في دعوته مسلك النبيين وأتباعهم من العناية بالتوحيد والدعوة إليه و التحذير مما يضاده
ومع ما هدى الله أولئك الفتية إليه من الدعوة إلى الحق فقد منّ عليهم بأن ربط على قلوبهم وثبتهم فى ذلك المقام الحرج والله لا يخذل من صدق معه وتسلح بسلاح الصبر واليقين
رابعا:
حين خشي أولئك الفتية من أذى قومهم رأوا أن يفروا بدينهم وبأنفسهم في مكان يعبدون ربهم فيه آمنين مطمئنين و العزلة مطلوبة حين لا يكون لمخالطة الناس ودعوتهم جدوى ولا أثر أو كان المرء يخاف على نفسه من أهل الباطل أن يتعرض لبلاء لا طاقة له به بأن يفتنوه عن دينه ببطشهم أو أن يرتد على عقبيه فيضعف إيمانه لمخالطتهم فيشاركهم في معصية الله تعالى.
فلجؤوا إلى الكهف وابتهلوا إلى الله قائلين (ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا) فكانت قلوبهم معلقة بالله وحدة فآواهم الله وسلمهم وحفظهم وجعل لهم لسان صدق إلى يوم القيامة.
وإذا كانت عزلة أولئك الفتية بحق فإننا نجد اليوم من الشباب من يعتزل أسرته ومجتمعه بباطل تأثراً ببعض المناهج التي تصور لهم أنهم يعيشون في مجتمع جاهلي ولا سبيل لهم إلى الخلاص من شروره إلا بالعزلة الشعورية بينهم وبينه ثم بالانضمام إلى مجموعات تحمل نفس الفكر ولهذا نجد كثيراً من الآباء لا يعلم عن أبنائه شيئا ثم لايسمع بهم إلا في بلاد الفتن والفوضى، أو ضحايا أعمال تخريبية كانوا هم وقودها وحطبها.
ومما يلفت الانتباه ما كان عليه أولئك الفتية من الحلم والتؤدة والأناة وهذا من توفيق الله لهم . فإنهم مع كونهم واجهوا مجتمعا مشركا شركا أكبر إلا أنهم أدركوا ضعف قوتهم وقلة عددهم فاعتزلوهم وكفوا أيديهم عنهم. وأكثر مصائب العالم الإسلامي اليوم ناتجة عن التهور والطيش حيث يتحرش الضعفاء بالأقوياء فتعود العاقبة وخيمة على الإسلام وأهله ودياره.
خامسا:
أن من صدق مع الله صدق معه وأحاطه بلطفه وهيأ له من الأسباب ما لا يخطر له على بال فقد ألقى الله عليهم النوم مئات السنين وأكرمهم بأن صرف عنهم ضياء الشمس فلا يؤذيهم مع كونهم في مقابلها على ما حققه بعض المفسرين لأنه جعل ذلك من آياته فدل على أن ما حصل لهم أمر خارق للعادة.
وكان سبحانه يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى يحسبهم الناظر أيقاظا وحتى لا تأكلهم الأرض. وألقي على من يطلع عليهم الرعب فلا يدخل إليهم أحد.
فحفظهم الله أيقاظاً وحفظهم نائمين وحفظهم في قلوبهم وفى أبدانهم وفى أموالهم. ومن حفظ الله حفظه الله .
سادسا:
فضل الصحبة الصالحة فإن الكلب لما صحب أولئك الصالحين ناله من بركاتهم فألقي عليه النوم معهم وبقى ذكره معهم. وفى الحديث (أن الرجل يمر بحلقة ذكر فيجلس فيها فيغفر الله له معهم) فعلى المسلم ولا سيما الشاب في مقتبل عمره أن يحسن اختيار الصحبة وليحرص على أصحاب العقيدة السليمة المجافين للبدع وأهلها المحافظين على خصال الخير في العبادة والتعامل وليحذر كذلك من صحبة الأشرار من أصحاب العقائد الفاسدة أو التفريط في العبادة أو الأخلاق السيئة فإن صحبتهم داء عضال يضر في الحال والمآل. وفى الحديث ( أنت مع من أحببت ) وفى الحديث الآخر ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
سابعا:
فضل التباحث في العلوم النافعة فإن أولئك الفتية حين بعثهم الله من نومهم أخذوا يتساءلون في المدة التي استغرقوها في نومهم وانقسموا فريقين منهم من قدرها مدة قصيرة فجعلها يوماً أو بعض يوم، ومنهم من شعر أنها مدة طويلة ولكن دون تحقيق فوكلوا العلم إلى الله .
ووجه كونه بحثا في علم نافع أن الله إنما بعثهم لمصالح ومنها أن يتساءلوا عن هذه المدة فإذا عرفوها عرفوا بذلك لطف الله بهم وحسن عنايته ورعايته لهم.
وينبغي أن تعمر المجالس بذكر الله وبالتباحث في العلوم النافعة التي بها حياة القلوب وصلاح الأخلاق. وليحذر المسلم من مجالس الغفلة فإنه (ما من قوم يجلسون مجلساً ثم يقومون ولم يذكروا الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة).
وإذا بحثت قضية في الدين فليتكلم المسلم بعلم أو ليسكت وليكل العلم إلى الله وليحذر أن يقول على الله بغير علم فيهلك قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً).
ثامنا:
يستفاد من قصتهم الحرص على أكل الطيب المباح فإنهم أرسلوا أحدهم وأمروه أن يعتني بأزكى الطعام . ويدخل في زكائه إباحته وحله دخولاً أولياً . ولا بأس باختيار أطايب الطعام ولكن على المسلم أن يعنى أولاً بألا يأكل إلا طيبا زكياً وليحذر من المكاسب الحرمة فالجسد إذا نبت على غذاء حرام كان إلى النار وفى الحديث (أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به )
ونحن في زمن كثرت فيه المعاملات التجارية المحرمة والمشتبهة وصار كثير من الناس لايهمه إلا تحقيق الأرباح وتحصيل المكاسب دون أن يبالي أمن حلال ربح أم من حرام والعياذ بالله .. بارك الله لي ولكم في القران العظيم .

الخطبة الثانية

أما بعد.
الفائدة التاسعة:
في هذه القصة دليل ظاهر باهر على البعث والنشور يوم القيامة فالذي أيقظ أولئك الفتية بعد ثلاث مائة سنه قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ولذلك قال تعالى (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها)
أيها الناس: إنكم بعد حياتكم هذه تموتون ثم بعد موتكم تبعثون. ثم إلى عرصات القيامة تحشرون ثم إنكم بأعمالكم مجزيون، ثم ينقسم الخلق إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير جعلني الله وإياكم من أهل الجنة إنه جواد كريم.
الفائدة العاشرة:
نوه الله بشأن أولئك الفتية في آخر أمرهم حيث أعثر عليهم، ورفع ذكرهم وأجَلّ قدرهم حتى إن الناس اختصموا فيهم بعد الخوف والذلة والعزلة مصداق قوله تعالى ( فاصبر إن العاقبة للمتقين ) ومصداق قولة تعالى ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين )
وهنا يجدر التنبيه إلى أن بناء المساجد على قبور الأنبياء أو الصالحين منكر عظيم ومن فعله فهو ملعون، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عند موته من ذلك تحذيراً بالغاً فقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا.
لأن بناء المساجد على القبور يصيرها أوثانا تعبد من دون الله بدعائها والذبح عندها والنذر لها.
والله عز وجل لم يذكر مسألة بناء المسجد على أولئك الفتية ترغيباً فيه ولا حثاً عليه ولكنها حكاية حال وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم ببيان حكم هذا المنكر العظيم فلا حجة لمن يستدل بالقصة على بناء المساجد على القبور أو دفن الموتى في المساجد.
ثم اعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.


Edited by - مــطر on 28/12/2010 18:19:36
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 30/12/2010 :  15:18:31  Show Profile



عناية الإسلام بالطفولة


صالح بن محمد آل طالب


المسجد الحرام

ملخص الخطبة
1- نعمة الذرية. 2- فضل العناية بالأطفال. 3- مظاهر سلبية تجاه الأطفال في هذا الزمان. 4- مفاسد انتهاك الطفولة. 5- الخلافات الزوجية وأثرها السلبي على الأطفال. 6- هدي المصطفى مع الأطفال.


الخطبة الأولى

أمَّا بعد: أيُّها المسلمون، فإنَّ الوصيَّةَ المبذولةَ هي التقوى، فالزموها سرًّا ونجوى؛ يكُن الله لكم في كلِّ حال، ويُعقِبكم دومًا خير مآل، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].

أيُّها المسلمون، في دُورِنا وتحتَ سقوفِ منازلِنا أبشارٌ غَضَّةٌ وأجنِحةٌ كثيرة، وفي أَغصَان دَوحِنا أعوادٌ طريَّةٌ وبراعِمُ ناشئة، إنها براعمُ لم تُزهِر وزهورٌ بعدُ لم تُثمِر، أولئك هم الأطفال، ثمراتُ القلوب وقِطَع الأكباد، أطفالُنا عَجزٌ تحت قُدرتنا، ومسكنةٌ تتفيَّأُ قوَّتنا، وهم مستقبلٌ مرهونٌ بحاضِرنا، وحياةٌ تتشكَّل بتربيتنا وتُصاغ بها، وهم بعد ذلك كلِّه هم بعضُ الحاضر وكلُّ المستقبل.

الطفولةُ -أيها المسلمون- كهفٌ يأوي إليه الكبارُ، فيغسِلوا همومَهم في براءة أطفالهم، ويجتلوا جمالَ الحياة في بَسَمات صبيانهم. أفصحُ تعبيرٍ يستمطِر الحنان تأتأةُ طفل، وأبلغُ نداءٍ يستجيشُ الحبّ لثغةُ صغير، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46].

وهم نِعمٌ بين أيدينا سانِحة، ومِنَنٌ غادِيةٌ علينا ورائِحة، ولقد جاءَت شريعةُ الله راعيةً للطفولة حقَّها، مُحيطةً بحقوقِ الطفل المعنويّة والحِسِّيَّة، من حين كونه جنينًا إلى أن يبلغَ مبلغَ الرجال.

وبرزت العنايةُ بالجانب النفسي والمعنوي بالطفل في سيرةِ نبيِّنا محمّد وتوجيهاته؛ فقد كان يُمازِح الصبيان، ويُؤاكِل الأيتام، ويمسح على رؤوسهم، وقال: ((أنا وكافِل اليتيمِ في الجنة كهاتين))، وقال: ((من عالَ جارِيَتين دخلُ أنا وهو الجنة كهاتين)) وأشار بأصبُعيه، وقال: ((ليس منَّا من لم يرحَم صغيرنا))، وأمر بكفِّ الصبيان عن اللعب حين انتشار الشياطين، واستعجَل في صلاتهِ حين سمِع بكاء طفل، ونهى أن يُفرَّق بين الأَمَة وولدها في البيع.

بل وسِعَت شريعتُه حتى أولاد البهائم؛ فأمَر من أخذ فِراخَ طائرٍ أن يرُدَّها، وقال: ((من فجِعَ هذه بولدها؟))، كما ورد النهي عن التفريق بين الشاة وولدها.

حتى إنه حفِظ حقَّ الجنين وإن كان نُطفةً حرامًا، فأمر المرأةَ التي زَنَت أن تذهَب حتى تضعَ طفلَها، وأخَّر إقامة الحدِّ حفظًا لحقِّ الوليد حين وضَعَتْ ولدَها؛ فأمَرها أن تعودَ حتى تستكمِل سنتَيْ رضاعته.

بل وفي أهمِّ فروض الدين وأشدِّها تعظيمًا كان عليه الصلاة والسلام يُصلِّي وهو حامِلٌ أُمامة ابنةَ بنتِه زينب رضي الله عنهما، ويُصلِّي وهو حاملٌ الحسنَ ابن ابنته فاطمة رضي الله عنهما، وحين سجَد عليه الصلاة والسلام فركِبَ الحسن على ظهره أطال لأجله السجودَ، وحين سُئِل عن ذلك قال: ((إنَّ ابني هذا ارتحَلَني، فكرهتُ أن أُعجِلَه حتى يقضي حاجتَه)). فلم تمنعه خشيتُه لربّه ولا وقوفُه بين يديه من ملاطفةِ الصغار ومراعاةِ مشاعرهم.

أيّها المسلمون، وهل الطفولةُ والأطفال في حاجةٍ للتّذكير بحقّهم واستثارة المشاعر نحوهم رغم أن الفطرة داعية لذلك والطبع مُنساقٌ وميَّالٌ كذلك؟! يقال بكلِّ أسى: نعم؛ فرغم كثرة ما أنتَجَتْه المدنيَّةُ الحديثة من خيرٍ، إلا أن ثمَّةَ أنماطًا سلوكيّة، وظواهر لم تعُد خفيَّة أصبَحنا نتبيَّنُها في مجتمعاتنا، وما كانت فيها من قبل.

فتحت ضغوط الحياة اليومية وكثرة الأمراض النفسية والجرأة على تعاطي المُؤثِّرات العقلية وُجِد فئةٌ من الآباء والأمهات غاضَ نبعُ الحب في قلوبهم، وأسقطَ خريفُ القسوة أوراق الحنان من نفوسهم، فاستُلِبَت من بين جوانحهم إنسانيتهم، وكانت أوّل ضحايا ذلك الاستلاب هم الأطفال.

فكم بين جُدران البيوت وأسوار المدارس من طفولةٍ مُنتَهَكة وبراءةٍ مُغتالة، يتعرَّضُ الأطفال في صُوَرها للضغط النفسي والعنف البدني والتعذيب الجسدي. ترى ذا الخمسةِ أعوام يُقلِّب عينين ماؤهما الطُّهْر وبريقُهما البراءة، يُقلِّبُها في أبيه القادم إليه، ويخفِقُ فؤادُه الغضُّ لمرأى أبيه، مُنتظرًا منه ضمَّةً أو قُبلة، فإذا لسعُ النار يفجَؤُه، أو الضرب العنيف يتلقَّفُه، وسلاحُ الطفل -ويا لسلاحِه!- أنَّاتٌ متقطِّعة وزَفَراتٌ مُتحشرِجة، وقد غابَ المُعين والناصر.

واستعِن -أيها السامع- بخيال شاعرٍ أو سُبُحات أديب لتتصوَّر ما الذي يُحسُّه ذلك الطفل ويشعُر به، وكيف تُوأدُ في نفسه كلّ مباهِج الحياة، ويغيضُ في مُخيِّلته كلّ جميلٍ يبلُغه خيالُه الحالِم.

وثمَّة طفلٌ لم تجد أمُّه المُضطربة نفسيًّا ما تُفرِغُ فيه اضطرابها إلا جسدَ طفلها، وكم يحدث في المجتمع من أمثال هذه الانتهاكات، وكم تُمارَسُ هذه الوحشيّة داخلَ البيوتات، ولا يشعر بها جيرانٌ ولا أَهل؛ فقد أساء آباء لأطفالهم، وعذَّبَت زوجاتٌ أولادَ أزواجِهن، ولم يسلَم الأطفالُ حتى من أذيَّة عامِلات المنازل، وعاش من عاش منهم مُشوَّهَ الإنسانية مُتَّشِحًا بالعدوانية، له مستقبلٌ قاتِم، وربما احترف الجريمة والانحراف، فخسِر نفسه ثم خسِرَه المجتمع.

أيها المسلمون، إنَّ هذه المظاهرَ ليست بحمدِ الله عامّةً ولا شائعة، ولكنّها توجد بقَدرٍ غيرِ قليل، وإنَّ من أعظم أنواع الاحتساب أن يحتسِب المجتمع في رفعِ الظلم عن هذه الفِئة؛ خصوصًا إذا كان الظّلم واقعًا من ذوي القُربى.

وظلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقعِ الحُسام المُهنَّدِ

يجب التفطُّن لصغارِ من ابتُلُوا بمرضٍ نفسيّ، أو تورَّطوا بمُؤثِّر عَقليّ؛ خصوصًا وأنَّ الطفلَ المُعنَّف والمُعذَّب حين تصدُفُه قد لا تسمَع منه تعبيرًا يكشِف ما أصابَه، وقد حفَرَت تلك الاعتداءاتُ في نفسِه أخاديدَها، وإنَّ الطفل المُعذَّب وإن عجِز لسانُ مقاله عن الشّكوى فإن لسان حاله سينطِقُ بالكثير، والصغيرُ لا يَنسى، وجراحُ الطفولَة لا تندمِل، وإن لم يتدارَكها الوُسَاة فيُوشِك أن تنتهي إلى مَقتَل.

وإنها لظاهرةٌ حسنةٌ تلك المراكزُ والدُّور التي تُعنَى بحمايةِ الطفل وتوعيَة الآباء والأمهات، والقائمون عليها على خيرٍ عظيم، ينبَغي دعمُهم والتّواصُل مَعهم والإشادةُ بهم.

عبادَ الله، وثمَّة صَفحَةٌ أخرى من كتابِ مآسي الطفل، عنوانها: الخلافات الزوجيّة؛ فعندما يحضر الشيطان بين زوجين، ويتقصَّدُ كلٌّ منهما الإساءةَ إلى الآخر، وعيونُ الأطفال تُشاهِد وتترقَّب، ونفوسُهم تتوجَّد وتنزِف، ويرَون إساءةً لفظيةً من الأبِ لأمّهم، أو إهانةً معنويّةً من الأمّ لأبيهم، أو اعتداءً جسَديًّا من أحدِهما على الآخر؛ فإنّ الطفولةَ حينئذٍ في هَباء، وثمَّةَ ساعتَها عُقدٌ نفسيّة تنمو في خفَاء، ويخبُو وهَجُ الحياةِ لدى الطّفل، وينسحِبُ ذلك على عدمِ مُبالاتِه بالتّعليم فلا يعنيه، ويُعتِم المستقبَل في ناظرَيْه؛ فلا حُلم يُداعبُه ولا أمل يُناغيه. شاهَت الأيام في عينيه، وساءَت معاني الأمومة والأُبُوَّة في ناظرَيْه، والوالدان غيرُ مُبالِيَيْن، يتنافسان أيهما الأسوأ، وأيهما الذي ينكأُ جُرح طفلهما فلا يبرأ.

يا أيّها الأزواج المُتخاصِمون، إنَّ الله عزّ وجلّ حدَّد أوقاتًا لا يدخُل فيها الأولادُ على والديهم حتى لا تقَع أعيُنهم على ما لا يُدرِكون من المُباح؛ أفليس من باب أَوْلَى أن نُشيحَ بأبصار الصّغار ونصرِف علمَهم عن العلاقة السلبية بين والديهم؟! فيعيشوا في بيئةٍ نقية ونفسيةٍ رضيَّة.

إنَّ الخلاف له آداب، والخصومة لها حدود، ولا ضحيّة هنا للتجاوُز إلا المتجاوِز نفسُه وأسرته ومستقبلهم جميعًا.

أمّا بعدَ الطلاق والانفصال فتثور مسألةُ نفقَة الأطفال، وزيارتهم لأحدِ الوالدين، وكم في هذِه المسألة من صورٍ مِدادُها الأسَى وألوانها العناء؛ مع أنَّ الله تعالى يقول: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ [البقرة: 233]. وكم طفلٍ غُيِّب عن أمّه ولا ذنبَ له إلا خلافٌ لم يكن طرفًا فيه، ولكنه عُوقِب به، والنبيّ يقول: ((من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة)) أخرجه أحمد وصحَّحه الحاكم.

فبأيِّ ذنبٍ يُحرَم الطفلُ حنان أمّه أو لقاء أبيه وهو بَضعةٌ منهما، ولا غِنى له بأحدهما عن الآخر مهما فعل الأول؟! يجب أن يُمكَّن الطفل من رؤية والدَيْه، ومن الاتصالِ بهما متى أراد دون مُحاسَبةٍ أو مُضايَقة، ولا يجوز بحالٍ أن يكونَ الانفصالُ بين الوالِدَين داعيًا لأن يُربَّى الطفلُ على عقوقِ أحدهما أو عدَم الإحسان إلى الآخر.

يا مَن وقعَ الطلاقُ بينهم من الآباء والأمهات، لا تنسَوا الفضلَ بينكم، واتَّقوا الله في أولادِكم، إنَّ خلافاتكم حبلٌ ممدود طرفاه بأيديكم، وفي وسطِه عقدةٌ مُلتفَّةٌ على عُنق الطّفل، فكلما اشتدَّ أحدُ الأبَوَيْن في الجذب استحكَمَت العُقدَة على عنقِ الطفل، مع أنَّ خلافات الأبوَين في الغالب يكون المغلوب فيها خيرًا من الغالب.

كم مِن أبٍ يتحايلُ في تقليلِ نفَقة أولاده أو الهروب منها، لا لشيء إلا ليغيظَ أمَّهم؛ فكيف يرجو برَّ أولاده بعد ذلك ويتأمَّل دعاءهم وصدقتَهم عنه حين يكبرون؟!

أيّها المسلمون، ومِن صوَر الإساءةِ المنتشرة الصياحُ والصراخُ في وجهِ الطفل، وتهديده وتخويفه، وكثرةُ مُعاتبته وتعنيفه، وهذا ممّا يتساهلُ فيه الآباء والأمهات والمُربُّون والمُربِّيات، ويتصرَّفون بمشاعِرِهم الغاضبة دون إدراكٍ للعواقب المُدمِّرة لنفسية الطفل. والتعنيفُ والتخويفُ يُورِث شَخصيّةً مهزوزة ونفسيةً مُضطربة.

ألا فاتّقوا الله في وصيته: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: 11]، وليتَّق الله كلٌّ في رعيَّته؛ فكلٌّ مسؤولٌ ومُحاسَب.

اللّهمّ بارِك لنا في الكتابِ والسنّة، وانفعنا بما فيهما من الآياتِ والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حقَّ الحمدِ وأوفاه، والصّلاة والسّلام على رسولِه ومُصطفاه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أيّها المسلِمون، خطأ الأطفالِ مغفورٌ، وذنبُهم معفوٌّ عنه، اللهُ قد رفع عنهم قلمَ التكليف، فارفعوا أنتم عنهم أساليبَ التّعنيف، قِفُوا بين العنفِ والضعف في موقف الحزم، واقدُرُوا لحداثةِ السنّ ومحبة اللّهو قدرَها، وإذا كان الطفلُ لا يُضرَبُ على الصلاة وهي عمودُ الدين إلا وهو في العاشِرة من عمرِه وبعد أن يُؤمَر بها مئاتِ المرات؛ فكيف يُضربُ ابنُ سنتين وثلاث وابنُ خمسٍ وسبع على شقاوةٍ فطرية أو لهوٍ بريء؟!

ولكم في هديِ النبيِّ قدوةٌ وأُسوة؛ عن أنس قال: خدمتُ النبيَّ عشرَ سنين، فما قال لي: أُفّ، ولا لمَ صنعتَ؟ ولا ألا صنعتَ؟ رواه البخاري. ولفظ أبي داود عن أنس قال: خدمتُ النبي عشر سنين بالمدينة وأنا غلامٌ ليس كلّ أمري كما يشتهي صاحبي أن أكونَ عليه، ما قال لي فيها: أُفٍّ قط، وما قال لي: لمَ فعلتَ هذا؟ أو: ألا فعلتَ هذا؟ قال الحافظ ابن حجر: "ويُستفادُ من هذا تركُ العِتابِ على ما فات؛ لأنَّ هناك مندوحةً عنه باستئناف الأمرِ به إذا احتيجَ إليه، وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم، واستئلاف خاطر الخادم بترك مُعاتبته، وكلّ ذلك في الأمور التي تتعلَّق بحظِّ الإنسان، أمّا في الأمور اللازِمة شرعًا فلا يُتسامَح فيها؛ لأنها مِن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

عبادَ الله، إنّه لا خلافَ في مبدأ تصحيحِ خطأ الطفل إذا أخطأ، ولكن يجِب أن يكونَ التصحيح بأسلوبٍ يبني ولا يهدِم، ويؤدِّبُ ولا يُثرِّب، ولنا في رسول الله أُسوَةٌ؛ عن عمر بن أبي سلمة قال: كنتُ غلامًا في حَجر رسول الله ، وكانت يدي تطيشُ في الصَّحفة، فقال لي رسول الله : ((يا غلام، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك))، قال: فما زالت تلك طِعمتي بعد. متفق عليه. وعن أبي هريرة أن الحسن بنَ علي رضي الله عنهما أخذ تمرةً من تمرِ الصدقة فجعلها في فِيه، فقال النبي : ((كِخْ كِخْ؛ أما تعرف أنَّا لا نأكل الصدقة؟!)) رواه البخاري ومسلم. وقوله: ((كِخْ)) بفتح الكاف أو كسرها. وروى الطبراني عن زينب بنت أبي سلمة أنها دخلَت على رسول الله وهو يَغتَسِل، قالت: فأخذ حفنةً من ماء فضَربَ بها في وجهي وقال: ((وراءَكِ أيْ لُكع)).

فانظر كيف علَّمَ عمرَ بن أبي سلمة آدابَ الطعام، وعلَّم الحسنَ الورَع، وعلَّم زينبَ الأدب في الاستئذان وعدم الاطِّلاع على العورات. وتأمَّل كيف كان التعليمُ بأسلوبٍ يَفهَمُه الصغار، بكلمةٍ واحدة، أو جُملٍ صغيرةٍ مختصَرة واضحةٍ يسهُلُ حِفظُها وفهمُها، بلا إهانةٍ ولا تجريح، ولا لومٍ ولا توبيخ، ولا تقطيبٍ ولا تَثريب؛ فضلاً عن ضربِ الصغير أو الدّعاء عليه، وهذا أمرٌ خطير؛ فقد توافقُ الدّعوةُ ساعَة إجابة فيندمُ الداعِي حين لا ينفع الندم. والنبي يقول: ((لا تدعوا على أنفسِكم، ولا تدعوا على أولادِكم، ولا تَدعوا على أموالِكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً فيستجيبُ لكم)) أخرجه مسلم.

وهذا أدبُه حتى مع الكبار، قال معاوية بن الحكم وكان قد تكلَّم في الصلاة: فبأبي هو وأمِّي؛ ما رأيتُ مُعلِّمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه، فوالله ما كهرَني ولا ضربني ولا شتَمَني، قال: ((إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلُح فيها شيءٌ من كلامِ الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة قال: خرجتُ مع رسول الله في طائفةٍ من النهار لا يُكلِّمني ولا أُكلِّمه، حتى جاء سوقَ بني قينُقاع، ثمّ انصرف حتى أتى خِباء فاطمة، فقال: ((أثَمَّ لُكَع؟ أثَمَّ لُكَع؟)) يعني: حسنًا، فظننّا أنه إنما تحبِسُه أمُّه لأن تُغسِّله وتُلبِسَه سِخابًا، فلم يلبَث أن جاء يسعى، حتى اعتنَق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فقال رسول الله : ((اللّهمّ إني أُحبُّه، فأحِبَّه وأحبِبْ من يُحبُّه)) مخرَّج في الصحيحين، وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: فجاء يشتدّ حتى عانَقَه وقبَّله. وقال لرجلٍ كان لا يُقبِّل أولاده: ((أوَأملِكُ لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)) رواه البخاري. وعن أنس بن مالك قال: ما رأيتُ أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ، قال: كان إبراهيم مُسترضَعًا له في عوالي المدينة، فكان ينطلقُ ونحن معه فيدخل البيت فيأخذه فيُقبِّله ثم يرجع. رواه مسلم. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة قال: كان النبي ليدلَعُ لسانَه للحسن بن عليٍّ، فيرى الصبيُّ حُمرة لسانه فيبهَشُ إليه، أي: يُسرع إليه. وعن محمود بن الربيع قال: عقلتُ من النبي مجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابنُ خمس سنين من دلوٍ في دارِنا. متفق عليه.

هذا هو الهديُ فاستنُّوا به، وهذا هو الرسول فاقتَدوا به.

ثم صلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية...


Edited by - مــطر on 30/12/2010 15:20:41
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 30/12/2010 :  15:23:02  Show Profile

ذم الرشوة


حسين بن عبد العزيز آل الشيخ


المسجد النبوي

ملخص الخطبة
1- تحريم المكاسب الخبيثة. 2- النهي عن الرشوة. 3- مفاسد الرشوة. 4- حقيقة الرشوة. 5- من صور الرشوة. 6- تحريم استغلال السلطة.


الخطبة الأولى

أمَّا بعد: فيَّا أيها المسلِمون، أوصيكم ونفسِي بتقوَى الله جلّ وعلا؛ فهي أصلُ كل الخيرات.

أمّا بعد: فيا أيّها المسلِمون، أكلُ الحرامِ سببٌ للشّقاء والعَناء، يقول النبيُّ : ((كلُّ لحمٍ نَبَتَ مِن سُحتٍ فالنّار أولَى به)).

وممّا جاءَ فيه النهيُ الأكيدُ والزجرُ الشديد جريمةُ الرِّشوة أخذًا وإِعطاءً وتَوَسُّطًا، يقول ربُّنا جلَّ وعلا : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]، ويقول جلَّ وعلا في شأنِ اليهودِ الذين لهم في الدّنيا الخِزيُ المبين وفي الآخرةِ العذابُ المُهين: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: 42]، ويَقول عَنهُم: وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المائدة: 62]. قال عمر : (بابان من السُّحْت يأكلُهما الناس: الرَّشا، ومهرُ الزانية).

فالرِّشوة -يا عباد الله- مغضبَةٌ للرب مجلَبةٌ للعذاب، في الحديث الصحيح أنَّ النبي لعَن الراشِيَ والمُرتشي والرائش[1]. وروى الطبرانيُّ بسَندٍ جيِّد عنِ النبيِّ أنّه قال: ((الراشِي والمُرتَشي في النّار))[2].

فيا أيُّها المسلِم، احذَر أشدَّ الحذَر من الرِّشوَة فهي من أكبرِ الذنوب وأعظم الجرائم؛ ولذا عدَّ أهل العلم الرِّشوةَ كبيرةً من كبائر الذنوب لما جاء فيها من النصوص الشرعيّة الصّريحة.

أمّةَ الإسلام، الرِّشوةُ داءٌ وَبيل ومَرضٌ خَطير، تحلُّ بسَبَبها منَ الشرور بالبلادِ ما لا يُحصَى، ومن الأضرارِ بالعبادِ ما لا يُستقصَى، فما وَقَع فيها امرؤٌ إلا ومُحِقَت مِنه البركةُ في صحّته وفي وقتِه ورزقِه وعيالِه وعمرِه، وما تدنَّس بها أحدٌ إلا وحُجِبَت دعوتُه، وذهبَت مروءتُه، وفسَدَت أخلاقُه، ونُزِع حياؤُه، وساء مَنبَتُه. فالنبي الذي لا ينطِق عن الهوَى يقول: ((كلُّ لحمٍ نَبَتَ من سُحْتٍ فالنّار أَوْلَى به))، قيل: ما السُّحْتُ يا رسول الله؟ قال: ((الرِّشْوةُ في الحكم))[3] صحَّحه جماعةٌ منَ المُحقِّقين.

أيّها المسلمون، حَقيقةُ الرِّشوة: كلُّ ما يدفَعه المرءُ مِن مالٍ ونحوِه لمن تولَّى عَملاً من أعمَال المسلمين ليتوصَّل به المُعطِي إلا ما لا يحِلُّ له. ومن أعظم أنواعها: ما يُعطَى لإبطالِ حقٍّ أو إحقاق باطلٍ أو لظلمِ أحد.

ومن الرِّشوة: ما يأخذُه المُوظَّف مِن أهلِ المصالح ليُسهِّل لهم حاجَاتهم التي يجِب عليه قضاؤُها بدون دَفع هذا المال، فمَن استغلَّ وظيفتَه ليُساوِم الناسَ على إنهاء مَصالحهم التي لا تَنتَهي إلا مِن قِبَل وظيفَتِه فهو ملعونٌ على لسان رسول الله .

فليتَّقِ الله من وَقَع في ذلك قبل أن يفجَأه الموت، فلا يَنفَعه حينئذٍ مالٌ ولا بنون؛ فمِن مُقرَّرات دين الإسلام أنَّ هدايا العُمَّال غُلول، والمراد بالعُمَّال: كلُّ من تولَّى عملاً للمسلمين، وهذا يشمَل السّلطان ونوَّابَه ومُوظَّفيه أيًّا كانت مراتبهم.

ومن صوَر الرِّشوة -يا عباد الله- مَن رَشَى ليُعطَى ما ليس له ولو كان مما تعود مُلكيَّته للمال العام، أو ليدفَع حقًّا قد لزِمَه، أو رَشى ليُفضَّل على غيره من المُسلمين، أو يُقدَّم على سواه من المُستحقِّين في وظيفةٍ ونحوها.

أيّها المسلم، الرِّشوَة مُحرَّمةٌ بأيّ صورةٍ كانت، وبأيّ اسمٍ سُمِّيَت؛ أهديةٌ، أو مكافأةٌ، أو كرامة، فالأسماء في شريعة الإسلام لا تُغيِّر من الحقائق شيئًا، فالعبرة للحقائق والمعاني لا للألفاظ والمباني.

روى البخاريّ ومسلِم عن أبي حميدٍ الساعديّ قال: استعملَ النبيُّ رجلاً من الأَزْد، فلمّا قدِمَ قال: هَذا لكم وهذا أُهدِيَ إليَّ، فلمّا علِمَ النبيُّ قامَ خطيبًا على المِنبر، فحمِدَ الله وأثنى عَلَيه، وقال: ((ما بالُ عاملٍ أبعثُه فيقول: هذا لكم وهذا أُهدِيَ إليَّ؟! أفلا قعَدَ في بيت أبيه أو أُمِّه حتى ينظُر أيُهدَى إليه أم لا؟! والذي نفسي بيده، لا ينالُ أحدٌ منكم منها شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحملُه على عُنقه)) الحديث[4]. وفي سنن البيهقي قوله : ((هدايا العُمَّال غُلول)). قواعدُ لا تقبل التأويل، وهي تأصيلٌ لمبدأ: من أين لكَ هذا؟!

ذكر ابنُ كثيرٍ في تأريخه أن جيشَ المسلمين لما ظفَروا بالنصرِ على إقليمِ تركستان وغنِموا شيئًا عظيمًا أرسَلوا معَ البُشرى بالفَتح هدايا لعُمر ، فأبَى أن يقبَلَها، وأمر ببَيعها وجعلها في بيت مال المسلمين. وفي قصةِ عبد الله بن أبي رواحة لما بعثَه النبيُّ خارِصًا على يهودِ خيبر، فجمعوا له حُليًّا من حُلِيِّ نسائِهم، فقال: إنّكم من أبغَض خلقِ الله إليَّ، وما ذاكَ بحامِلي على أن أَحيفَ عليكم، أمَّا ما عرضتُم مِنَ الرِّشوة فإنها سُحتٌ، وإنَّا لا نأكُلُها، فقالوا: بهذا قامَت السماوات والأرض. وفي مُعلَّقاتِ البخاري الموصُولة عند غيره: ما جاء أنَّ عمر بنَ عبد العزيز رحمه الله اشتَهى التفاحَ، فلم يجِدوا في بيتِه ولا ما يشترِي به، فخرَج وهو الخليفةُ آنذاك، فتلَقَّاه غلمانٌ بأطباق التفّاح، فتناوَل واحدةً فشَمَّها ثم ردَّها إلى الأطبَاق، فقيل له في ذلك، فقال: لا حاجة لي فيها، فقيل له: ألم يكن رسولُ الله وأبو بكر وعمَر يقبَلون الهديّة، فقال: إنها لأولئك هديّة، وإنها للعُمَّال بعدَه رِشْوة[5].

فما أحوجنا اليوم وقد كثُر الفساد وعبَدَ بعضٌ الدّرهمَ والدينارَ، ما أحوجَنا للعملِ بشريعة الإسلام، والتمسُّك بزواجر القرآن وسنّة سيِّد ولد عدنان عليه أفضل الصلاة والسلام.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ، ونفَعنا بما فيه من الآياتِ والبيان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائِر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله وحدَه، والصلاةُ والسلام على من لا نبيَّ بعده.

أيّها المسلمون، من أعظمِ المُوبِقاتِ التي يجِب على المجتمَع محاربتُها استغلالُ السلطة الوظيفيّة والتحايُل على النظام الذي سنَّه وليُّ الأمر، وليتَّقِ الله من يتعاونون على سَلبِ الأموال العامة؛ مِن أراضٍ وعقاراتٍ وأموالٍ ومُقدَّرات عَن طريق الرِّشوةِ أو غيرها، فهذه أموالٌ يجِب على كلِّ مسلِم الحفاظُ عَليها وصيانتُها؛ فَكيف بأخذ الرِّشوة على تفويتها وتضييعها والتفريط فيها وعدم القيام بما يجبُ فيها؟! قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27]. ونبيُّنا يُحذِّر كلَّ مَن يتهاون في الأموالِ العامّة للدّولة الإسلاميّة فيقول: ((إنَّ أقوامًا يتخوَّضون في مالِ الله بغير حقٍّ، فلهمُ النار يومَ القيامة)) رواه البخاري. وعند أبي داود أنَّ النبيَّ قال: ((يا أيّها الناس، مَن عمِلَ منكم لنا عَلَى عملٍ فكتَمَنا فيه خَيطًا فمَا فوقه فهو غلٌّ يأتي به يوم القيامة)).

أيّها المسلمون، إنَّ الله جلَّ وعلا أمرَكم بأمرٍ عظيم، ألا وهو الصلاة والسلام على النبي الكريم...



Edited by - مــطر on 30/12/2010 15:44:55
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 02/01/2011 :  18:43:18  Show Profile


الغيبة والمغتابون


صالح بن عبد الله بن حميد


المسجد الحرام


ملخص الخطبة
شمول الدين واهتمامه بالسلوك والأخلاق – الغيبة , معناها , وموقف الإسلام منها – صفات المغتاب وسَمْتُه – التحذير من غيبة ولاة الأمور والعلماء والدعاة – تعاظم الغيبة إذا صدرت ممن ينتسب إلى العلم , ونماذج لذلك – الغيبة بالقلب وخطورتها – الواجب على من سمع الغيبة


الخطبة الأولى

أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله كفاه، ومن اتقى الناس لن يغنوا عنه من الله شيئًا. أوصيكم ونفسي بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، الواعظون بها كثير، والعاملون بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين.

أيها المسلمون، دين الله كاملٌ شاملٌ؛ تضمَّن حقائق العقيدة والشريعة، والتوحيد والعبادة، والمعاملة والعادة، يخاطب العقل والقلب، والحس والنفس، في مبادئ التشريع والأخلاق، والتربية والسلوك. دينٌ من عند ربنا، يرسم الأحكام والنظام لمسلم كريم طاهر الظاهر والباطن، سليم القلب، نقي المشاعر، عف اللسان وعف السريرة. متأدب مع ربه ونفسه، ومتأدب مع الناس أجمعين.

بل إنه لمتأدب مع هواجس الضمير وخلجات النفس: ي#1648;أَيُّهَا #1649;لَّذِينَ ءامَنُواْ #1649;جْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ #1649;لظَّنّ إِنَّ بَعْضَ #1649;لظَّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ [الحجرات:12].

دين حق تتلاقى فيه أحكام الشرائع مع نزاهة المشاعر، وتتوازن فيه الأوامر مع الزواجر.

دين ينشئ مجتمعًا متدينًا، محفوظ الحرمات، مصون الغيبة والحضور، لا يؤخذ فيه أحدٌ بالظنة، ولا تتبع فيه العورات.

أيها الإخوة: وهذه صورة من الصور التي وقف منها ديننا موقفًا حازمًا حاسمًا. صورة يمثل فشوُّها في المجتمع مظهراً من مظاهر الخلل، وقلة الورع، وضعف الديانة. صورة تشوش على حفظ الحرمات وسلامة القلوب وصيانة الأعراض وتحري الحق. إنها كبيرة من كبائر الذنوب، وموبقة من موبقات الآثام، وحالقة من حالقات الدين يشترك في ذلك فاعلها والراضي بسماعها.

إنها الغِيبة يا عباد الله. إنها ذكر العيب بظهر الغيب، ذكرك أخاك بما يكره، سواء أكان فيه ما تقول أم لم يكن، هكذا بينها رسولنا محمدٌ .

يقول ربكم عز وجل في محكم تنزيله: وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ#1649;تَّقُواْ #1649;للَّهَ إِنَّ #1649;للَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:12].

أيها المسلمون، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم. الغيبة ـ أيها الإخوة ـ ذات أسماء ثلاثة، كلها في كتاب الله عز وجل الغيبة والإفك والبهتان. فإذا كان في أخيك ما تقول فهي الغيبة، وإذا قلت فيه ما بلغك عنه فهو الإفك، وإذا قلت فيه ما ليس فيه فهو البهتان. هكذا بين أهل العلم رحمهم الله.

الغيبة تشمل كل ما يفهم منه مقصود الذم سواء أكان بكلام، أم بغمزٍ، أم إشارة، أم كتابة؛ وإن القلم لأحد اللسانين.

والغيبة تكون في انتقاص الرجل في دينه وخَلْقه وخُلُقه، وفي حسبه ونسبه، ومن عاب صنعةً فإنما عاب صانعها.

وهذا هو نبيكم محمد ينادي هؤلاء المبتلين بهذا الداء المهلك: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته))[1].

والحسن رحمه الله يقول: (والله للغيبة أسرع في دين الرجل من الأكلة في الجسد).

عجبًا لمن ينتسب لأهل الحق والإيمان كيف يركب مركب الغيبة، وقد علم أن المبتلى بها ذو قلبٍ متقلبٍ وفؤادٍ مظلمٍ، انطوى على بغض الخلق، وكراهية الخير، لا يعنيه نفع نفسه بقدر ما يعنيه ضرر غيره. راحته وهناؤه أن يرى النعمة عن أخيه زائلة، والمحنة فيه واقعة، يسره أن يرى الخير عن أخيه ممنوعًا والمصائب به نازلة.

هذا المبتلى غيظه وغمه أن يصيبك خيرٌ أو يحالفك توفيق، أو يتيسر لك رزقٌ، أو يجري على يديك نفع.

قلب مؤتفك مريض يحسد في السراء ويشمت في الضراء، على الهم مقيم، وللحقد ملازم، تسوءه المسرة، وتسره المساءة، غل وحقد وضغينة، أسماء مترادفة في عداوة متمكنة، يمتلئ بها صدر صاحبها، ويتربص بها الفرص لينفث سمومه ويرمي سهامه.

هل من شأن المؤمن أن ينطوي على كل هذه الضغينة لأخيه؟! وكأنه يأنس بخذلانه ووصول النقمة إليه، ولا تخطر له أخوة الإيمان ببال!! أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات:12].

ذو الغيبة ذلق اللسان، صفيق الوجه، لا يحجزه عن الاغتياب إيمانٌ، ولا تحفظه للمكارم مروءة. إذا وجد متنفسًا أشبع طبيعته النزقة الجهول. ينطلق على وجهه في المجالس لا ينتهي له حديث، ولا يتوقف له كلام. يسكب من لفظه ما تشمئز منه آذان أهل الإيمان، وأفئدة أهل التقى.

قد أوتي بسطةً في اللسان تغريه بالتطاول على الحاكم والعالم، والوجيه وذي المنزلة، بل على السفيه والجاهل، وعلى كل طبقة وفي كل نادٍ. الكلام عنده شهوة عارمة، إذا سلَّطه على شؤون الناس أساء الصورة، وإذا تكلم عن حقائق الدين والعلم شوَّه الحق وأضاع الهيبة.

إن لثرثرته ضجيجًا يذهب معه الرشد، يتصدر المجالس، ويتناثر منه الكلام حتى يجزم العاقل بأنه لا يتحدث عن وعيٍ يقظٍ، ولا فكرٍ عميقٍ، وكأن عنده انفصالاً رهيبًا بين لسانه وبين عقله وإيمانه. ألد خصم يلوك لسانه كما تلوك البقرة، يخوض في الدين وفي السياسة، والعلم والأدب، ولعل السبب في الانهيار العلمي والتحزب المذهبي، والانقسام الطائفي في حقائق الدين وشؤون الحياة هو هذا المسلك المذموم في توظيف اللسان جدلاً ومراءً، وغيبة وبهتانًا، وإفكًا مبينًا.

إنه في مقاعد المجالس يقطع وقته في تسقط الأخبار، وتتبع العيوب، وتلمس الزلات، ليس له لذة ولا مسلاة إلا في أحوال الناس. همزة لمزة، مشاء بنميم، ويل له ثم ويل له، يتكلم بالكلمة يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب.

أيها المسلمون، وأقبح ما يقع فيه هذا وأمثاله غيبة ولاة الأمور وأهل العلم والفضل ورجال الحسبة والصلاح والذين يأمرون بالقسط من الناس، يقعون في أعراض ذوي الوجاهة والمنزلة ورجال الخاصة والعامة، يحطون من أقدارهم ويجترئون على مقامهم، وينزعون من مهابتهم، ويرفعون الثقة بهم، يطعنون في أعمالهم وجهودهم، ويشككون في قدراتهم وكفاءاتهم، لا يذكر عظيم إلا انتقصوه، ولا يظهر كريم إلا شتموه، ولا يبرز صالح إلا اتهموه، ولا يتميز مسؤول إلا مقتوه، يمشون بالكذب والتدليس، والمغالطة والتشويش. يتهمون الثقات، ويقعون في الصالحين. يبعثون الفتن، ويزرعون الإحن، ويبلبلون على العامة، يقطعون الصلات، ويفرقون الجماعات، غربان بيْنٍ، ونُذُر شؤم، حمَّالو الحطب، ومشعلو اللهب، يوزعون الاتهامات، ويتتبعون المعايب؛ هذا طويل وهذا قصير، وهذا جاهل، وهذا فاسق، وهذا عميل، وهذا مشبوه، العين غمازة، واللسان همازة، والكلمات لمازة، مجالسهم شر، وصحبتهم ضر، وفعلهم عدوان، وحديثهم بذاء.

الله أكبر ـ يا عباد الله ـ هل من شأن المؤمن أن يحمل كل هذا الضغن لأخيه؟!

يا هذا ـ كل بشرٍ يحب ويكره، ويرضى ويغضب، ويوالي ويعادي، ولكن العاقل لا يوالي أحدًا بالجملة، ولا يعادي أحدًا بالكلية، ولكنه يحب منه شيئًا ويكره شيئًا، يرضى منه خلقًا ويسخط آخر، يحبذ فعلاً وينقم آخر، والعاقل من يحب حبيبه هونًا ما فعسى أن يكون بغيضه يومًا ما، ويبغض بغيضه هونًا ما فعسى أن يكون حبيبه يومًا ما.

العقل والإيمان يملي عليك فيمن تحب ألا تقلب عيوبه محاسن وكأنك لا ترى فيه إلا شرًا محضًا: ي#1648;أَيُّهَا #1649;لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِ#1649;لْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ #1649;عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى#1648; [المائدة:8].

أيها الإخوة، ويشتد القبح والجرم ويتعاظم الذنب والذم ـ حينما تصدر الغِيبة ممن ينتسبون إلى العلم والصلاح، ويتزينون بسيما أهل الزهد والورع، فيجمعون في غيبتهم بين تزكية أنفسهم وذم غيرهم.

وانظر رعاك الله إلى دقة ما سجله الغزالي في "إحيائه" وابن قدامة المقدسي في "مختصر منهاجه" وابن حجر الهيثمي في "زواجره" وهم يتكلمون عن هذا الصنف من الناس؛ قالوا رحمهم الله: يُذكر عند هؤلاء المتزهدين إنسانٌ فيقولون: الحمد لله الذي ما ابتلانا بقلة الحياء والدخول في كذا وكذا، وليس قصده بدعائه إلا أن ينبه إلى عيب غيره. قالوا: وقد يزيد في خبثه فيقدم المدح لمن يغتابه حتى يظهر تنصله من الغيبة فيقول: كان مجتهدًا في العبادة والعلم والنزاهة والأمانة، ولكنه فتر وابتلي بما ابتلينا به كلنا. فيذكر نفسه ومقصوده ذم الغير والتمدح بالانتساب للصالحين في ذم نفوسهم فيجمع بين ثلاث فواحش: الغيبة والرياء وتزكية النفس، بل أربع لأنه يظن بجهله أنه مع ذلك من الصالحين المتعففين عن الغيبة فقد لعب به الشيطان وسخر منه فأحبط عمله وضيع تعبه وأرداه.

ومن ذلك أن يقول: ساءني ما وقع لصديقنا من كذا وكذا فنسأل الله أن يثبته. وهو كاذب في ذلك، وما درى الجاهل أن الله مطلع على خُبث ضميره، وأنه قد تعرض بذلك لمقت الله أعظم مما يتعرض الجهال إذا جاهروا. انتهى كلامهم رحمهم الله.

الله أكبر ـ أيها الأخوة ـ يقول بعض السلف: أدركنا السلف الصالح وهم لا يرون العبادة في الصوم والصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس.

يا هذا ـ رحمنا الله وإياك وعافاك وعفا عنك ـ ظُنَّ الخير بإخوانك وأقربائك، ولا تسمع أخبار من قل عند الله نصيبه. اذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، وأعفه مما تحب أن يعفيك منه. اعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام.

قيل لبعض الصالحين: لقد وقع فيك فلان حتى أشفقنا عليك ورحمناك، قال: عليه فأشفقوا وإياه فارحموا.

وقال رجل للحسن: بلغني أنك تغتابني، فقال: لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي.

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، فطوبى لمن أمسك الفضل من قوله، ثم طوبى لمن ملك لسانه، ثم طوبى لمن حجزه عن الناس ما يعلم من نفسه، وطوبى لمن استمسك بتوجيهات كتاب ربه فتوجه إلى مولاه بقلب ضارع ولسان صادق وحب لإخوانه خالص: رَبَّنَا #1649;غْفِرْ لَنَا وَلإِخْو#1648;نِنَا #1649;لَّذِينَ سَبَقُونَا بِ#1649;لإَيمَـ#1648;نِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر:10].


الخطبة الثانية

الحمد لله ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء شهيد، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله نشر أعلام التوحيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان من صالح العبيد، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها المسلمون، من أخطر ما ذكر أهل العلم من أنواع الغيبة تلك التي تحصل بالقلب. قالوا: وذلك هو سوء الظن بالمسلمين. والظن هو ما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، أما الخواطر وحديث النفس العابر فمعفوٌ عنه.

إنه ليس لك أن تظن بأخيك شرًا، ومتى خطر لك خاطر سوءٍ على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته والدعاء له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك. وإذا تحققت هفوة من مسلم فانصحه ولا تفضحه. وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس. والقلب إذا ترك له العنان لا يقنع بالظن، بل يطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وذلك منهي عنه لأنه يوصل إلى هتك ستر المسلم.

أيها الإخوة، والمستمع شريك للمغتاب ولا ينجو من الإثم إلا أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن قدر على القيام فليقم أو ليقطع الكلام بكلام آخر.

ناهيك ـ عياذًا بالله ـ من يستمع ويصغي على سبيل التعجب ليزيد من نشاط المغتاب، ولقد قال علماؤنا رحمهم الله: إن التصديق بالغيبة غيبة، والساكت شريك المغتاب.

يا ترى أين هو المؤمن القوي ذو الشكيمة الذي يأبى أن يُغتاب أحدٌ في مجلسه، ويأبى أن تسمع أذناه عيب أخيه المسلم؟! يقول ابن المبارك رحمه الله: فِرَّ من المغتاب فرارك من الأسد.

أين هو المؤمن القوي الذي يقيم المغتاب من مجلسه أو يقوم عنهم ليدعهم في مجلسهم؟! كان ميمون بن سياه لا يغتاب أحدًا عنده، ينهاه فإن انتهى وإلا قام من المجلس.

يا عبد الله إن لكل الناس عورات ومعايب، وزلات ومثالب فلا تظن أنك علمت ما لم يعلم غيرك، أو أنك أدركت ما عجز عنه غيرك. هلا شغلك عيبك عن عيوب الناس؟ وهلا سلكت مسلك النصيحة وعدلت عن الفضيحة؟ وهل علمت أن من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق؟

احفظ حق أخيك وصن عرضه، ففي الحديث: ((من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار))[1]، وفي خبر آخر: ((من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال))[2].

((ومن كانت عنده لأخيه مظلمة من عرضٍ أو مالٍ فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم؛ تؤخذ من حسناته، فإن لم يكن أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته ثم طرح في النار))[3].

فاتقوا الله رحمكم الله وسارعوا إلى التوبة واستحلال إخوانكم، وجانبوا الغل والحقد والضغينة والشحناء.


Edited by - مــطر on 02/01/2011 18:44:52
Go to Top of Page

فييد
عضو جديد

Syria
2 مشاركة

كتب فى :  - 02/01/2011 :  23:08:18  Show Profile
جزاك الله خيرا
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 03/01/2011 :  12:42:15  Show Profile
وجزاك الله خير الجزاء اخى العزيز فريد

وجزاك الله الفردوس الاعلى

دمت اخى فى طاعة الله

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 03/01/2011 :  13:56:23  Show Profile


الأخسرون أعمالا

الشيخ علي حسن الحلبي



بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أمّا بعد:

فيا أَيُّها المُؤمِنون:

يَقُولُ رَبُّنا -تبارك وتعالى- في كتابه العزيز: {لإيلافِ قُريش * إيلافِهِم رِحلةَ الشّتاءِ وَالصّيف * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البيتِ * الّذي أطعمهُم مِن جوعٍ وَآمَنَهُم مِن خوف}.

هذهِ سورةٌ كامِلَةٌ في كِتابِ اللَّهِ -تعالى-: مِن أقصرِ السُّوَرِ آياتٍ، وَمِن أواخِرِها في المُصحف ترتيباً.

وهي -عَلى وَجازَتِها- حَوَت أصولَ الحياةِ الإسلامِيَّةِ كامِلَةً، ضِمْنَ قَواعِدِ الشّرْعِ وَضَوابِطِه، وَأُصُولِهِ المُحْكَمَةِ وَغاياتِه: مِن وحدةِ المُسْلِمين، وَاستِقْرارِ كَلِمَتِهِم، وَعِبادَةِ رَبِّهِم، وَسَلامَةِ أَمْنِهِم وَأمانِهِم..

وَهَكذا كَلامُ اللَّهِ المُعْجِزُ -كُلُّه-: بين اعتِقادٍ يُؤَيَّد، أو مُنْكَرٍ يُرَدّ، أو قَصَصٍ يُسْرَد، أو حُكْمٍ يُورَد:

فَقَوْلُهُ -تَعالى-: (لإيلافِ قُريش) معناه -كَما قَال الإِمامُ ابنُ كَثير-: ائتلافُهُم واجتِماعُهُم في بلدِهِم آمِنين، مُطْمَئِنِّين:

والائتِلاف وَالاجتِماع -هذا يا عباد الله- مِن أعظَمِ مَقاصِدِ الشّرعِ الحَكِيم، وَفيهِ يقولُ اللَّهُ -تبارك تعالى-: {واعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}، وَنَبِيُّ الإسلامِ -عليه الصّلاة والسّلام- يقول: «يَدُ اللَّهِ عَلى الجماعة»، وَيقول: «الجماعة رحمة، والفُرقة عذاب».

أَيُّها المُؤمِنون:
إِنَّ هذا الأصْلَ الأصِيلَ -وحدةً، واجتِماعاً، وائتِلافاً يغيبُ -في ظِلال مِن العاطِفَةِ العَمْياء، والحماسَةِ الصمّاء- عن فِئامٍ مِن النّاس عادَوْا أَنْفُسَهُم، وَجَهِلُوا أَقْدارَهُم؛ وتسربلوا لَبُوسَ الإسلام وهُم عنهُ بَعِيدون، وتكلّموا باسمِ الشّرْعِ وهُم بِهِ جاهِلُون؛ فأفسدوا مِن حيث توهَّمُوا أنّهم مُصْلِحُون؛ وَاللّه -عزّ وجلّ- يَقُول في كتابه -وهو أصدق القائلين-: {قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أعمالاً الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُم فِي الحياةِ الدُّنْيا وَهُم يحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.

والاستِدلالُ بِهذهِ الآيَةِ الكريمَةِ في هَذا السّياقِ استِدْلالٌ حَقّ؛ مبنيٌّ عَلى التأصيلِ العِلْميّ المُحَرَّر: (العِبْرَةُ بِعُمومِ اللَّفْظ لا بِخُصُوصِ السَّبَب).

وَأمّا قولُهُ -تعالى-بَعْدُ- في السورة نفسِها-: (لإيلافِ قُريش إيلافِهِم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصّيف} فَفِيهِ مَعنى الاستِمرار وَالاستِقْرار -تَواصُلاً مَيموناً، وَتَكامُلاً مَأمُوناً-: استِمرارٌ يشملُ زمانَ الإسلامِ وَمكانَه، واستِقرارٌ يتّسِعُ بلدَ الإِيمانِ وأهلَهُ وَسُكَّانَه.

وَذاكَ الائتِلافُ البَدَنِيّ، وَهَذا الأَمانُ الزمانيّ المكانيّ هُما -معاً- موضعُ عَجَبٍ وَتَعَجُّبٍ؛ لِكَوْنِهِمَا واقِعَيْنِ فِي أُناسٍ كانُوا -قَبْلاً- أذِلَّةً مُتَفَرِّقينَ قَلِيلِين، ثُمَّ صارُوا- مِن بَعْدُ- أعِزَّةً كَثَيرينَ مُتَّحِدِين..

وَما ذاكَ على هذا النَّسق إلاّ بِسَبَبِ انتِسابِهِم الحَقّ لِهَذا الدِّين، وانتِمائِهِم الصِّدق لدعوةِ الحَقِّ وَاليَقِين.

فَكَانَ البَدْءُ فِي السِّياقِ القُرآنِيّ -هذا- بِلامِ التعجُّب: {لإيلافِ قُريش}؛ تَوْجِيهاً لِلسَّامِعين وَإرشاداً للتَّالِينَ لأَمْرٍ قَد يَدِقُّ عَلَيْهِم فَهْمُه، أَو يَصْعُبُ عَلَيْهِم إِدْراكُهُ؛ فَكأنّه -سبحانه- يقول: اعجبوا لأمرِ قُريش، وَأَثَرِ نِعْمَتي عليهم؛ كَيْفَ كَانُوا، وَكَيْفَ صَارُوا..

وَهَذا الأَصْلُ الثَّانِي -أيضاً- غَدَا حالُهُ -عِند أولئِكَ الجهلة المُتَصَدِّرِين-، الحَماسِيِّين الغَوْغائِيِّين، المُتَطَرِّفِينَ الغَالِين -أَنْفُسِهِم-: كَحالِ ذاكَ الأَصْلِ الأَوَّلِ -تَماماً-: فَقَد صارَ نَسْياً مَنْسِيًّا، وَأَثَراً مَاضياً مَقْضِيًّا..

وَمَا آلَ حالُ هَؤُلاءِ القَوم إلى هَذا الحَدِّ المُزْرِي -سَفَهَاً وَطَيشاً وَبَلاءً- إلاَّ بِسَبَبِ جَهْلِهِم بِالشَّرْعِ وَبِنائِه، وَتَنَكُّبِهِم لِطَرِيقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَعُلَمائِه، وَرَسُولُنا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أن يُلْتَمَسَ العِلْمُ عِند الأصاغِر»؛ فَهُم أصاغِرُ فِي أَسْنانِهِم، أصاغِرُ فِي مَعْرِفَتِهِم وَثَقافَتِهِم، ولا أقول في علمهم..
كَمَا وَصَفَهُم النبِيُّ الكريم -صلى الله عليه وسلم- فِي حَدِيثٍ آخَرَ بأنهم: «حُدَثَاءُ الأسْنان، سُفَهاءُ الأحْلام»..

وَصَدَقَ نَبِيُّنا الكريم -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيم- فِي قَوْلِه: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ سَنَواتٍ خَدَّاعات: يُصَدَّقُ فِيها الكاذِب، وَيُكَذَّبُ فِيها الصَّادِق، وَيَنْطِقُ فِيها الرُّوَيْبِضَة»، قالوا: مَن الرُّوَيْبِضَة -يا رَسُولَ اللَّه-؟! فقال -عليه الصلاة والسلام-: «الرَّجُلُ التّافِهُ يَتَحَدَّثُ فِي أمْرِ العامَّة».

نَعَم؛ وَرَبِّ مُحَمَّد؛ إنَّ هَؤلاءِ الجَهَلَةَ الغُلاةَ شَغَلُوا الخاصَّةَ وَالعامَّة، وَتَحَدَّثُوا فِي أَعْظَمِ الأُمورِ الهامَّة، فِي الوَقْتِ الَّذي هُم فِيهِ فاقِدُونَ لأدَنى أدنى أهْلِيَّةِ العِلْمِ الشرعِيّ، فَضْلاً عَن رِفْعَةِ مَكانَةِ الإِفْتاءِ الدّينِيّ؛ الَّذي جَعَلَ اللَّهُ -تَعالى- القَوْلَ فيهِ -بَغَيْرِ عِلْمٍ- مِن أَكْبَرِ الكَبائِر-؛ كَما قَالَ -تَعالى-: {قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّي الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون}، وَقَالَ -جَلَّ فِي عُلاه، وَعَظُمَ فِي عالِي سَماه-: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُم الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وَهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّه الكَذِب}:

فَفِي الآيَةِ الأولى: قَرَنَ -سُبْحانَهُ- القَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ: بِالشِّرْكِ بِاللَّه..

وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَة: جَعَلَ -سُبْحانَهُ- القَوْلَ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ -بِغَيْرِ فِقْهٍ في الدين-: افتِراءً عَلى اللَّه..

... فَأَشْئِم بِهِمَا مِن فِعْلَيْنِ قَبِيحَيْنِ خَسِيسَيْنِ؛ تَنَطَّحَ لَهُما -بِغَيْرِ خَوْفٍ مِنَ اللَّه، وَلا حَياءٍ مِن عباد الله- أُولَئِكَ الجَهَلَةُ المُتَصَدُّونَ المُتَصَدِّرُون -أَنْفُسُهُم-؛ فَتَكَلَّمُوا بِجَهْلِهِم الشَّدِيد فِي الدِّماء، ثُمَّ تَرْجَمُوا كَلامَهُم الفَاسِدَ إِلى وَاقِعٍ أَفْسَد؛ فَأَوْقَعُوا فِي الأُمَّةِ القَتْلَ، وَالبَلاءَ، وَالفَتِنَ، وَالمِحَنَ..، باسم بالجهاد، وباسم نشر الدِّين، وباسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...

بَلْ كَانُوا بِأَفْعَالِهِم المُفْسِدَة السُّوأى -هذه- سَبَباً عَظِيماً مِن أَسْبابِ تَسَلُّطِ أعْدَاءِ الأُمَّةِ عَلَيْها، وَاستِنْزافِهِم مُقَدَّراتِها، وَالضَّغْطِ عَلَيْها.. فَضْلاً عَن وَصْفِهِم الإِسْلامَ بِالإِرْهاب، وَالمُسْلِمين الصَّالحِين بِالتطَرُّف -وَهُم لا يَشْعُرون، وَلا لِضَلالاتِهِم وَإِفْسَاداتِهِم يُقَدِّرُون!!

وَهَذا -والله- أَخْطَرُ وَأَعْظَمُ مَا فِي هَذِهِ البَلِيَّة،
وَشَرُّ مَا فِي تِلْكُمُ القَضِيَّة... وَبَسَبَبِهِ نَتَكَلَّم، وَنَحْرِصُ، وَنُبَيِّن، وَنُجادِل -وَلا نَزَالُ نُحاوِل-؛ حِرْصاً شديداً عظيماً عَلى صُورَةِ الإِسْلامِ النقِيَّة، وَأَحْكامِهِ الجَليلةِ البَهِيَّة..

أَمَّا مَا يَفْعَلُهُ المُناوِئُون الأَغْيَار: مِن ظُلْمٍ كُبَّار: فَحُكْمُهُ أَجْلَى مِن شَمْسِ النَّهَار، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلى الصِّغَارِ الصَّغَار..

أَيُّها المُؤمِنُون:
مَا ذَاكَ الحادِثُ المُرِيع، وَالحَدَثُ الفَظِيع الَّذِي وَقَعَ فِي بَلَدِنَا الطَّيِّب المُبارَك -بِالأَمْسِ القَرِيب- مِمَّا تَكَسَّرَتْ لَهُ القُلُوبُ النقِيَّةُ تَصَدُّعاً، وَمَلأَ الأعْيُنَ الرَّحِيمَةَ أَدْمُعاً- إلاَّ دَلِيلاً مِن أَدِلَّةٍ شَتَّى تُبِينُ حَقِيقَةَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةِ الغالِين، الضالِّينَ المُجْرِمِين -إنْ كانُوا فَاعِلِينَها بِاسْمِ الدِّين، فَالدِّينُ مِنْهُم -وَاللَّهِ- بَراءٌ بِكُلِّ يَقِين..

وَلا زِلْنَا نَسْمَعُ مِن عُلَمَائِنا الرّبّانِيِّين، وَأَئِمَّتَنا العالمين العامِلِينَ التَّحْذِيرَ تِلْوَ التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ الخَطَرِ الدَّاهِمِ الكَبِير.. وَذَلِكَ -وَاللَّهِ- مُنْذُ نَحْوِ رُبْعِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ -أَوْ أَكْثَر-؛ لأَنَّ أَهْلَ العِلْمِ دَوْماً يَعْرِفُونَ الحَقّ، وَيَرْحَمُونَ الخَلْق..
فَكَانَتْ تَنْطَلِقُ مِن عُلَمائِنَا هَؤلاءِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِين -الَواحِدُ تِلْوَ الآخَرِ- عَلَى وَجْهِ التَّكْرِير- «صَيْحَةُ نَذِيرٍ»، وَصَرْخَةُ تَذْكِيرٍ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الغُلاةَ -بِها- إلى الحَقِّ يَرْجِعُون، وَعَن باطِلِهِم يَرْتَدِعُون..

وَلِكَوْنِ أُولَئِكَ السُّفَهَاء المَارِقِين جاهِلِين، ظَنَّانِين، شَكَّاكِين: أَلْقَوْا بِسَوادِ قُلُوبِهِم عَلى أَطْرافِ أَلْسِنَتِهِم؛ فَصَارُوا يَرْمُونَ عُمومَ الأُمَّةِ بِالضَّلالِ الكَبِير، وَحُكَّامَها بِالكُفْرِ وَالتَّكْفِير، وَعُلَماءَهَا بِالتُّهَمِ الجِزَاف، وَكُبَراءَهَا بِالخَلَلِ وَالانْحِراف …
وَهَذِهِ -وَاللَّهِ- كَلِماتٌ لَوْ عُكِسَتْ عَلَى أُولَئِكَ الجَهَلَةِ: مَا وَجَدَتْ لَهُم بَدَلاً..

أَيُّها المُؤمِنُون:
إِنَّ كَلِماتِ عُلَمائِنا الأَكابِر -رَحِمَهُمُ اللَّه- المَبْنِيَّةَ عَلى كِتاَب الله -تعالى- وَسُّنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وَطريق الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- هي نِبْراسٌ لِكُلِّ النَّاس، بَلْ هِيَ الأَصْلُ وَالأَساس -مِن قَدِيمٍ قَدِيم- فِي التَّحْذِيرِ مِن هَذا النَّهْجِ التَّكْفِيرِيِّ الخَطِيرِ المَرِير، وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِن تَقْتِيلٍ وَتَدْمِير، وَسَفْكِ دِماءٍ وَتَفْجِير؛ فَهذه الكلمات -لِلحَقِّ وَالتَّارِيخ- قَبْلَ هَذَا التَّكْرارِ الكَثِير الكَثِير، الَّذِي يُرَدَّدُ عَلَى الأَسْماعِ -فِي جَمِيعِ الأَصْقَاع- كُلَّ آن -وَفِي كُلِّ مَكان-:
وَقَدْ قَالَ بَعْضٌ مِن عَلَمائِنا المُعاصِرين، وَأَئِمَّتِنا الكُبَراء الفاقِهِين- مِمَّن اتُّفِقَ عَلَى مَكانَتِهِم وَأَمانَتِهِم -قبل عشْر سنواتٍ كاملاتٍ -ما نَصُّه-:
(إِنَّ التَّسرُّعَ في التَّكفيرِ لهُ خَطَرُهُ العظيمُ؛ وَبِخَاصَّةٍ لِمَا يَنْجُمُ عنْهُ مِنِ استباحةِ الدِّماءِ، وانتهاكِ الأَعراضِ، وسلبِ الأَموالِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وتفجيرِ المساكنِ والمركباتِ، وتخريبِ المنشآتِ:

فهذهِ الأَعمالُ -وأَمثالُهَا- مُحرَّمةٌ شرعاً -بإِجماعِ المسلمينَ-؛ لما في ذلكَ مِنْ هتكٍ لحُرمةِ الأَنفسِ المعصومةِ، وهتكٍ لحُرمةِ الأَموالِ، وهتكٍ لحُرُماتِ الأَمنِ والاستقرارِ، وحياةِ النَّاسِ الآمِنينَ المطمئِنِّينَ في مساكنهمْ ومعايشهمْ، وغُدُوِّهمْ ورواحِهمْ، وهتكٍ للمصالحِ العامَّةِ الَّتي لاَ غِنى للنَّاسِ في حياتِهمْ عنها.
فَالإِسلامَ بريءٌ مِنْ هذا المعتقدِ الخاطئ.

وَما يجري في بعضِ البلدانِ منْ سفكٍ للدِّماءِ البريئةِ، وتفجيرٍ للمساكنِ والمركباتِ، والمرافقِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وتخريبٍ للمنشآتِ: هوَ عملٌ إِجراميٌّ، والإِسلامُ بريءٌ منهُ.

وهكذا كُلُّ مسلمٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ بريءٌ منهُ؛ وإِنَّما هوَ تصرٌّفٌ منْ صاحبِ فكرٍ منحرفٍ، وعقيدةٍ ضالَّةٍ، فهوَ يحملُ إِثمَهُ وجُرمَهُ، فلاَ يُحْتَسَبُ عملُهُ على الإِسلامِ، ولاَ على المسلمينَ المهتدينَ بهديِ الإِسلامِ، المُعتصِمينَ بالكتابِ والسُّنَّةِ، المُستمسِكينَ بحبلِ اللهِ المتينِ؛ وإِنَّما هوَ محضُ إِفسادٍ وإِجرامٍ تأْباهُ الشَّريعةُ والفطرةُ؛ ولهذا جاءتْ نصوصُ الشَّريعةِ بتحريمهِ؛ مُحذِّرةً مِنْ مصاحبةِ أَهلهِ..).

انتهى كَلامُهُ -يَرْحَمُهُ اللَّه-.

أَقُولُ -خِتاماً-:
لَقَد انْطَبَقَ عَلى هَؤلاءِ التكفِيرِيِّينَ المُنْحَرِفين، الجَهَلَةِ الضالِّينَ قَوْلُ أَئِمَّةِ العِلْمِ وَالدِّين -مُنْذُ سِنين-:
لا لِلإسْلامِ نَصَرُوا... وَلا لِلكُفْرِ كَسَرُوا...
... فَهَلاَّ تَدَبَّرُوا، وَتَفَكَّرُوا، وَعَنْ ضَلالِهِم انْقَطَعُوا وَأَدْبَرُوا؟!!
أَقُولُ قَوْلِي هَذا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم..


الخُطبة الثانية :
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمِين -القائِلِ-: {وَمَا أَرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلعالَمِين}، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى نَبِيِّه مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- الهادِي الأَمِين -القائِل-: «إِنَّما أَنا رَحْمَةٌ مُهْداة».

أَمَّا بَعْد:
فَإِنَّ خِتامَ (سُورَةِ لإيلافِ قُرَيش) جاءَ مُتَكامِلاً مَع فاتِحَتِها، مُتَوائِماً مَعَ بِدَايَتِهَا: تَحْرِيضاً عَلى المُحافَظَةِ عَلى النِّعَم أَكْثَر، وَحَضًّا وَتَرْغِيباً عَلى استِمرارِها لأَهْلِها بِحالٍ أَوْفَرَ...

فَقَالَ -تَعالى- مُرْشِداً عِبادَه إلى شُكْرِ نِعَمِهِ العَظِيمَة، وَمِنَنِهِ الجَمَّة: {فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هَذا البَيْت}؛ لأَنَّ اللَّهَ -تَعالى- يَقُول -مُبَيِّناً فَضْلَهُ عَلى عِبادِهِ، وَهُوَ خَالِقُهُم-: {وَما بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه}، وَيَقُول -سُبْحانَه-: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}.

فَمَا السَّبِيلُ المُوصِلُ إلى المُحافَظَةِ عَلَيْها؟! وَما الطَّرِيقُ المُؤَدِّي -بِالحَقِّ- إلَيْها؟!

قَال -تَعالى-: {لَئِن شَكَرْتُم لأَزِيدَنَّكُم، وَلَئِن كَفَرْتُم [أي: تَرَكْتُم المُحافَظَة عَلَى النِّعَم] إِنَّ عَذابِي لَشَدِيد}..

فَعِبادَةُ اللَّهِ حَقَّ العِبادَة، وَالقِيامُ بِتَوْحِيدِهِ الخالِص، وَالعِلْمُ بِالشَّرْع، والإحياءُ للسنة، وَالعَمَلُ بِأحْكامِهِ: أَكْبَرُ أَسْبابِ تَوَاصُلِ تِلْكُمُ المِنَن، وَأَجَلُّ طَرائِقِ تَعَاظُمِ هاتِيكَ النِّعَم..

ثُمَّ قَال -سُبْحانَهُ- خِتْماً لِلسُّورَةِ -وَاصِفاً نَفْسَهُ العَلِيَّة، وَذَاتَهُ المُقَدَّسَة بِصِفاتٍ بِها أَهْلُها المُخاطَبُون يَشْعُرُون، وَلآثارِها يَحُسُّون، وَلِفَضائِلِها يَلْمَسُون: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِن خَوْف}:

فَرَبَطَ -جَلَّ فِي عُلاه- عِبادَتَهُ مِنْهُم إيماناً، باطمِئْنانِهِم هُم -أَمْناً وَأَماناً-..
كَمَا وَرَد -تَماماً- فِي مُحْكَمِ قَوْلِهِ -تَعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُون}..

فكان الأمنُ منّة ونعمة وهبة مِن الله لعباده القائمين بحقه على الوجه الذي أمر به.

أَيُّها المُؤْمِنُون:
إِنَّ الأَمْنَ وَالأَمانَ مُرْتَبِطانِ بِالإِيمان، وَكِلاهُما مِنَّةٌ عُظْمى مِن مِنَنِ رَبِّنا الرَّحْمَن.

وَالحِرْصُ عَلَيْهِمَا مَقْصِدٌ عَالٍ مِن مَقاصِدِ الشَّرْعِ الشَّرِيف، وَأَصْلٌ تَامٌّ مِن أُصُولِ دِينِنا الحَنِيف..

وَأَمَّا ذَلِكَ الهَذَيانُ الطَّاغِي الَّذِي يُرَدِّدُهُ بَعْضُ المُدافِعِينَ بِالجَهْلِ، أَوِ المُتَلَمِّسِينَ العُذْرَ لِتِلْكُمُ الأَفْكارِ التّكْفِيرِيَّة الضالَّة -أَو أَصْحابِها بِالبَاطِلِ-؛ لِيُسَوِّغُوا ضَلالَهُم، وَيهونوا فعائلهم، وَيُمَرِّرُوا انحِرافَهُم وَغُلَواءَهُم: مِن أَنَّهُم يَقْتُلونَ -أَصالَةً- الكُفّار، وَيَقْتُلونَ -تَبَعاً- المُتَتَرَّسَ بِهِم -المُخْتَبَأَ وَراءَهُم- مِن خُلَطائِهِم المُسْلِمِين:

فَهَذا -وَاللَّهِ- مِن أَعْظَمِ الجَهْلِ وَأَكْبَرِه، وَأَشَدِّ الظُّلْمِ وَأَفْجَرِه:
فَغَيْرُ المُسْلِمين إِذا دَخَلُوا بِلادَ المُسْلِمينَ بِعَقْدِ الأَمانِ، وَعَهْدِ الإذْنِ وَالاستِئْمَان: كَانَت حُقُوقُهُم -رِعايَةً وَحِمايَةً- كَحُقُوقِ المُسْلِمينَ بِلا أَدنى فَرق؛ بَل إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- قال -مُحَذِّراً مِن مُخالَفَةِ هَذا الحُكْمِ المَتِينِ-بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين-: «مَن قَتَلَ مُعاهِداً لَمْ يَرَح رائِحَةَ الجَنَّة»، و(المُعاهِدُ): هُوَ غَيْرُ المُسْلِمِ إِذا اسْتُؤْمِنَ -عَهْداً- داخِلَ بِلاد المُسْلِمين.

وَأَمَّا التَتَرُّس المُدَّعى -ذاك-: فَإِنَّ صُورَتَهُ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرَها أَئِمَّةُ الفِقْهِ العارِفُون، وَعُلَماؤُه الصَّادِقُون: تَخْتَلِفُ ظَهْراً لِبَطْنٍ عَن تلكم الصُّورَةِ القاتِمَةِ المُظْلِمَةِ الَّتِي يَجْهَلُها هَؤُلاء، فَتُنْتِجُ تِلْكَ الدِّمَاء، وَتَنْثُرُ هَذِهِ الأَشْلاء.. مِن شَيْخٍ هَرِم، وَامْرَأَةٍ غافِلَة، وَطِفْلٍ بَرِيء..

فَالتتَرُّسُ -بِصُورَتِهِ الفِقْهِيَّةِ الحَقَّة- ضَرورَةٌ يِلْجَأُ إِلَيْهَا الجُنْدِيُّ المُسْلِمُ مُرْغَماً عَلَيْهَا؛ لا أَنَّهُ يَتَطَلَّبُها بِغَيْرِ حَقِّها، وَيَسْعَى إِلَيْها بِنَقِيضِ حُكْمِها وَحِكْمَتِها.. {أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا}..

فَلْيَتَّقِ اللَّهَ أُناسٌ جاهِلُون، لا لِلحَقِّ هُمْ عارِفُون، وَلا لِلباطِلِ هُمْ رادُّون، بَل هُم لَهُ -وَإِن جَهِلُوا- مُؤَيِّدُونَ ناشِرُون، وَلِدُعاتِهِ وَأَصْحابِهِ ناصِرُون منتصرون ..

أَيُّها المُؤمِنُون:
إِنَّ مِن بَدائِهِ الكَلِمات، وَمُسَلَّماتِ البَيانَات أَن أَقُولَ مِن عَلى هَذا المِنْبَر:
إِنَّ مَا جَرى فِي عَمَّانَ الخَيْرِ -بِالأَمْسِ القَرِيبِ- مِن تَفْجِيرٍ، وَتَدْمِير، وَتَقْتِيل، وَنَقْضِ لِلأَمْنِ وَالأَمَان، وَهَتْكِ لِسُتُورِ الدِّينِ وَالإِيمان: أَمْرٌ منكْرٌ شديد؛ لا يُقِرُّهُ شَرْع، وَلا يُؤَيِّدُهُ عَقْل، وَلا تَنْصُرُه مَصْلَحَة، وَلا يُسَوِّغُهُ ذُو ضَمِير، وَلا يُدافِعُ عَنْه صَاحِبُ نَظَرٍ وَتَفْكِير..

فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الصَّنائِعُ الفَظَائِعُ غَدْراً خَبِيثاً مَاكِراً جَباناً -مِن وَراءِ جُدُرٍ-، تَأْنَفُ مِنْهُ الطَّبائِعُ السَّوِيَّة، فَضْلاً عَنِ الأَخْلاق الإسْلامِيَّة؟!!
وَالحَقِيقَةُ وَالواقِعُ أَنَّها كَانَت أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ، وَأَجَلّ: لقد كان هذا الفعل غَدْراً مُضاعَفاً كُبَّاراً؛ قَلَبَ الأَفْراحَ أَتْراحاً، وَالهَناءَ عَزاءً، وَالبَسَماتِ عَوِيلاً وَبُكاءً، وَالدَّواءَ داءاً، وَالشِّفَاءَ بَلاءاً، وَالوُرودَ دَماءً، وَالأَجْسادَ أَشْلاءً..
وَلَسْتُ أدري -بَل إِنَّنِي أَدْرِي-:

هَل هَذِهِ المَواقِعُ المُسْتَهْدَفَة -مِن هَذِهِ الفِئَةِ الضالَّةِ المُنْحَرِفَة- ساحَاتُ جِهادٍ وَأَعْدَاء، وَمَواقِعُ قِتالٍ وَفِداء؟!

أَمْ أَنَّها أَماكِنُ كَمَالِ أَفْراحٍ، وَتَرابُطِ أُسَرٍٍ، وَتَواصُلِ أَرْحامٍ، وَتَبادُلِ مَوَدَّاتٍ، وَتَقَابُلِ مَسَرَّات؟!

تَاللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَوَاللَّه: إِنَّ الفَاعِلَ لِهَذَا، وَالمُتَلَبِّسَ بِهِ -وَمَن وَراءَه-كائِناً مَن كَان، وَإِلى أَيِّ ذَرِيعَةٍ واهِيَةٍ استْكَان- مُجْرِمٌ جَبان، وَدَنِيءٌ فَتَّان؛ لَمْ يَرْقُب فِي عَامَّةِ المُسْلِمينَ إِلاًّ وَلا ذِمَّة، وَلَم يُراعِ حَقَّ صِيانَةِ المُجْتَمَعِ وَالأُمَّة..
وَإِنَّنا لِنَدْعُو رَبَّنا -جَلَّ وعلا- مُخْلِصِين-: أَن يُوَفِّقَ مَلِيكَنَا، وَوَلِيَّ أَمْرِنا -حَفِظَهُ اللَّه، وَجَمَّلَهُ بهداه وِتَقْواه- لِمَزِيدٍ مِنَ السَّعْيِ الدَّؤُوبِ الحَثِيث؛ الَّذِي مَا فَتِئَ -حفظه الله- يَجْهَدُ فِيه، وَيَجِدُّ فِي تَحْقِيقِه: تَعْرِيفاً لِدُوَلِ العَالَمِ أجمع بِحَقِيقَةِ دِينِ الإِسْلام، وَمَواقِفِهِ السَّدِيدَةِ العِظَام، وَبَراءَتِهِ مِن أَفْعالِ أُولَئِكَ الغُلاةِ الجَهَلَةِ الطَّغَام..

وَرَسُولُنا -صلى الله عليه وسلم- يَقُول: «مَن لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّه»؛ فَالشُّكْرُ -كُلُّه- مُوَجَّهٌ لِمَلِيكِنا -جَزاهُ اللَّهُ خَيْراً، وَزَادَهُ فَضْلاً وَبِرًّا- فِي رِعايَتِهِ، وَحِياطَتِهِ، وَسَهَرِهِ، وَحَدَبِه، وَحرصه، وحِراسَتِه..
وَما (رِسالَةُ عَمَّان) -السَّبَّاقَةُ فِي شَرْحِ رِسالَةِ الإِسْلام الحَقّ الوسطيّة- الَّتي أَطْلَقَها -حَفِظَهُ اللَّه وَرَعاه- قَبْلَ أَكْثَرَ مِن عام: إِلاَّ دَليلاً قَوِيًّا، وَبُرْهاناً جَلِيًّا عَلَى عِزَّتِهِ بِهَذا الدِّين وَصَفائِهِ، وَاعْتِزازِهِ بِجَمالِهِ وَنَقائِه، وَحِرْصِهِ عَلى تَقَدُّمِهِ وَبَقائِه؛ مِمَّا يَسْتَدْعِي لُزُومَ طاعَتِهِ بِالحَقِّ المَأْلُوف، وَوُجوبَ التِزامِ أَمْرِهِ بِالبِرِّ وَالمَعْرُوف …

وَإِنِّي لأُخَوِّفُ هَؤُلاءِ الفاعِلِين بِرَبِّ العالَمِين -إِن كَانُوا بِهِ مُؤمِنينَ مُوَحِّدِين، وَلِحُكْمِهِ مُقِرِّينَ مُذْعِنِين- مُبَيِّناً لَهُم مَا يَجْهَلُون، وَمُعَرِّفاً إِيَّاهُم مَا لا يَعْلَمُون:
وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ -تَعالى-، وَيَكُفُّوا عَن فَعَائِلِهِم المُنْكَرَةِ الدنيئة هَذِه، وَأَن يَكْفُوا المُسْلِمِينَ وَبِلادَهُم شَرَّهُم، وَأَنْ يَرْجِعُوا إلى الحَقِّ، وَيَرْحَمُوا الخَلْقَ؛ بَدَلاً مِن هَذا الطُّغْيانِ الطَّاغِي الَّذِي يَنْشُرُونَهُ فِي الأُمَّةِ -بَل فِي العالَم أَجْمَعَ- بِاسْمِ الإِسْلامِ، وَلَيْسَ فِيِهِ مِنْهُ وَلَوْ أَدْنَى قولٍ أو كَلاَم.

هَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَشَرْعِه، لَيْسَ الهَوَى، وَلا التَّأَلِّي، وَلا الجَهْلَ الفارِغ، وَلا الحَماَسَةَ الفاسِدَة …

{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ -جَلَّ فِي عُلاه، وَعَظُمَ فِي عالي سَماه- أَن يَهْدِيَ هَؤُلاءِ الضالِّين المارِقين، أو أَن يَأْخُذَهُم -سُبحانَه- أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِر؛ وَيُخَلِّصَ الأُمَّةَ مِن شَرِّهِم، وَضَرَرِهِم: لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِلمُعْتَبِرِين، وَسَبَباً يَرْتَدِعُ بِهِ، وَيَرْجِعُ بِسَبَبِهِ: مَن لا يَزَالُونَ بِهِمْ مُغْتَرِّين، وَبِفَعائِلِهِم مَغْرُورِين؛ إِنَّهُ -سُبْحانَهُ- سَمِيعٌ مُجِيب.

كَمَا أَسْأَلُهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعالى- أَن يُجَنِّبَ بِلادَنا وبلاد المسلمين الفِتَنَ وَالمِحَن -مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن- إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقادِرُ عَلَيْه.
هَذِي بِلادي وَالإلَهُ حَفِيظُها
أَمْناً وَإِيماناً بِكُلِّ أمانِ
أَهْلُ الضَّلالَةِ وَالغُلُوِّ بِساحِها
لاَ لَن يَدُومُوا ساعَةً بِزَمانِ
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّم وَبارَك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين..

{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون}.




Edited by - مــطر on 03/01/2011 13:58:43
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 08/01/2011 :  09:54:45  Show Profile

علامات الساعة الصغرى


الشيخ علي الحدادي


الخطبة الاولى

إن من حكم الله البالغة أن أخفى عن عباده موقد قيام الساعة فلم يطلع عليه أحداً من الخلق لا من الملائكة المقربين ولا من النبيين والمرسلين قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (187) سورة الأعراف وقال تعالى {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} (63) سورة الأحزاب
وسأل جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) فهذان خير الملائكة وخير البشر لا يعلمان مت ى تقوم فما الظن بغيرهما من الخلق.
وبهذا يعلم بطلان ما يدعيه المدعون ممن يسمون بعلماء الفلك وعلم الأرض بأن الذي بقي من عمر الدنيا كذا وكذا من السنين فكل هذا قول بلا علم وتخرص بلا دليل.
ومن رحمة الله تعالى أن جعل للساعة علامات تدل على اقترابها ودنو ميعادها حتى يستعد الناس للقاء الله بالإيمان الصحيح والعمل الصالح فذلك هو زاد الآخرة لا زاد غيره. قال تعالى (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) ولم يقل أخفيتها فإنه أخفى وقت مجيئها وأظهر اقتراب موعدها بما جعل لها من العلامات. وقال تعالى {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} (18) سورة محمد
فأول علامات الساعة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عنه قوله صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا و والساعة كهاتين وقرن بين السبابة والوسطى) رواه البخاري. فقرب بعثته من الساعة كقرب السبابة من الوسطى فكما أنه لا إصبع بينهما فكذلك ليس بينه وبين الساعة نبي يبعث هو خاتم الرسل والنبيين صلى الله عليه وسلم.
ومن علامات الساعة انشقاق القمر في زمانه صلى الله عليه وسلم قال تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) وكان سبب انشقاقه أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آية تدل على صدق نبوته فشق الله لهم القمر فقالوا سحرنا محمد، في صحيح مسلم عن أنس بن مالك: « أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر » . وعن ابن مسعود قال « بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر فلقتين ، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اشهدوا ».
ولا يكذب بانشاق القمر إلا الملاحدة ومن تشبه بهم من أهل البدع والأهواء. وبعض الناس لا يزال مرتاباً في انشقاقه حتى يقال له إن عالم الفضاء فلان أقر بانشقاق القمر أو أنه رأى مثل هيئة الأخدود على سطح القمر فإذا سمع مثل هذه الأخبار صدق وإلا بقي متردداً والعياذ بالله فيكف يقبل المسلم خبر كافر جاهل بالله ولا يصدق بخبر القرآن الكريم و لا بخبر النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يتحايل عليهما بالتأويلات الفاسدة وكيف لا يصدق المسلم بأخبار أصحابه وهم الثقات العدول وقد جاءت عنهم بأصح الأسانيد وأوثقها.
ومن علامات الساعة ظهور عبادة الأوثان في كثير من الأمة وارتدادهم على أعقابهم قال البخاري في صحيحه (باب تغيير الزمان حتى يعبدوا الأوثان) ثم أخرج حديث أبي هريرة رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال « لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذى الخلصة » . قال وذو الخلصة طاغية دوس التى كانوا يعبدون فى الجاهلية. وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى يعبدوا الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون ، كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي » رواه أبو داود والترمذي وصححه.
وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فزين الشيطان لكثير من الناس عبادة القبور والأضرحة والأولياء والصالحين وغيرهم باسم التوسل وباسم محبة الصالحين وباسم تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره فتجد من الناس من يستغيث بعلي والحسين وعبد القادر وزينب ونفيسة والعيدروس ويذبحون لهم الذبائح وينذرون لهم النذور ويدعونهم سراً وجهراً ويستعينون بهم وهذا مومجود إلى ساعتنا هذه.
إن دعاة الشرك والخرافة قد نشطوا في هذا الزمان نشاطاً عظيماً وتمنكوا من التسلل إلى بيوت كثير من أهل السنة عبر القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى وهم يبدؤون شيئاً فشيئاً حتى إذا تمكنوا كشروا عن أنيابهم وكشفوا الأقنعة التي كانوا يتسترون بها.
يوجد اليوم في بلادنا من يطالب بإحياء الآثار والبناء على القبور والاحتفال بالموالد ويعتبر التحذير من القبورية والخرافة تكفيراً للمسلمين بغير حق ونحو ذلك من الدعاوى الباطلة التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لمحاربتها والقضاء عليها.
ولا يقاوم الباطل بمثل بيان الحق بالقلم واللسان وردعه وإسكاته بقوة السلطان نسأل الله أن يوفق علماء المسلمين لبيان الحق وأن يوفق حكامهم لنصرته بما أوتوا من أسباب القوة.
ومن علامات الساعة ظهور مدعي النبوة فقد ثبت في الصحيح أنه لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى يبعث دجالون أي يظهر ويخرج على الناس لا أنهم يبعثون من عند الله تعالى وهذا ظاهر إن شاء الله.
وقد ظهر جمع ممن يدعي النبوية ولعله سيخرج مستقبلاً من يزعم أنه نبي فتكون من الآيات التي ظهر بعض أفرادها وبقي بعضها. وممن خرج قديماً مسيلمة الكذاب والأسود العنسي فهذان خرجا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقضى الله على فتنتهم بأيدي جنود الحق وأنصاره والحمد لله.
والواجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين كما قال تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وقال صلى الله عليه وسلم (وختم بي النبيون) وقال صلى الله عليه وسلم (لا نبي بعدي) وهذا لا ينافي نزول عيسى بن مريم فإنه ينزل آخر الزمان حاكما بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأتي بشريعة جديدة.
ومن علامات الساعة ظهور التبرج والسفور في النساء مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم عن أحد الصنفين اللذين لم يرهما في حياته ( ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) خرجه مسلم.
إن من صور الكاسيات العاريات من تلبس ما يكشف عن أجزاء من بدنها أو الشفاف الذي يشف عما تحته أو الضيق الذي يبين تقاطيع الجسد.
وقد عظمت الفتنة في هذا الزمان بهذا الصنف من النساء حتى صار الذهاب إلى الأسواق والمستشفيات والمطارات والمتنزهات من الأمور العسيرة على من يهمه أمر دينه والله المستعان.
إن من أسباب هذا التفلت من الحجاب الشرعي التشبه بعادات المجتمعات المتحللة التي لا تحكمها قيودُ شريعةٍ صحيحة ولا عقولٌ رجيحة ولافطرٌ سليمة . ومنها السفر إلى تلك البلاد والاختلاط بأهلها. ومنها مشاهدة الأفلام وما جرى مجراها. ومنها تقصير أولياء الأمور فيما أوجب الله عليهم من تربية النساء على تعاليم الشريعة والأخذ على يد من تفرط في حجابها وحشمتها, وإن مما يدعو للأسف أن يغفل الأب عن بناته أو الزوج عن زوجته حتى تصل إلى مدى بعيد في التبرج والسفور ولكن الأسف يعظم أكثر حين ترى الرجل العاقل ومعه نساؤه على هيئة غير مرضية بمرأى منه ومسمع فما الذي غير هذا الصنف من الرجال ولعلهم كانوا قبل سنين معدودة من أشد الناس مقتاً لهذه المظاهر. نعوذ بالله من الفتن التي تعصف بالقلوب والإيمان.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

أما بعد:
ومن علامات الساعة كثرة القتل في الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج ». قالوا وما الهرج يا رسول الله قال « القتل القتل ».
وعنه رضي الله عنه قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « والذى نفسى بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتى على الناس يوم لا يدرى القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل ». فقيل كيف يكون ذلك قال « الهرج. القاتل والمقتول فى النار». رواه مسلم.
وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فاستهان كثير من الناس بأمر الدماء وجرأهم على ذلك ما تهيأ من الأسلحة التي تقتل العدد الكثير في الوقت الواحد، وما ساعدهم ما يقع في بعض البلاد من الاضطرابات والفوضى وضعف السلطان.
وكثرة القتل الباطل ليس مرجعه إلى شيء واحد فمن الناس من يسفك الدماء تديناً وتقرباً إلى الله وإذا نظرت إلى حقيقة الواقع وإذا به يسفك دماء معصومة بغير حق إما عصمها إيمانها وإما عصمها ما أعطيت من العهد والأمان. ومن هذه النوع ما يجري على يد خوارج العصر في هذا البلد وفي غيره من بلدان المسلمين والعياذ بالله.
ومن القتل ما يكون بسبب الغيرة التي تجاوز الحد المشروع كمن يقتل بعض نسائه إذا حصلت منهن فاحشة متيقنة ً أو مظنونة وهي ما يعرف في بعض البلاد بجرائم الشرف.
ومن القتل ما يكون بسبب الخصومات على الدنيا كالخصومة على الأموال أو العقارات أو بعض الحقوق المادية أو المعنوية بين الأقارب أو الشركاء أو الأصدقاء.
ومن القتل ما يكون بسبب الرغبة في السيطرة والهيمنة والعلو في الأرض كعامة الحروب القائمة اليوم فهي في غالبها نزاعات دموية من أجل التوسع في السلطان وقهر الـأقوياء للضعفاء.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم القاتل والمقتول في النار هذا إذا كان المقتول كان مشاركاً في الفتنة أما إذا قتل ظلماً وعدواناً وهو يذب عن نفسه أو كان ماشياً في طريقه أو في سوقه فلا يدخل في الوعيد وما أكثر الدماء التي تزهق اليوم وأصحابها لا يدرون فيم قتلوا والعياذ بالله نسأل الله أن يحقن دماء المسلمين وأن يطفئ نيران الفتن التي تتقد في بلادهم في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وغيرها إنه جواد كريم رحمان رحيم.
إن عامة هذه الفتن هي عقوبات من الله يسلطها على من يشاء حين يخالفون عن أمره ويتنكبون عن شريعته ويكفرون بنعمته فيذيقهم لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون فمتى تابوا وأنابوا وأصلحوا دينهم أصلح الله لهم حالهم وبدلهم بعد خوفهم أمنا.
ونحن في هذا المجتمع الآمن نذكر نفسنا وإياكم بوجوب تقوى الله والحفاظ ما أنعم به علينا من النعم التي لا تعد ولا تحصى ومن أجلها نعمة الأمن والطمأنينة واجتماع الكلمة.
والحذر من أسباب تغيرها وزوالها فليس بيننا وبين الله نسب وإنما بيننا وبينه الوفاء بعهده { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} إن دخول الأحزاب والجماعات إلى بلدنا وتبني بعض شبابنا لها مما ينذر بأسباب الفرقة.
وإن فشو المعاصي والمنكرات وظهور التبرج والسفور والاختلاط واسباب الفواحش من أسباب حلول النقم والعقوبات الظاهرة والباطنة الخاصة والعامة والعياذ بالله فاتقوا الله عباد الله وحاسبوا أنفسكم وخذوا عبرة من غيركم كانوا أكثر منكم وأغنى منكم وأقوى منكم فلما عصوا وبدلوا سلبهم الله ما أعطاهم وجعلهم عبرة لكل معتبر.
احذروا إخوة الإيمان أن تكون غداً عبرة للناس وأحاديث تلاك على الألسن نسأل الله أن يعاملنا بلطفه وأن يتداركنا برحمته وأن يوزعنا شكر نعتمه إنه جواد كريم
ثم اعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم


Edited by - مــطر on 08/01/2011 09:56:30
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 10/01/2011 :  18:46:34  Show Profile

بعض عقوبات الله وبعض أسبابها


ناصر بن محمد الأحمد


ملخص الخطبة
1- نعمة نزول المطر. 2- نقمة الإغراق بالمطر والماء. 3- إمطار قوم لوط بالحجارة. 4- الفرقة والبغضاء من عقوبات الله للأمم. 5- أسباب هلاك الأمم.


الخطبة الأولى

أما بعد: اعلموا رحمني الله وإياكم، بأن نزول الأمطار من نعم الله العظيمة، على القرى والمدن والمجتمعات، يستفيد منه الناس، وتستفيد البهائم، وكذلك الزروع وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّـاتٍ أَلْفَافاً [النبأ: 14-16]، وقال عز وجل: أَفَرَءيْتُمُ الْمَاء الَّذِى تَشْرَبُونَ أَءنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ [الواقعة: 68-70]. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو، ليعم بسقيه وهادها، وتلولها، وظرابها وأكامها، ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها، لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر، وفي ذلك فساد، فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها فينشئ سبحانه السحاب وهي روايا الأرض، ثم يرسل الرياح فتلقحها كما يلقح الفحل الأنثى، ثم ينزل منه على الأرض، ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة، حتى إذا أخذت الأرض حاجتها وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها، أقلع عنها وأعقبه بالصحو" انتهى.

ولقد شهدت المنطقة ولله الحمد والمنة، في الأيام القريبة الماضية، أمطاراً عجيبة. وإن استمرار نزول رحمات الرب، يحتاج من أهل القرى والمدن والشعوب والأمم، يحتاج الإيمان والطاعة والاستقامة. قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ [الأعراف:96]، وإن استمرار نزول بركات المولى جل وعلا يحتاج منا إلى ترك الذنوب والمعاصي، والتوبة والاستغفار، قال الله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12]، وقال عز وجل: وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ [هود:52].

وإن استمرار نزول الغيث يحتاج منا إلى أداء زكاة أموالنا، وفي الحديث: ((ولـم يمنعوا زكـاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا)). لكن هناك وجه آخر لنـزول الأمطار من السماء، أحياناً، لا يكون نزوله رحمة، بل هو عذاب وعقوبة إلهية لتلك القرية، أو لتلك الأمة وقد أهلك الله عز وجل أمماً وأقواماً بهذا الماء، في القديم وفي الحديث. وقد ذكر الله عز وجل في كتابه، عقوبة الغرق بالماء، لأقوام عتوا عن أمر ربهم. وهم قوم نوح عليه السلام وذلك بعدما أعرضوا عن الدعوة، ولم يؤمنوا بما قال لهم نوح عليه السلام. أغرقهم الله عز وجل بالماء، بإرسال السماء عليهم مدراراً، وبتفجير ينابيع الأرض حتى تشكل طوفان هائل، وجعل سبحانه لنوح عليه السلامة علامة لبداية عملية إغراق أولئك القوم بالماء، هو فوران التنور، قال الله تعالى: صْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ [المؤمنون:27]، وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءامَنَ وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود:40]، وجاء تفصيل عملية الغرق بالماء في موضع آخر فقـال عز من قائـل: فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ L وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ [القمر:11-14].

وعقوبة الغرق بالماء، حصلت أيضاً لقوم فرعون، وذلك عندما آذوا موسى عليه السلام، ولم يقبلوا ما جاء به، أغرقهم الله بالماء، الماء الذي كان فرعون يفتخر ويتكبر ويقول: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، فهذا الماء الذي كان يجري من تحته جعله الله فوقه، وهذه عقوبة التمرد على دين الله عز وجل، قال الله تعالى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْراءيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْراءيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ النَّاسِ عَنْ ءايَـتِنَا لَغَـافِلُونَ [يونس:90-92].

أيها المسلمون، هذا نوع من أنواع العقوبات الإلهية لأولئك الذين حاربوا دين الله عز وجل، أرسل الله لهم أحد جنوده، وهو الماء، فأغرق ودمّر بأمر الله عز وجل: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31]، إن جنود الله عز وجل في إهلاك المخالفين وتأديب المعاندين، وتذكير المتآخرين بما حصل للمتقدمين لا عد له ولا حصر، والله جل وتعالى يهلك ويعاقب كل قرية بما يناسبها. وإليكم بعض صور عقوبات الله.

فمن عقوبات الله عز وجل، بدل إمطار الماء، إمطار الحجارة قال عز وجل: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ الظَّـالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82، 83]، هذه هي العقوبة التي حصلت لأهل تلك القرية، التي انتشرت فيها الفاحشة، عاقبهم الله عز وجل بعقوبتين: الأولى: جعلنا عاليها سافلها: وضع جبريل عليه السلام جناحه ثم رفع القرية إلى السماء، حتى سمع أهل السماء بنباح كلابهم، ثم قلبها. العقوبة الثانية: وأمطرنا عليهم حجارة. إن الماء لو كثر نزوله من السماء، لأفسد وخرّب ولا أحد يستطيع أن يقف في وجهه، مهما أوتي من قوة، فما بالكم إذا كانت الأمطار من حجارة، نعوذ بالله من الخذلان، لكن هذه هي عقوبة القرية التي ينتشر فيها الفاحشة التي ذكرها الله عز وجل.

ومن عقوبات الله جل وتعالى لأهل القرى التفرق، نعم، فقد يوقع الله التفرق في مجتمع أو في أمة بسبب المخالفات التي يرتكبونها، فلا تجدهم يتفقون على رأي، قال الله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـارَى أَخَذْنَا مِيثَـاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَـامَةِ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة:14]. أي عقوبة أشد من أن أبناء الدين الواحد يحصل بينهم العداوة والبغضاء، والسبب: أنهم نسوا حظاً مما ذكروا به.

ومن عقوبات الله أيضاً، إرسال الريح، هذا الهواء الجميل، لو زاد بأمـر الله عز وجل لتحول من نعمة إلى نقمة، ولقد عوقب أقوام بالريح، فأفسد عليهم منازلهم وخرّب بيوتهم قال الله تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ [فصلت:16]. وقال عز وجل: وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات:41، 42]، وقال سبحانه: وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـ#1648;نِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:6، 7]. ما أهون الخلق على الله، إذا هم خالفوا أمره، وحاربوا دينه، وآذوا أولياءه.

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى، هذه بعض عقوبات الله للأمم، والمجتمعات، وإلا فما ذكر في كتاب الله، أكثر من هذا، وليس المقام هنا، مقام استعراض هذه العقوبات، وإنما هذه بعضها، لندرك أن كل ما في الكون جنود لله عز وجل، وبأمره يعملون، وإذا أراد سبحانه شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. فاتقوا الله عباد الله، واحذروا المخالفة، واحذروا الإعراض عما أمر الله، فإن الله جل وتعالى يغار على دينه، ويغار على أوليائه، والمخالفات والمعصيات، والتمرد، له زمن محدود، والله يمهل ولا يهمل.

وما من قرية حصل فيها شيء يخالف ما أمر الله به، إلا ونزل بهم ما يستحقون.

فنسأل الله جل وتعالى أن يعاملنا بلطفه ورحمته، وعفوه، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم...


الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه...

أما بعد: قد يقول قائل :ما ذكر من بعض صور عقوبات الله للأمم والمجتمعات، بسبب المخالفات، هذا كلام عام. فما هي هذه المخالفات، التي قد تكون سبباً في أن يهلك الله أمة أو مجتمع أو قرية، بالغرق أو بالريح، أو بغيرها من العقوبات الإلهية.

فيقال أيضاً: إن الأسباب كثيرة، لكن إليك بعضها: فمن أسباب إهلاك الله للأمم، والمجتمعات الذنوب. قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـاهُمْ فِى الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأنْهَـارَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ [الأنعام:6]. وقال عز وجل: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

هكذا الذنوب تفعل بأصحابها، ونحن والله المستعان نستهين بها، بل أصبحت أشياءً عادية في حياتنا اليومية، وهي سبب رئيس في إهلاك الأمم والشعوب.

يقول أحدهم: كيف تريدون أن يلطف الله بنا؟ وينزل علينا نعمه ويرحمنا برحمته، وفي السابق كانت الأيدي ترتفع إلى السماء وتدعو ربها، والمولى يجيب سبحانه، والآن هذه الدشوش مرتفعة إلى السماء. والله المستعان.

ومن أسباب إهلاك الأمم والشعوب الظلم، قال الله تعالى: أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّـالِمِينَ [هود:18]، وقال سبحانه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، وقال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَـاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [يونس:13]، وقال: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَـاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا [الكهف:59]. وقال: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَـالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]. كل هذا بسبب الظلم إذا انتشر في الأمة، فما بالك لو أضيف إليه دعوة المظلوم على من ظلمه:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم آخـره يأتيـك بالندم

نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنـم

ومن أسباب الهلاك أيضاً: تبديل أمر الله، أياً كان هذا التبديل، فالله جل وتعالى يأمر بأوامر ثم تأتي هذه القرية، وتبدل ما أمر الله به، بأشياء من عندها، ومن زبالة أفكارها، سواءً كانت قضايا معاملات من بيع أو شراء، أو غيره.

قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـايَـاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [البقرة:58، 59].

ومن أسباب هلاك القرى، أن يكون أهلها، وأصحاب الشأن فيها، من أهل المكر والكيد والتدبير، الذي يتعارض مع الحق. قال الله تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:26]، ـ كان هناك من قبلكم قد مكروا وخططوا ودبروا وفعلوا، فماذا كانت النتيجة ـ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَـانَهُمْ مّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ [النحل:26]. وقال سبحانه: وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، وقال عز وجل: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ [النحل:45]، يقول علماء التفسير عن هذا المكر السيئ، أنه: سعيهم إلى إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على وجه الخفية، واحتيالهم في إبطال الإسلام والكيد بأهله.

ومن أسباب الهلاك: عدم التناهي عن المنكر قال الله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْراءيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَـاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:78، 79].

ومن أسباب الهلاك: موالاة الكفار، قال الله تعالى: تَرَى كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَـالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَـاسِقُونَ [المائدة:80، 81].

ومن أسباب الهلاك: ترك الجهاد في سبيل الله قال الله تعالى: إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ [التوبة:39].

أيها المسلمون، وكما قلنا في العقوبات نقول في الأسباب: إنها كثيرة، وهذه بعضها، فالحذر الحذر، فإنه ليس بين أحد وبين الله نسب، إنما أكرمكم عند الله أتقاكم. وعندما تأخذ أية قرية بسبب أو بعدة أسباب من أسباب الهلاك، فإنه من الطبيعي أن لا تأخذه فجأة، ودفعة واحدة، وإنما بالتدريج في البداية يكون بسيطاً ثم مستوراً، ثم أكثر ثم يظهر، حتى تصبح هي السمة البارزة، لتلك القرية، وبعدها ينزل عقاب الله والله المستعان.



Edited by - مــطر on 10/01/2011 19:12:04
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  16:53:02  Show Profile



مكانة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم


الشيخ خالد بن ضحوي الظفيري


الخطبة الاولى

إن لرسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة لم يبلغها أحد من الخلق فهو سيد ولد آدم يوم القيامة , آدم ومن دونه تحت لوائه صلى الله عليه وسلم .

ولقد أوتي الشفاعة العظمى التي اعتذر عنها أولوا العزم من الرسل والتي اختصه الله بها وآثره بها على العالمين .

ولقد كرمه ربُّه عز وجل واختصه بمكرمات جزيلة لم يعطها لأحد من قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وكلُّهم لهم منزلة رفيعة عند الله .

فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ) رواه مسلم، وفي حديث جابر :( وأعطيت الشفاعة ) متفق عليه.

وقال تعالى في بيان منـزلته صلى الله عليه وسلم وبيان صفاته الكريمة : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) وقال تعالى : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) وقال تعالى في بيان منـزلته العظيمة وصفاته الكريمة : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * شاهداً ومبشراً ونذيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً * وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (الأحزاب45-48) وأقسم الله بعظيم قدره فقال : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الحجر:72) قال ابن كثير رحمه الله :( أقسم تعالى بحياة نبيه صلى الله عليه وسلم وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض .

قال ابن عباس أنه قال:ما خلق الله وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت اللهَ أقسم بحياة أحد غيره .

فالله يقسم بما شاء أما العباد فليس لهم أن يحلفوا إلا بالله و(من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

- وقال تعالى مبيناً عنايته برسوله ورعايته له وحفاوته به ( والضحى * واللَّيل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيماً فأوى * ووجدك ضالاً فهدى * ووجدك عائلاً فأغنى )

- عن جندب رضي الله عنه قال : أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون وَدَّع محمداً ربُّه فأنزل الله تعالى ( والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى ) .

فقوله تعالى : ( ما ودعك ربك ) أي ما تركك ، (وما قلى) أي : ما أبغضك

( وللآخرة خير لك من الأولى ) أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار

(ولسوف يعطيك ربك فترضى ) يعني بذلك ما أعده الله له في الآخرة من الجنان والنعيم ومن رؤية ربِّه والحوض والشفاعة وسائر ما أكرمه الله به في الآخرة .

ثم عدَّد الله ما أفاض عليه من النعم ورعاه وهو يتيم وآواه إلى أن اصطفاه لرسالته فأنزل عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما.

ورسولنا صلى الله عليه وسلم من أفضل الخلق نسباً فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) مسلم (2276) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ) خ مناقب (3557) .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس خُلقاً قال تعالى ( وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم )

قالت عائشة-رضي الله عنها- :( كان خلقه القرآن ) .

وقال تعالى:( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من

حولك).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما-قال:( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول : إنَّ مِنْ خيارِكم أحسنِكم أخلاقاً ) خ مناقب (3559).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :( كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها ) خ منقب ( 3562) .

وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس خُلُقاً ) مسلم

وعن أنس رضي الله عنه قال :( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه قال فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلموا فإنَّ محمداً يُعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ) مسلم فضائل (2312) .

كما كان كاملاً في شجاعته صلى الله عليه وسلم

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس، وكان أجودَ الناس ، وكان أشجعَ الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة ، فانطلق الناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً قد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عُري في عنقه السيف وهو يقول لم تُرَاعوا لم تُرَاعوا ،قال : وجدناه بحراً أو إنه لبحر) أي الفرس قال وكان فرساً يبطأ ) مسلم فضائل (2307) أي أنه كان بطيئاً فلما ركبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أشد الخيل جرياً وسعياً فقد بارك الله تعالى في سعيه وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم .

والحديث يدلُّ على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان في منتهى الشجاعة .

وقال العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم :( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نُفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين فطفِق الرسول صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال العباس رضي الله عنه وأنا أخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفُّها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذٌ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عباس نادِ أصحاب السَّمُرَة فقال العباس -وكان رجل صيتاً- فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السَّمُرَة، قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، فقالوا يا لبيك يا لبيك قال فاقتتلوا والكفار...-إلى أن قال- فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هذا حين حَمِيَ الوطيس قال : ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال:( انْهَزَمُوا وربِّ محمد ،قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا ) مسلم (1775) .

وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب ملأت عيونهم وهزمتهم .

ومن حديث البراء-- عن قصة حنين قال:( كنا والله إذا احمرَّ البأس نتَّقِي به وإنَّ الشجاع منا للذي يُحاذي به-يعني النبي صلى الله عليه وسلم-) رواه مسلم.

وكذلك كان صلى الله عليه وسلم أعلمَ الناس بالله وأشدَّهم له خشية

كما في حديث أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) البخاري

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً ترخَّصَ فيه ,فبلغ ذلك ناساً من أصحابه ,فكأنهم كرهوه وتنـزهوا عنه فبلغه ذلك ,فقام خطيباً فقال:( ما بال رجالٍ بلغهم عني أمرٌ ترخَّصتُ فيه فكرهوه وتنـزهوا عنه ،فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية ) البخاري ومسلم.

فرسولنا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل له من فضائل كثيرة ومحاسن عديدة بشر به الرسل من قبله وجاء ذكره في التوراة والإنجيل.

وله علينا صلى الله عليه وسلم من الحقوق الكثير

فمن حقوقه طاعته واتِّباعه واتِّباع ما جاء به من عند الله تعالى

قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم )

ومن حقوقه علينا الإيمان به وأنه رسول الله حقاً أرسله الله إلى الإنس والجن بشيراً ونذيرا ,والإيمان بعصمته فيما بلَّغه عن ربِّه تعالى وأنه خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وأنه قد بلَّغ رسالته على أكمل الوجوه.

ومن حقوقه وجوب تعزيره أي نصرته وتوقيره والتأدب معه صلى الله عليه وسلم وأن لا نرضى عليه السوء ونبغض كل من يتعرض له أو يسبه ولو كان أقرب قريب، قال تعالى : ( إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا )

فالتسبيح لله تعالى وحده والتعزير والتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال تعالى : ( لا تجعلوا دعاءَ الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) قال ابن كثير : ( عن ابن عباس كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم ،فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم قال فقالوا:( يا رسول الله يا نبي الله ) وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير .وقال قتادة:( أمر الله أن يُهاب وأن يُبجَّل وأن يُعظَّم وأن يُسوَّد ) .

قال ابن القيم-رحمه الله-:

وأما الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم : فالقرآن مملوء به .

فرأس الأدب معه : كمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يُحمِّلَه معارضة خيال باطل يسميه معقولا أو يُحَمِّلَه شبهة أو شكا أو يُقدِّمَ عليه آراء الرجال وزُبالات أذهانهم فيُوَحِّدَه بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما وحَّدَ المُرْسِلَ سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.

ومن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم : أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) [ الحجرات:1] .

وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم .

ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم : أن لا تُرفع الأصوات فوق صوته فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظنُّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به ؟! أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال ؟! ورفع الصوت فوق صوته موجبا لحبوطها .

ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم : أن لا يُجعل دعاءه كدعاء غيره قال تعالى :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) أي: أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا بل قولوا : يا رسول الله يا نبي الله وقيل : أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا إن شاء أجاب وإن شاء ترك بل إذا دعاكم لم يكن لكم بُدٌّ من إجابته ولم يسعكم التخلف عنها ألبتَّة.

ومن حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمة الإسلام الاحتكام إليه في كل أمر يختلفون فيه

من العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات وسائر شئون الحياة .

قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا

في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء (65) .

من حقوقه صلى الله عليه وسلم محبته أكثر من النفس والمال والولد

قال الله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين #61480; التوبة (23-24) .

فعلينا أن يكون الرسول أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلينا وأموالنا كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏( ‏والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏ رواه البخاري ومسلم وفي لفظ لمسلم‏:‏ ‏( ‏وأهله وماله ‏)‏‏.‏

وفي البخاري عن عبد الله بن هشام أنه قال‏:(‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر ابن الخطاب، فقال له عمر‏:‏ يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك‏)‏‏.‏ فقال له عمر‏:‏ فإنَّك الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏‏الآن يا عمر ‏)‏‏.‏

ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم على أمته أن يُصلُّوا ويُسلِّمُوا عليه كما أمرهم الله بذلك :

قال تعالى : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .

قال ابن كثير-رحمه الله- : ( والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العَالَمَيْنِ العلوي والسفلي ) اهـ.

ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم على الأمة الإسلامية :

احترام أصحابه وأهل بيته وزوجاته وموالاتهم وبيان فضائلهم ومزاياهم العظيمة والذَّب عن أعراضهم وبيان مكانتهم عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وخيار هذه الأمَّة وبغض من يتعرض لصحابته الكرام أو أحد منهم.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا تسبوا أصحابي فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ) رواه البخاري.

أسأل الله تبارك وتعالى أنت يرزقنا احترام هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومحبَّته واتِّباعه وأن يُثبِّتنا على ذلك وأن يُوفِّق الأمَّة الإسلامية جميعاً أن تجتمع على كلمة الحقِّ على كتاب ربِّها سبحانه وعلى سنَّة نبيِّها صلى الله عليه وسلم وأن يُعِزَّها الله ويُكرمها بهذا الدِّين الحقّ الذي أعزَّ الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأظهرهم الله على ملل الكفر كلِّها كما قال تعالى :( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه:

أما بعد:

عباد الله: إن الناظر إلى حال الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر يجدهم من يبغضون ديننا أشد البغض ويكرهون رسولنا أشد الكراهية فهم يطعنون في ديننا وفي رسولنا ليل نهار لا يوقفهم شيء عن ذكر، وما ظهر من استهزائهم برسول الله في هذه الأيام ليس هو وليد الليلة بل هم على هذا ويتدينون بذلك ويبغضوننا ويبغضون ديننا ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمّة، فمن أحسن الظن بهم أو أحبهم فهذا قد أخل في إيمانه، قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ)وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)، وما فعلوه من استهزاء يوضح للمخدوعين بهم شيئا من موقفهم منا ومن ديننا، فهل آن لهؤلاء المتشبهين بالكفار أن يرجعوا إلى دينهم وهل آن للذين يحبونهم أن يتركوا مودتهم ويبغضونهم.

وما فعله هؤلاء الكفار ليدل كذلك على ضعف المسلمين وما هم فيه من وهن حتى يفعل أولئك الأفاعيل ولا يخافون أحداً، ولن تظهر العزة للمسلمين حتى يرجعوا إلى دينهم ويعودوا لسنة نبيهم وهذا هو الحل في إذلال الكفار أن ترجعوا إلى دينكم ليس بالمقاطعات والمظاهرات بل بالرجوع إلى الدين والتمسك بسنة سيد المرسلين.

عن ابن عمر قال:سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط اللّه عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".

ووللأسف تجد بعض من ينتسب إلى الإسلام يستهزئ بنبيه وهو لا يعلم وذلك حين يستهزئ بسنته صلى الله عليه وسلم فبعضهم يسخر من تقصير الثياب وبعضهم يستهزئ من إطالة اللحية وغير ذلك من السنن وهذا من الاستهزاء بنبينا لأنه هو الذي شرع لنا ذلك، فانتبهوا عباد الله وعودوا إلى ربكم واتبعوا نبيكم تعود لكم عزتكم.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ...

اللهم أعز دينك وأعل كلمتكم

اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل تدميره في تدبيره

اللهم من استهزأ برسولنا فشل يمينه واخسف به الأرض وأرنا فيه عجائب قدرتك يا سميع الدعاء

اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى اللهم وفق أميرنا لما تحب وترضى وارزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الخير ووفقه اللهم لتحكيم كتابك وسنة نبيك.

اللهم إنا نسألك الأمن والأمان والإيمان ، اللهم جنبا الفتن ما ظهر منها وما بطن


Edited by - مــطر on 12/01/2011 17:03:52
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:07:48  Show Profile
لا إله إلأ الله محمد رسول الله

Edited by - مــطر on 12/01/2011 17:09:02
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:11:25  Show Profile



التقوى وصية الله تعالى


الشيخ عبدالله الحبيب العنزي


الخطبة


أيها المسلمون أوصيكم بتقوى اللهِ تعالى ، وصية الله لكم وللأولين قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً )[النساء:131].
أوصيكم بتقوى الله تعالى ، وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم لكم ، ووصية الأنبياء لأقوامهم ، فَما من نَبي إلا وصى قومَه بتقوى الله تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ اله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) [المؤمنون:23]. وقال تعالى ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ اله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) [الأعراف:65] وقال تعالى ( ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ اله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) [المؤمنون:31-32].
أوصيكم أيها المسلمون بتقوى الله تعالى فإنها هي الغاية المرجوة من وراء العبادات ، وهي التي تحفظ العمل الصالح من الفساد ، فكم فيها منَ الخير ، وكم وعد الله تعالى عليها من الأجر قال تعالى ( تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [القصص:83].
ايها المسلمون والتقوى هي كمالِ تَوقي الإنسانِ عما يضره يوم القيامةِ بأن يجعل بينَه، وبين عذاب اللهِ تعالى وقايةٌ وذلك بفعل المأمورات التي تستوجب رضا الله تعالى وثوابه، واجتناب المنهيات التي تجلب غضب الله تعالى وعقابه ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه عن تقوى الله تعالى: (أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التقوى الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليومِ الرحيل، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبياً عن التقوى فقال أُبي: (هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت. قال: فذاكَ التقوى). فالتقوى يا عباد الله صلاح في القلب وحساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وخوف دائم، وحذر دائب وتوق لأشواك الطريقِ ، من الرغبات والشهوات والشبهات والمطامعِ والمخاوف والوساوس وغيرِها
أيها المسلمون ولتقوى الله عزوجل ثمار عاجلة (أي في الحياة الدنيا) وثمار آجله في الآخرة فمنها :
1ـ المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب، قال الله تعالى ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) [الطلاق:2-3].
2ـ من ثمار التقوى البركات من السماء والأرض قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ ) [الأعراف:96].
3ـ ومن ثمار التقوى حفظ الذرية الضعاف بعد الموت قال تعالى ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ) [النساء:9].
4ـ السهولة واليسر في الأمور، قال الله تعالى ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً )[الطلاق:4] .
5ـ تيسير تعلم العلم النافع ، قال الله تعالى ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [البقرة:282] .
6ـ إطلاق نور البصيرة ، قال الله تعالى ( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً [الأنفال:29]
7ـ محبة الله ومعيته وحصول القبول في الأرض، قال تعالى ( بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) [آل عمران:76] وقال تعالى( وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) [البقرة:194]، وقال تعالى( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ) [ مريم:96 ] .
8ـ الحفظ من كيد الأعداء ومكرهم، قال الله تعالى ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [آل عمران:120].
9ـ سبب لقبول الأعمال التي بها السعادة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى) إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) [المائدة:27] .
10ـ سبب في النجاة من عذاب الدنيا، قال الله تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ* وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) [فصلت:17-18].
13ـ البشارة عند الموت، قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)[فصلت:31].
14ـ ومن ثمار التقوى الفوز بكرامة الله تعالى قال تعالى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13].
15ـ تكفير السيئات وعظم الأجر، قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً )[الطلاق:5] .
16ـ ذهابهم إلى الرحمن ركبانا، قال الله تعالى ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً) [مريم:85]. قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم في ما أخبروهم، وأطاعوهم في ما أمروهم به، وانتهوا عما زجروهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه والوفد هم القادمون ركباناً.
17ـ ومن ثمار التقوى الفوز بالجنة ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ) [القمر:54-55].

أيها المسلمون ومن أراد أن يحقق التقوى ، فلابد أن يعرف معالم ذلك الخط المستقيم الذي خطه النبي صلى الله عليه وسلم وسماه سبيل الله ، فالتقوى الحق لا تعرف إلا بالوحي ، وكم من مبتغي للتقوى لم يصبها ، وطالب التقوى عليه أن يسلك ذاك السبيل الذي خطه النبي صلى الله عليه وسلم وحاديه في سيره الحب لله ورجا رحمته والخوف من عذابه ، وليحذر من كيد الشيطان واتباع الهوى ، ومعالم السبيل الذي تتحقق بسلوكه التقوى بينة جليه في العقيدة والعبادة والدعوة والمعاملات والأخلاق ، والخير كل الخير في اتباع من سلف والشر كل الشر في ابتداع من خلف .
أقول ما تسمعون واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:17:36  Show Profile

بيان حقوق الجار


الشيخ أحمد محمد الأنصاري

الخطبة الاولى

الحمد لله الذي من علينا بالإسلام و هدانا للإيمان و أفاض علينا من آلائه العظام, و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من فأفضل و أعطى فأجزل و أنعم فتكرم له المنة على من هداه و لا إله لنا سواه , و أشهد أن محمدا عبده و رسوله خاتم أنبيائه و مبلغ أنبائه بعثه الله رحمة للعالمين و منة للمؤمنين و محجة للسالكين و حجة على المعاندين لينذر من كان حياً و يحق القول على الكافرين صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من أتبع سنته و اهتدى بهداه .

أما بعد أيها الناس .....
اتقوا الله تعالى و اشكروا ربكم على نعمه , واسألوه المزيد منها و الشكر عليها , و إياكم و العمل بالمعاصي و كفر النعم فقلما كفر قوم بنعمة الله و لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم و تسلط عليهم عدوهم . يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون.
يأيها المؤمنون بالله و لقائه و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و رسالته, الحياة الطيبة تكون في العمل الصالح و ابتغاء مرضاة الله قال الله تعالى( من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياتاً طيبه و لنجزينهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) . والحياة الطيبة أن يعيش الإنسان في أمنٍ ,فلا يصيبه من الناس أذي , و أن يجد ما يسد به حاجته من نحو مطعم و ملبسٍ ومسكن , و أن يكون على طهارة نفس و استنارة فكر ,إذ بهذه الطهارة و الإستناره يتهيأ له أن يجيب داعي الله ويتحلى بمكارم الأخلاق بيسرٍ و سماحه و إذا كانت سعادة الأمة في طيب حياة أفرادها كان واجب كل فردٍ أن يوجه همته إلى أن يكون سائر الأفراد من إخوانه في حياة طيبه . و من حكمة الله جل و عز أن جعل بين الناس روابط و صلاة تربط بعضهم ببعض كرابطة الإتحاد في الدين والعقيدة, و رابطة القرابة ، النسب و المصاهرة , و رابطة الجوار و السكن و نحو ذلك .و أعطى كل رابطة منه حقها من جهة كف اشر عنها و سوق الخير إليها و متى قامت هذه الروابط على أساس البر و المحبة و المودة و الرحمة و سارة في سبيل التعاون و العطف عظمت الأمة و قوي شأنها , أما إذا أهملت حقوق القرابة و الصداقة و الجوار شقيت الأمة و حل بها التفكك و الدمار و الله تعالي يقول ( و تعاونوا على البر و القوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ).
أيها المؤمنون بالله و اليوم الآخر من الروابط التي دعمها الإسلام و أوصى بمراعاتها و شدد بالإبقاء عليها رابطة الجوار, فأوصى بالجار خيراً و إحسانا وحث على معاملته بالحسنى و المعروف و مناصرته في الشدة ,و تهنئته في الرخاء , و الوقوف بجانبه في البلاء و الإخلاص له في القول و بذل النصيحة له و حفظ سره , وستر أمره و العفو عن زلته ,و تحمل سقطته و السعي لقضاء مئاربه , ومواصلته بما يستطاع من إكرام و إحسان . أخرج الشيخان عن عبدا لله بن عمرو بن العاص قال قال النبي صلى الله عيه و آله و سلم ( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )و هذا الحديث جاء في تعظيم حق الجار المجاور لك في الدار و إلا فإن الجار يقال على المجاور في الدار و على الداخل في الجوار و كلٌ منهما له حق ٌ و لابد من الوفاء به ويؤكد جبريل عليه السلام حق الجوار و كثر على النبي صلى الله عليه و آله و سلم من ذلك حتى غلب على ظن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أن الله سيحكم بالميراث بين الجارين في قوله ( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) . مازال جبريل يكرر على المصطفي حق الجار و يأتيه فيه بمختلف أنواع البر الصلة ينزل جبريل على النبي صلي الله عليه وآله وسلم محملاً بالوحي من الله أن أكرم الجار ثم يعود ثانيةً فيبلغ عن الله أن الله يأمرك أن تحسن إلى الجار ثم يؤكد المعنى و يعاود المضمون حتى ظن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم أنه لم يبقى شئ من أنواع البر و الصلة و المعروف إلا وقد أوصى الله أن يفعله الجار مع جاره ,و ما تزال الصلات تتأكد بهذه التوصيات حتى لم يبقى من أوجه الصلات و القربى إلا الميراث فظن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه لو زيد في تقريبه لورثه كأنه لا فارق بين حقوق الأقارب و الجيران إلا الميراث , و هذا يدل على أن الوصاية بالجار كانت على جانب عظيم من التأكد و الحث على رعاية حقوقه في شريعة الإسلام.
من حقوق الجار التي ربى الإسلام المسلمين عليها كف الأذى ,فلا تتخذ معرفة أحوال الجار سبيلاً لطعنه أو الاعتداء عليه أو إلحاق الأذى به , بل يحميه ممن يريده بسوء و يقابل جفائه بالحلم و هفواته بالصفح والعفو و ذلك أثر من آثار طهارة النفس . أخرج البخاري عن أبي شريح أن النبي صلي الله عليه و آله و سلم قال (و الله لا يؤمن, والله لا يؤمن ,و الله لا يؤمن قيل من يا رسول الله , قال الذي لا يأمن جاره بوائقه ) ومعنى بوائقه ظلمه و شره و الفتك به . و في هذا الحديث تأكيد حق الجار بقسمه صلى الله عليه و آله و سلم على ذلك و تكرير اليمين ثلاث مرات و المراد بنفي الإيمان في الحديث أي لا يؤمن إيماناً كاملاً , وهذا الحديث من أحاديث الوعيد التي خرجت مخرج الزجر و التغليظ , إنه التغليظ الشديد فهذا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم و هو أعرف الناس بربه و أكثرهم تعظيماً لمولاه و تقديراً لخالقه يقسم بالله ثلاثة أيمانٍ متوالية, يحلف رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم دون أن يبن هذا الذي خسر دنياه و أخراه حتى سأله الصحابة من حوله من يا رسول الله هذا الذي هلك فيجيبهم عليه الصلاة و السلام بأنه الذي لا يأمن جاره بوائقه, ذلك الذي يخافه جاره أن يفتك به , يخاف من المهالك التي يتسبب له فيها . فيا أيها المؤمنون بالله و اليوم الآخر إن أذية الجار لها أنواع : فمن إذاية الجار الحديث بما يجري في بيته و كشف أسراره بين الناس, و من إذاية الجار أن تسمعه فاحش القول و غليظ الكلام, وأن تتعدى عليه ببدنك أو أن تسرق ماله , و أكبر من هذا كله ما أخرجه الشيخان عن عبدا لله ابن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ( قال أن تجعل لله ندا و هو خلقك ,قلت إن ذلك لعظيم قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك , قلت ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك ). فبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الطامة الثالثة و الكبيرة التي بعد ذلك أن يزني الرجل بزوجة جاره .
من أجل ذلك جاء هذا الوعيد واصفاً لعظم الذنب و صفاً كاشفاً زاجراً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .و هذا يدل على أن الجار قد سلك مع زوجة جاره مسالك الخداع و التغرير حتى أغراها به و أفسد على زوجها فراشه و استقراره ومعنى حليلة جاره أي زوجة جاره سميت بذلك لأنها تحل له .
لقد صدق رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الذي لا ينطق عن الهوى أن المرء إذا لم يأمن جاره وكان منه على حذر , حل الخوف محل الرجاء والأمن , وكان كل جارٍ منقطعا عن جاره منعزلاً منفردا ًوهذا هو عين التفكك في الأمة و الانحلال في الجماعة .
ومما ينبغي أن يعلم أيها المسلمون أن الجار كما يكون في السكن كذلك يكون في العمل , و المتجر في السوق , فالتاجر مع جاره التاجر لا يكشف الأسرار التي اطلع عليها بحكم الجوار و لا يدعوا المشترين للإعراض عن جاره أو التعامل معه و لا أن يلقي بغباره أو متاعه أمام محل جاره , وكذلك الجار في العمل و المعمل و المصنع لا يؤذي جاره بحديثٍ فارغ أو تدخل في شؤونه أو الاستهزاء به أو ما هو أعظم من ذلك و هو الوشاية و الكذب عليه , أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال ( من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذي جاره ) إنه تذكير بأمرين عظيمين ربط بهما عدم أذية الجار؛ تذكيرٌ بالإيمان بالله الذي خلق فسوى و قدر فهدى و الذي يعلم السر و أخفي و تذكير باليوم الآخر يومٌ تجزى فيه كل نفسٍ بما كسبت , يومٌ يجد فيه المؤذي لجاره إذايته ماثلةً سوداء في صحائفه و جاء في حديث المرفوع أخرجه الطبراني من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً ( الجيران ثلاثة ؛ جارٌ له حق و هو المشرك له حق الجوار ؛ وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام؛ و جارٌ له ثلاثة حقوق مسلمُ له رحم له حق الجوار و حق الإسلام والرحم ) و الله تعالى يقول ( و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئاً و بالوالدين إحسانا و بذي القربى و اليتامى و المساكين و الجار ذي القربى و الجار الجنب و الصاحب بالجنب ) . و يحصل الامتثال بهذه الوصية بإيصال ضروب الإحسان إلى الجار بحسب الطاقة كالهدية و السلام و طلاقة الوجه عند لقائه وتفقد أحواله و معاونته فيما يحتاج إليه وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعها . و يختلف الحال بالنسبة للجار الصالح و غير الصالح ؛ فالذي يشمل الجميع إرادة الخير له و موعظته بالحسنى و الدعاء له بالهدايه و ترك الإضرار به و دعوته إلى الصلاح بالرفق و اللين , و أما الجار الكافر فإن حقه ترك الإضرار به و عدم أذيته ووعظه و دعوته و عرض الإسلام عليه و يبين له جاره محاسن دين الإسلام و يرغبه فيه برفقٍ و لينٍ و لطف و الله تعالى يقول ( و من أحسن قولاً ممن دعا إلى الله و عمل صالحاً قال إنني من المسلمين ) و يقول تعالى (ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنه و جادلهم بالتي هي أحسن ).

الخطبة الثانية :


أيها المؤمنون بالله و لقائه ,لقد كان للجار عند المتقدمين بل و إلى زمنٍ قريب من عصرنا كان له منزلة الأخ الشقيق تصان حرمته و تحفظ غيبته حتى بلغ من أخلاقهم في معاملتهم لجيرانهم أنهم كانوا يرون في الجار العوض في كل ما يفقدونه و الساعد الذي يواجهون به الشدة و القوه التي يدفعون بها الشر و العون الذي يدرؤون به غائلة الفقر,و من ثم لم يكونون يؤثرون بالجوار الصالح مالاً و لا عرضاً من الدنيا ففيه أنس وحشتهم و راحة بالهم واستقرار حياتهم و به الأمن على كل مرتخصٍ و غالىٍ عندهم .
نعم هذه الأخلاق الإسلامية التي ربى عليها الإسلام أبنائه فكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً, فيحمل غنيهم فقيرهم و يعين قويهم ضعيفهم,لا شحناء و لابغضاء و لا ضغائن و لا أحقاد بينهم قد ربط الود بين مشاعرهم و جمع الإيمان أفئدتهم فهم أسرة واحده و إن تفرقت الأنساب واختلفت الأجناس و اللغات .
أما اليوم فأصبحنا و أكثرنا و حق الجار بيننا ضائع و حرمته تكاد تكون مفقوده و مكانته تكاد معدومة و أصبح الجار يخاف جاره غالباً و ينظر إليه بنظرً آخر و يخشى شره ؛ فهذا يكشف ستر جاره و هذا يتطاول بالبنيان على ذلك , وصار بعض الجيران مع بعض في خلافٍ دائم و شجارٍ مستمر و أضحى بعض الناس اليوم يفتخر بمقاطعة جيرانه و جهله بهم و عدم معرفته بأسمائهم .و بعض الناس اليوم يهاتف كثيراً من معارفه و أصحابه في أقصى البلاد و أبعدها ثم هو لا يعرف حق جاره الذي ليس بينه و بينه إلا جدار, فكانت النتيجة أن حل التقاطع بين الجيران و دبت بينهم الفرقة و التباعد و العزلة و الخلاف و غفلنا عن وصية الله لنا في كتابه العزيز حينما أوصى بالجار خيرا وأن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أمر بمراعاة إحساس الجار و المحافظة على شعوره و عدم جرح كرامته إبقاءً على الصلة و حفاظاً للرابطة .
ما أجمل أيها المسلمون أن تأخذ بهذا المبدأ العظيم حتى يكون الجار مع جاره كالجسد الواحد و بمعرفة حقوق الجار و انتظام حياة الجيران على الود و المحبة و التناصح بذلك يذهب التنافر بين الجيران و يحل محله التراحم و التآزر على مرافق الحياة و يكون بينهم التعاون على البر و التقوى و بإصلاح هذه الرابطة تطوى عن المحاكم قضايا كثيرة لا منشأ لها إلا عدم رعاية حقوق الجوار فاتقوا الله أيها المسلمون و أصلحوا ذات بينكم و أطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين . أقول هذا القول و أستغفر الله لي و لكم من كل ذنب فاستغفروه و توبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:23:37  Show Profile

التوكل على الله و أثره في حياة المسلم

الشيخ أحمد محمد الأنصاري

الخطبة الاولى

الحمد لله مدبر الملك و الملكوت ,المتفرد بالعزة و الجبروت, رفع السماء بغير عماد و قدر فيها أرزاق العباد , لا إله غيره و لا رب لنا سواه ,و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , لا معقب لحكمه و لا مبدل لكلماته و هو سريع الحساب , و أشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين , و ملة ً للمؤمنين و حجة ً على المعاندين لينذر من كان حياً و يحق القول على الكافرين. صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه و من اتبع سنته و اهتدى بهداه ..

أما بعد،

أيها الناس اتقوا الله تعالى و أنيبوا إلى ربكم و أسلموا له و توجهوا إليه و أخلصوا له العبادة يغفر لكم ذنوبكم و يجركم من عذابٍ أليم, و اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون.أيها المؤمنون بالله و لقائه و محمدٍ صلى الله عليه و آله و سلم و رسالته , إن إصلاح القلوب شأنً عظيم و غايةٌ شامله,لاتصلح الأحوال و لاتستقيم الأمور إلا بصلاح أعمال القلوب لقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم كما جاء في الحديث المتفق على صحته ( إن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب و صلاح القلب لا يكون إلا بصلاح أعماله . و أعمال القلوب كثيرةٌ و متعددة من أهمها و أعظمها و أشرفها التوكل على الله وحده , فهو منزلةٌ من منازل الدين و مقام من مقامات الموقنين .وحقيقة التوكل هو صدق اعتمد القلب على الله في استجلاب المصالح و دفع المضار من أمور الدنيا و الأخره و تحقيق الإيمان بأنه لا يعطي و لا يمنع و لا يضر و لا ينفع سواه جل جلاله .و التوكل على الله أجمع أنواع العباده و أعلى مقامات التوحيد و أعظمها و أجلها و ما ذلك إلا لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحه و الرضا العميق و اليقين الثابت و سكون القلب و طمأنينة النفس .و لقد جاء الأمر بالتوكل على الله في كتاب الله في أوجه مختلفة و سيلقات متعددة و مواضع مؤكده بل جعله الله تعالى شرطاً لصحة الإسلام و قوة الإيمان فقال جل ذكره ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) و قال سبحانه( و على الله توكلوا إن كنتم مؤمنين)قال أهل العلم فدل ذلك على انتفاء الإسلام و الإيمان بانتفائه . و حياة المرسلين مع أقوامهم مثل للتوكل, و جهاد المؤمنين المذكور في القرآن مثل للتوكل على الله, و قد أخبر الله عن أنبيائه و رسله بقوله جل و علا ( و ما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سلبنا )و قال الله لنبينا محمدٍ صلى الله عليه و آله و سلم ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين )( و توكل على الله و كفى بالله و كيلا )(و توكل على الحي الذي لايموت )( و توكل على العزيز الرحيم ) و قال عن أصحاب نبيه صلى الله عليه و آله و سلم ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل ) و قال عن أوليائه( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا و إليك المصير )و قال في صفات المؤمنين (و على ربهم يتوكلون )و قال في جزاء المتوكلين( و من يتوكل على الله فهو حسبه) و قال سبحانه (و إذا عزمت فتوكل على الله ) . و أعظم بمقامٍ موسومٍ بمحبة الله تعالى صاحبه و مضمونٍ كفاية الله ملابسه ,فمن كان الله حسبه و كافيه و محبه و مراعيه فقد فاز الفوز العظيم و كفى بالله وكيلا. فطالب المحبة و طالب الكفاية من غيره هو التارك للتوكل .و بعد أيها الإخوه فإن التوكل عبادة ٌقوليه عظيمه أخطأ في فهما طوائف من العباد و الزهاد و جماعةٌ من عامة الناس الذين ذهبوا في هذه المسألة إلى طرفي نقيض الإفراط و التفريط, و أخطو التوسط الذي هو سمة هذه الأمة المباركة . و حاجة المسلم السالك لطريق الله إلى التوكل هى حاجةٌ شديده خاصة في طلب الرزق, الذي شغل قلوب الناس و عقولهم , و أورث كثيراً منهم تعب البدن و هم النفس و أرق الليل و عناء النهار ,و ربما قبل لأحدهم أن يذل نفسه و يحني ظهره و يبذل كرامته من أجل لقمة العيش التى يحسب أنها في يد مخلوقٍ مثله ,إن شاء أعطاه و إن شاء منعه ,و قد يصل به الأمر إلى تعاطي الكسب الحرام من السحت و أخذ الرشوة و أكل الرباو أكل المال الباطل خوفاً على نفسه و أولاده من مستقبلٍ لايدرى ماالله قاضٍ فيه.و ثمت موطنٌ من مواطن العمل لايكون على وجه و لايتحقق غايته إلا حينما يكون لبه و عموده إنه موطن الصبر و التحمل ,فقد يتعرض الناس في دنياهم لمخاوف مزعجه ,و اعتداءاتٍ متتابعة,و قوة أعداءٍ متلاحقة ,فيعتريهم الخوف و القلق ,و يلاحقهم الإضطراب و الجزع ,و الحق عليهم أن يثبتوا على الروع و يثقوا بربهم و يأملوا فيه و يلجأوا إليه و يتوكلوا عليه , عليهم أن يثبتوا بالتوكل على الله الذي ينير أمامهم ظلمات حاضرهم و يرفع عنهم ذل حياتهم و يعينهم على مواجهة الأخطار من الكفار بعزمٍ و ثقةٍ و اطمئنان. و لاتكاد تغشي مجلساً من مجالس بعض الناس إلا و تسمع فيه ما يدل على نقصان التوكل على الله بالنفوس و انصهارها مع الأسباب و اعتمادها على الأسباب قلباً و قالبا , أكثر من إعتماد التوكل على الله الذي هو الأصل و الأساس,و غاب عنهم أن الله جل جلاله هو مسبب الأسباب و هو مالك الأسباب و الآمر بالأسباب .

فيا أيها المؤمنون بالله و لقائه إن هذا الأمر لعظيمٌ جدا و هذه العبادة الإيمانية ما جاءت في القرآن الكريم في ألفاظها البلاغية و مواردها العربية , إلا مقصورة على الله وحده جل جلاله و هو القائل في محكم التنزيل ( و على الله فتوكلوا_( و )(و على ربهم يتوكلون )( فتوكل على الله ) (و على الله فليتوكل المؤمنون )( و ما لنا أن نتوكل على الله ) هذا هو التوكل في حقيقته و أثره و جزاءه و صفات أهله , لكنه ما كان تواكلا ًو لا إتكاليةً و ما كان ضياعاً و لا إهمالا . إن تحقيق التوكل لا ينافي السعى و الأخذ بالأسباب فالسعي في الأرض و تعاطي الأسباب طاعةٌ لله و التوكل على الله بالغيب إيمانٌ بالله ,إن المتوكلون في كتاب الله هم العاملون كما قال الله جل و علا (نعم أجر العاملين الذي صبروا و على ربهم يتوكلون ) .

التوكل على الله مضيٌ في العمل و تشجٌ في السعى , و إقدام و ثقة ٌبأن الله نصير العاملين , التوكل على الله إعتمادٌ على الله و أخذٌ بالأسباب المشروعه . و قد أمر الله عباده بالأخذ بالأسباب في كتابه العزيز في قوله جل ذكره(و أعدوا لهم من ما استطعتم من قوةٍ ) و في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتٍ أو انفروا جميعا)و في قوله جل و علا لموسى عليه السلام ( فاسري بعادي ليلا إنكم متبعون و اترك رهواً إنهم جندٌ مغرقون ) .

و إمام المتوكلين نبينا محمدٍ صلى الله عليه و آله و سلم

و سيرته جليةٌ محفوظة , أخذٌ بالأسباب و توكلٌ على الله فقد اختفى في الغار عن الكفار ,و ظاهر بين درعين يوم أحد و لم يحظر الصف قط عمياناً كما يفعله من لا علم عند و لامعرفه ,و استأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة ,و كان يدخر لأهله قوت سنه و هو سيد المتوكلين و كان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍ أو عمرةٍ حمل الزاد معه ,و ما أخل بشيءٍ من الأسباب , فالتوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب , التوكل على الله لا ينافي رعاية الأسباب التي أقام الله عليها نظام هذا الكون و أجرى عليها سننه و مضت بها أقداره و حكم بها شرعه ,فليس التوكل بإهمال العواقب و اطراح التحفظ ,بل ذلك عند العلماء و العقلاء عجزٌ و تفريط يستحق صاحبه التوبيخ و الاستهجان و اسمعوا إلى قول نبيكم صلى الله عليه وآله و سلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل لما رزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا و تروح بطانا أخرجه أحمد و ابن ماجه و الترمذي و قال حديث حسنٌ صحيح .

إن التوكل على الله شعورٌ و يقين بعظمة الله و ربوبيته و هيمنته على الحياة و الوجود و الأفلاك و الأكوان فكل ذلك محكومٌ بحول الله و قوته جل جلاله .

و التوكل على الله إيمانٌ بالغيب بعد استنفاد الوسائل المشروعه في عالم الشهاده تسليمٌ لله و أداء كل ما يرتبط بالنفس من مطلوباتٍ وواجبات يقول بعض السلف من طعن في الحركة و السعى فقد طعن في السنه , ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان , فالتوكل على الله حال النبي صلى الله عليه و آله و سلم , و الكسب من سنته , فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته و المسلم المتوكل على ربه في كل أحواله يخرج من بيته متوجهاً إلى عمله و مهنته , يضع قدمه عند الخروج و هو يقول بسم الله توكلت على الله و لا حول و لا قوة إلا بالله أخرجه أحمد و ابن ماجه و النسائي و الترمذي قال حديثٌ حسنٌ صحيح . و قد كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن (يقول اللهم لك أسلمت و بك آمن و عليك توكلت و إليك أنبت ) الحديث متفقٌ على صحته . و في الحديث الآخر من قال (بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال له حين إذ كفيت ووقيت و هديت تنحى عنه الشيطان ) أخرجه ابن ماجه و أبو داوود و الترمذي و قال حديثٌ حسنٌ صحيح .فاتقوا الله أيها المسلمون, و انهجوا في توكلكم و اعتمادكم نهج رسل الله الكرام الذين كانوا يواجهون الشدائدو الخطوب بصدق الإعتماد على ريهم . و خالص التوكل عليه .اللهم ارزقنا صدق التوكل و خالص الإعتماد عليك و اجعل بواطننا خيراً من ظواهرنا أقول هذا القول و استغفر الله لي و لكم من كل ذنب فاستغفروه و توبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده لاشريك له في ملكه و لامانع له في أمره و لامقاوم له في عزه,هو المتفرد بالإمر كله سبحانه و بحمده جل ثناءه و تقدست أسماؤه و أشهد أن لا إله إلاالله و حده لاشريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه و إخوانه و سلم تسليماً كثيرا ..أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى و اعلموا أن أول بواعث التوكل و مصادره توحيد الله و إفراده بالعباده , فالرب جل جلاله هو المعبود سبحانه له الأسماء الحسنى و الصفات العلى و اعلموا رحمكم الله أن للتوكل على الله آثارٌ عظيمه منها السكينة و الإطمئنان , و القوة و العزه و الرضا و لكل أثرٍ من هذه الآثار شواهد و أخبار من نصوص الكتاب و السنه , و اعلم رعاك الله أن الأسباب المعينة على تحقيق التوكل على الله كثيرة منها معرفة الله تعالى حق المعرفه بأسمائه و صفاته العلى ,و تعظيم الرب جل و علا و الثقة بالله تعالى و معرفة الإنسان بعجزه و ضعفه أمام ربه و أنه محتاجٌ إلى ربه و من كان بالله و صفاته أعلم و أعرف , كان توكله أصح و أقوى ,و من لم يكن كذلك فهو يظن أن حظوظاً عمياء هي التي تقرر مصير الحياة و الأحياء . إن المقطوعين عن الله هم عبد الحظوظ الشاردة و الأسباب المبتورة . إن التوكل على الله لا يعرفه العاطلون البطالون ,و إن من الجهل بالله و صفاته و ضعف الإيمان بوعده و وعيده أن يتوقع أحدٌ الخذلان و الضياع ,و هو مرتبطٌ بالرب العلى العظيم , معتمدٌ عليه لأن الله جل و علا يقول( أليس الله بكافٍ عبده و يخوفونك بالذين من دونه و من يضلل الله فما له من هاد و من يهد الله فماله من مضل أليس الله بعزيزٍ ذو انتقام ) .

فاتقوا الله أيها المسلمون و ثقوا بوعد ربكم و توكلوا عليه حق التوكل و اعملوا و اجتهدوا في الطلب و لا تفرطوا في السبب فإن الله يحب المتوكلين من عباده و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ثم صلوا و سلموا على خاتم النبين و إمام المرسلين و قدوة الله في العالمين فقد أمركم بذلك ربكم في كتابه المبين فقال عز من قائلٍ عليما ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما ) و قال عليه الصلاة و السلام ( من صلى على صلاة صلى الله عليها بها عشرا ) اللهم صلى و سلم و بارك على عبدك و رسولك محمد النبي الصادق الأمين , و على أهل بيته الطيبين و خلفائه الراشدين أبي بكرٍ و عمر و عثمان و على و سائر الصحابة و التابعين , و عنا معهم بعفوك و كرمك يا أرحم الراحمين , اللهم إنا نتوجه إليك و أنت في عليائك أن تعز الإسلام و تنصر المسلمين ,و أن تعلى بفضلك كلمة الحق والدين ,اللهم أعز الإسلام و المسلمين و أذل الشرك و المشركين و دمر أعداء الدين ,اللهم انصر الإسلام و المسلمين في العراق و انصر الإسلام و المسلمين في بلاد المعراج ,و انصر الإسلام و أهله في كل مكان , اللهم احقن دماء المسلمين , اللهم أمنهم في أوطانهم و احفظ عليهم دينهم و ديارهم , اللهم عليك بأعداء الملة و الدين من المعتدين على المسلمين من اليهود و النصارى الملحدين اللهم أضعف قوتهم و اقطع دابرهم و امحق آثارهم و عجل بزوالهم و لا تجعل لهم على بلاد المسلمين ولاية يا قوى ياعزيز . اللهم آ منا في أوطاننا و أصلح لنا ءأمتنا وولاة أمورنا , و اجعل ولايتنا فيمن خافك و اتقاك واتبع رضاك يارب العالمين , اللهم وفق إمامنا و ولي أمرنا لما تحب و ترضى و خذ بناصيته للبر و التقوى , ووفقه و إخوانه لهداك و اجعل عملهم في رضاك و هيئ لهم بطانة صالحة ناصحه تدلهم على الخير و تعينهم عليه و اجعلهم ممن قال الله فيهم ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و أتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهو عن المنكر و لله عاقبة الأمور, اللهم قوى إيماننا بك و بكتابك و بسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه و آله و سلم , اللهم انصر دينك و كتابك و سنة نبيك و عبادك المؤمنين ,اللهم انصر من نصر الدين و اخذل من خذل الدين . اللهم ألف بين قلوب المسلمين و اجمع كلمتهم على الحق و الدين , اللهم هب لنا قوة فقي إيماننا و افتح بصائرنا بنور الإسلام و اجعلنا من أنصاره و أعوانه و افتح قلوبنا لهدايته , واجعلنا هداةً مهتدين واقفين عند حدودك لا معتدين, متبعين لسنة نبيينا لا مبتدعين ,اللهم من أراد بلادنا بشرٍ و فتنةٍ و أراد ولاتها بمكيدة و مكر و أهلها بشرٍ و بلاء , اللهم اجعل كيده في نحره و اجعل تدبيره تدميراً عليه و عجل بفضحه و هتك سره بين العباد ,اللهم اقطع دابر الفساد و المفسدين و احفظ بلادنا و بلاد المسلمين . اللهم إنا نسألك سداداً في القول و صلاحاً في العمل و مغفرةً من الذنوب , و صلاحاً للقلوب يارب العالمين , ربنا آتنا في الدنيا حسنه و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار , و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى الفحشاء و المنكر و لذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:29:49  Show Profile


الدين النصيحة


الشيخ أحمد محمد الأنصاري


الخطبة الاولى


الحمد لله المتصرف في شؤون خلقه بكمال الحكمة و التقدير ,أحمده سبحانه و أشكره و أثنى عليه الخير كله و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا معقب لحكمه و لا مبدل لكلماته و هو سريع الحساب ,و أشهد أن محمداً عبده و رسوله سيد الناصحين و حامل لواء الحق المبين . نصح الأمة و بلغ من الإخلاص أرفع قمة ,إبتعثه الله تعالى بالهدى و الدين المرتضى لينذر من كان حياً و يحق القول على الكافرين , صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من اتبع سنته و اهتدى بهداه .أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى حيثما كنتم , و راقبوه فإنه يعلم ما أخفيتم و ما أعلنتم و أخلصوا له العبادة ,و توجهوا إليه و توكلوا عليه . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون . أيها المؤمنون بالله و لقائه و بمحمدٍ صلى الله عليه و آله و سلم و رسالته ..

إن الله تعالى اختار هذه الأمة و جعلها خاتمة الأمم بما أفاء الله عليها بهذا الدين الكامل و النبي الخاتم ,لا يرسخ بنائها و لا تحمد عاقبتها و لا يظهر عزها و لا يتحقق نصرها و لا تعلوا كلمتها , إلا أن تكون موصولةً ً بمنهج الإسلام مصبوغة ً بآدابه مطبقة ً لتعاليمه , قائمة ً بأحكامه منفذة ً لأوامره ,و أن يجرى فيها روح هذا الدين القويم لتكون راشدة ً في و جهتها بالغة ً غايتها ,و أن يزداد الذين درسوا علوم الشريعة عناية ً بالقيام على ما استحفظوا من هدايته ,فلا يدعون شيئاً يشعرون بأنه موكولٌ إلى أمانتهم إلا أحسنوا أدائه , و بلغوه لهذه الأمة . ومما دعا إليه الإسلام و حث عليه و رغب فيه أن يكون المجتمع المسلم مجتمعاً يسوده التذكير و النصح , ليتعلم الجاهل و يتنبه الغافل و يتذكر العالم ,و بالنصح و النصيحه يتقرب العباد إلى خالقهم , و يدعمن إلى عمل الصالحات ,و يصلحون ما كان فاسدا ,و يصلون ما كان منقطعا.و النصح سمة الرسل جميعاً عليهم السلام ومن نهج نهجهم من المصلحين الصادقين ,ووظيفة كل رسولٍ إلى قومه نصيحتهم و إبلاغهم ببيان التوحيد و التحذير من الشرك ,و ببيان ما أمر الله و ببيان أمر الله و نهيه و عبادته و تقواه فقد قال لنوحٌ لقومه (أبلغكم رسالات ربكم و أنصح لكم و أعلم من الله مالا تعلمون ) و قال هودٌ لقومه( أبلغكم رسالة ربي و أنا لكم ناصحٌ أمين ) و قال صالح لقومه (لقد أبلغتكم رسالة ربي و نصحت لكم و لكن لا تحبون الناصحين).و ما شاعت المنكرات و فشت البدع و المعاصي التي نهى الله عنها إلا حيث قل من يعظ الناس و ينصحهم عن ارتكابها و يحذرهم من شؤم عاقبتها , و متى كانت النصيحة صفة ً من صفات ِأفراد المجتمع المسلم فسيكون لها أكبر الأثر في دحض الباطل, و اندحار الشر و تقليل المعاصي بإذن الله ,و لا يخفى أن في كل أمة ٍ فئةً ً يفتحون صدورهم لقبول كل دعوةٍ توافق أهوائهم , أو تأتيهم في حسنٍ يلائم أذواقهم , و لكن نهوض الناصحين المخلصين بعزم ٍ و حكمه يكشف عما في هذه الدعاوى من سوء, فإذا اجتهد الناصحون في النصح و اخلصوا لله تعالى فيه , نشأ المسلم في مجتمع ٍ نقي الفكر صافي البصيرة حسن السيرة ,مقبلا على الطاعة مرتدعاً و معرضاً عن المعاصي , لا يحمل في نفه لا يحمل في نفسه إلا عقيدة ًخالصة ,و قد حاصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم النصيحة في الدين كله فقال فيما أخرجه مسلمٌ من حديث تميم ٍالداري رضي الله عنه ( الدين النصيحة , قلنا لمن : قال لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين وعامتهم ) , فالنصيحة لله الإيمان به جل جلاله و نفي الشريك عنه , و ترك الإلحاد في صفاته ووصفه بأوصاف الكمال و تنزيهه عن النقائص و طاعة أمره و اجتناب نهيه , و موالاة من أطاعه و معاداة من عصاه , و غير ذلك مما يحبه الله جل جلاله , و جميع هذه الأشياء في الحقيقة ترجع مصلحتها إلى العبد فهي نصيحة ٌ لنفسه و خير ٌ لها ,و النصيحة لكتابه الإيمان بأنه كتاب الله تعالى و تحليل حلاله و تحريم حرامه و الاهتداء بما فيه , و التدبر لآياته و القيام بحقوق تلاوته و الاتعاظ بمواعظه و الاعتبار بزواجره, و النصيحة لرسوله تصديقه فيما جاء به و إتباعه فيما أمر به و نهى عنه و تعظيم حقه و توقيره حياً و ميتا , و معرفة سنته و نشرها و العمل بها و محبة أهل بيته و محبة أصحابه و الترضي عنهم و مجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحدٍ من أصحابه بسبٍ أو أذي أو بغضٍ و كراهية , و النصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على الحق و طاعتهم فيه و أمرهم به و تذكيرهم بحوائج العباد و نصحهم في رفقٍ و عدلٍ و سر كما قال النبي صلى الله عيه و آله و سلم ( من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمر ٍ فلا يبد له علانية , و لكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذا و إلا كان قد أدى الذي عليه ) أخرجه الإمام أحمد , و المراد بأئمة المسلمين قادتهم في تنظيم شؤون الدنيا و في إقامة معالم الدين و نشره بين الناس فتشمل الملوك و الأمراء و الرؤساء و العلماء و كل من له ولاية كبيره أو صغيره,فهؤلاء لما كانت مهمتهم وواجباتهم أعظم من غيرهم وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم و مقامهم و ذلك باعتقاد إمامتهم و الاعتراف بولايتهم و وجوب طاعتهم في المعروف , و إعلامهم بما غفلوا عنه و تبليغهم ما للمسلمين من حقوق , و ترك الخروج عليهم و تأليف قلوب الناس لطاعتهم ,و الصلاة خلفهم و الجهاد معهم و الدعاء لهم بالصلاح و صلاح أئمة المسلمين صلاح ٌ للرعية و صلاحٌ للأمور , و استقرارٌ للأحوال , و من رأى منهم مالا يحل عليه أن ينبههم سراً لا علاناً, بلطفٍ و قولٍ حسن لأن الله تعالى أمر أن يخاطب كل الناس بذلك فقال سبحانه ( و قولوا للناس حسنا )و قال جل ذكره ( قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ) و قال تعالى مخبراً عن موقف موسى و هارون عليهما السلام مع فرعون و دعوته ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ). إن واجب الرعية على ولاتهم شد أزرهم في الملمات , و إعانتهم على القيام بأعباء ما حملوا من أمانه , لتحقيق مصالح العباد و التغلب على كل المشاكل في الحياة في العسر و اليسر , و أي انفصام يكون بين الراعي و الرعية هو تدميرٌ ماحقٌ لحياة الناس و مصالح الأمة و طريقٌ لإشاعة الفتنة بين الناس , إذ تغدوا الأمة كالجسد الذى فقد روحه لا ينتفع بما حوله و لا يرد العوادي عليه , و من النصح لأئمة المسلمين صدق الحديث معهم و تجنب الملق الكاذب والنفاق الخادع والثناء السائل ، أما إذا كانت النصيحة لأئمة المسلمين في ضوضاى و فوضى و تجمهر و تهيج للناس و تفلتٍ للأنظمة بصخبٍ و لغبٍ , فليست هذه و الله من النصيحة و ليست من آداب الإسلام و أخلاقه و ليست من العقل و الرشد في شئ , و ما أبعدها عن تحقيق الخير و المصلحة و الإجتماع و الائتلاف و أقربها من الشر و الفساد و الإختلاف و ضياع الحقوق, و النصيحة لعامة المسلمين تكون بإرشادهم إلى مصالح في دنياهم و أخراهم و كف الأذى عنهم و تعليمهم ما جهلوه و أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكرو هذا يمثل التضامن بين أفراد الأمة الذي يحقق المحبة و الإلفة و الإخلاص بين المسلمين , و اعلم أخ الإسلام أن نصيحة المسلمين فرض كفاية على من هو أهلٌ له و هي واجبة ٌ على قدر طاقة البشرية مادام هناك أملٌ في قبولها , فيا أيها المؤمنون بالله و لقائه على الناصح أن يخلص لله في نصحه ليقع له القبول لأن أصل النصيحة معناه الإخلاص فمن فعل ذلك على وجهٍ صحيح موافقٌ لأمر الله تعالى و هدى نبيه صلى الله عليه و آله و سلم يرجى له القبول في دعوته و نصحه إن شاء الله , و يتحقق له التعاون و الوفاق و التآلف و التأزر فلا يرضى أحدق لأحدٍ إلا ما يرضاه لنفسه و في هذا مصلحة كبرى للبلاد و العباد و إعانة للولاة في أداء رسالتهم و القيام بواجبهم في تطبيق العدل و رفع الظلم و الحكم بين الناس بما أنزل الله , لأن العدل إن دام عمر و الظلم إن دام دمر , و بالنصيحة المصحوبة بالعلم و الحكمة تزول معظم أسباب التظالم بين العباد, و ينزجر العصاة و الفسقة عن المعاصي , و يقوى أهل الخير في مقاومة الشر و يظهر دين الله الحق على كل الأديان الباطلة (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ ).

و كل مسلم ٍ عليه من النصح على قدر طاقته في خاصة نفسه و أهل بيته و بين إخوانه المسلمين لقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث الصحيح ( من رأى منكم منكر فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان) , و على العلماء من واجب النصح للمسلمين أن لا يغفلوا عن تذكير الناس و إرشادهم و هدايتهم إلى صراط الله المستقيم حتى إذا ما أبصروا بين الناس عوجاً نصحوا لهم أو رأو حقا ً مهملا ً لفتوا إليه أنظار الناس و أعانوهم على إقامته . و على الناصح أن يكون رفيقاً في خطابه ,ليناً في إرشاده , مثالاً للاستقامة و الصلاح , قدوةً في قوله و فعله و عمله , و عليه أن يحتمل ما يناله في سبيل النصيحة من مكروه متأسياً بقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم حينما دعاه قومه و آذوه قال لهم ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) و لا يليق بالناصح أن يدعوا الناس الى العمل الصالح و يقبض عنه يده ,أو ينهاهم عن العمل السيئ و لا يصرف عنه وجهه , فمن أدب النصيحة أن يسابق الناصح الأمة إلى اجتناب ما يؤاخذ به و عمل ما يحمد عليه , فإن ذلك أدل على الإخلاص و أقرب للقبول و أدعى إلى توقير الناصح و قبول قوله ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرةٍ أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين ) , أقول هذا القول و أستغفر الله لي و لكم من كل ذنب فاستغفروه و توبوا إليه إنه كان غفارا .

الخطبة الثانية :

الحمد لله على إحسانه و الشكر له على توفيقه و امتنانه و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه , و أشهد أن محمداً عبه و رسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه و على آله و أصحابه و إخوانه و سلم تسليما كثيرا .. أما بعد أيها الناس و لما للنصيحة من أهميةٍ على مستوى الأفراد و الجماعات و الدول عمل الإسلام على تربية الأمة عليها فمن ذلك أنه جعل من حق المسلم على المسلم أن ينصح له ففي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم ( حق المسلم على المسلم ست و ذكر منها و إذا استنصحك فانصح له ) . و النصح للمسلمين مهمٌ جدا يؤكد أهميته أنه جاء ضمن مبايعة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فعن جرير ابن عبد الله رضي الله عنه قال بايعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و النصح لكل مسلم و النصيحة تنبئ عن شعور ٍ بالمسؤولية و الاهتمام بالآخرين و هي سعىٌ لبناء مجتمع ٍ على أسس ٍ قويمة و ترك النصيحة أو إغفالها أو استثقالها أو المجاملة فيها يؤدي إلى التهاون بأمور الدين و التساهل في حقوق المسلمين , و عدم الاكتراث بشؤون الآخرين ,و هذا يؤدي إلى تفشي المعاصي و المنكرات في مجتمع المسلمين و اعتداء بعضهم على بعض , و خذوا أيها المسلمون العبرة من غيركم من الذين أهملوا النصيحة و تركوا التناصح فيما بينهم حيث قست قلوبهم , و تفشت فيهم الرذيلة و اختفت من بينهم الفضيلة , و انتشرت بينهم البدع و الضلالات و الخرافات و تمرد كثيرٌ من الناس على الناصحين و الآمرين , فتحولوا إلى مجتمع ٍ مفكك الأواصر منقطع الروابط شعاره التمرد و الهدم و مآله إلى الضياع و الانحطاط. فيا أيها المؤمنون بالله و لقائه إن النصح للمسلم و السعي لإصلاحه و دفع الفساد عنه و من أهم ذلك أن يرشده أخوه إلى عيوبه برفق ٍ ليصلحه , و لا يجوز له الغش له أو المكر به أو التلبيس عليه فكل ذلك مخالفٌ للنصح و الإرشاد الصحيح و إبداء النصح لا يكون إلا سراً لأن من وعظ أخاه علانية ً فقد شانه و من وعظه سراً فقد زانه , و إذا كانت النصيحة كذلك فإنها تقيم الألفة و تؤدى حق الأخوة قال عبد الله ابن المبارك ( كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر ٍ و نهاه في ستر ٍ فيؤجر في ستره و يؤجر في نهيه ) .

فاتقوا الله أيها المسلمون و تمسكوا بدينكم تسعدوا و طبقوا هدي نبيكم صلى الله عليه و آله وسلم تهتدوا و ترشدوا , و تناصحوا فيما بينكم تفلحوا و تعاونوا علة البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا الله إن الله شديد العقاب ,و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ثم صلوا و سلموا على الهادي البشير و السراج المنير فقد أمركم بذلك رب العالمين في كتابه المبين فقال عز من قائل ٍ عليما (إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما ) , اللهم صلى و سلم و بارك على عبدك و رسولك محمد النبي الصادق الأمين و أهل بيته الطيبين و خلفائه الراشدين أبي بكرٍ و عمر و عثمان و على و سائر الصحابة و التابعين و عنا معهم بعفوك و كرمك يا أرحم الراحمين .

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:34:13  Show Profile

موعظة للمريض للتكفير عن خطاياه


زياد أبو رجائي


الخطبة

إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يا أيها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون }

{ يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }

{ يا ايها الذين اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله و رسوله فقد فاز فوزاً عظيماً }..

فإنّ أصدق الحديث كلام الله - سبحانه - ، و خير الهدي هدي محمّدٍ - صلّى الله عليه و على آله و سلّم - ، و شرّ الأمور محدثاتها ، و كلّ محدثةٍ بدعة ، و كلّ بدعةٍ ضلالة ، و كلّ ضلالةٍ في النّار .

أما بعد :


" إن العبد إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته : يا ملائكتي أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي ، فإن أقبضه أغفر له و إن أعافه فحينئذ يقعد و لا ذنب له " .(1)

" فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب و الفضة " . (2)

عن إسرائيل بن يونس عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي بردة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم و يحسبها عائشة قالت : " مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا اشتد منه ضجره أو وجعه ، قالت : فقلت : يا رسول الله إنك لتجزع أو تضجر ، لو فعلته امرأة منا عجبت منها ، قال : " أوما علمت أن المؤمن يشدد عليه ليكون كفارة لخطاياه " (3)

" إذا اشتكى العبد المسلم قال الله تعالى للذين يكتبون : اكتبوا له أفضل ما كان يعمل إذا كان طلقا حتى أطلقه "(4)

" إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض ، قيل للملك الموكل به : اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه ، أو أكفته إلي " (5)

" ما من مسلم يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه أن اكتبوا لعبدي في كل يوم و ليلة من الخير على ما كان يعمل ، ما دام محبوسا في وثاقي "(6)

" ليس من عمل يوم إلا و هو يختم عليه ، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة : يا ربنا ! عبدك فلان قد حبسته ، فيقول الرب : اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت"(7)

" ما من عبد يصرع صرعة من مرض ، إلا بعثه الله منها طاهرا "(8)
إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما"(9) ، وعن أبي موسى قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر كتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم (10)

مرض عبد الله بن مسعود فعدناه فجعل يبكي فعوتب فقال : إني لا أبكي لأجل المرض لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المرض كفارة " وإنما أبكي أنه أصابني على حال فترة ولم يصبني في حال اجتهاد لأنه يكتب للعبد من الجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض.

إن الله تعالى يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال : يا رب كيف أعودك و أنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لوعدته لوجدتني عنده (11) - رواه مسلم

" ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله تعالى به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها " (12)

"إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين فقال انظروا ما يقول لعواده فإن هو إذا جاؤوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأن أكفر عنه سيئاته
رواه مالك مرسلا وابن أبي الدنيا وعنده فيقول الله عز وجل إن لعبدي هذا علي إن أنا توفيته أدخلته الجنة وإن أنا رفعته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأغفر له " (13)

كان إذا مرض أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوذات (14)

للمؤمن على المؤمن ست خصال : يعوده إذا مرض و يشهده إذا مات و يجبيه إذا دعاه و يسلم عليه إذا لقيه و يشمته إذا عطس و ينصح له إذا غاب أو شهد (15)

" إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط " .(16)

" عجبت لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابه ما يحب حمد الله و كان له خير ، و إن أصابه ما يكره فصبر كان له خير ، و ليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن (17)

قال الله تعالى " إذا ابتليت عبدي المؤمن ، و لم يشكني إلى عواده أطلقته من أساري ، ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه ، و دما خيرا من دمه ، ثم يستأنف العمل " (18)

" أوما علمت أن المؤمن يشدد عليه ليكون كفارة لخطاياه " (19)
" إذا اشتكى المؤمن أخلصه الله كما يخلص الكير خبث الحديد " (20)

" إنما مثل العبد المؤمن حين يصيبه الوعك أو الحمى كمثل حديدة تدخل النار ، فيذهب خبثها و يبقى طيبها "(21)

" الحمى حظ المؤمن من النار يوم القيامة " .(22)

" الحمى كير من جهنم ، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار " .(23)

" ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه ، إلا كفر الله عنه من سيئاته " (24)

" وصب المؤمن كفارة لخطاياه " (25)

" ما يصيب المؤمن من وصب و لا نصب و لا سقم و لا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته " .(26)

إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالسقم حتى يكفر عنه كل ذنب (27)

إن المؤمنين يشدد عليهم لأنه لا تصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوقها و لا وجع إلا رفع الله له بها درجة و حط عنه خطيئة .(28)


Edited by - مــطر on 12/01/2011 17:35:29
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:39:38  Show Profile


النصيحة عماد الدين وقوامه


رائد بن عبد الجبار المهداوي

الخطبة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإنّ النصيحة شعيرة إسلامية عظيمة، حث الشرع عليها وأوجبها؛ وعدّها عماد الدين وقوامه، كما في حديث تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الدين النصيحة "ثلاثاً" قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين، وعامتهم". [أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وأحمد، إلا قوله "ثلاثاً" فلم يخرجها مسلم. وثبت الحديث عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم من طرق، وانظر "إرواء الغليل" للإمام الألباني (1/62 – 63) برقم (26)]
وهذا الحديث عده جماعات من أهل العلم أحد أرباع الإسلام، أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام، وتعقب ذلك النووي بأنّ مدار الإسلام كله على هذا الحديث وحده.
وسبب ذلك أنّ النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام الطويل، لذلك سمى الشرع النصيحة ديناً، قال ابن رجب - رحمه الله -: "فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه، وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضاً" اهـ.
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،والنصح لكل مسلم".
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "حق المسلم على المسلم ست"وذكر منها: "وإذا استنصحك فانصح له". رواه مسلم
والنصيحة هي: إرادة الخير للمنصوح له بالقول على سبيل الإصلاح، وأصل النصح: الخلوص، والموائمة والإصلاح يقال: نصحت العسل؛ إذا خلصته من الشمع، ونصحتُ الثوب إذا أصلحته بالخياطة.
وعكس النصيحة الغش والخديعة، وهما من أوصاف المنافقين، فالمؤمنون ناصحون صادقون، والمنافقون مخادعون غاشّون لا يؤتمنون.
لمن تكون النصيحة:
أولاً:النصيحة لله تعالى بتوحيده، ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص، والحب فيه، والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى، والدعاء إلى سبيله، والحث عليه.
ثانياً: النصيحة لكتابه؛ بالإيمان به، وتعظيمه، وتنزيهه، واعتقاد أنه كلامه غير مخلوق، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه.
ثالثاً: النصيحة لرسوله - صلى الله عليه و سلم -؛ بالإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله، ومحبته أكثر من النفس والولد والوالد، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستنشار علومه ونشرها، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه.
رابعاً: النصيحة لأئمة المسلمين؛ بمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب والخروج عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الناس على ذلك.
خامساً: النصيحة لعامة المسلمين؛ بإرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش والخديعة والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
[وانظر "جامع العلوم والحكم" لابن رجب ص(101)، و"شرح النووي على صحيح مسلم" (1/116)]
حكم النصيحة:
النصيحة واجبة على كل مسلم؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عظّم من أمرها، ولأنها من باب الأمر بالمعروف، ومن الحقوق بين المسلمين، لكنها مقيدة بالاستطاعة؛ لقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة : 286] ولحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في صحيح مسلم: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،والنصح لكل مسلم" وفي رواية:"على السمع والطاعة - فلقنني فيما استطعت - والنصح لكل مسلم".
شروط النصيحة:
أولاً: الإخلاص لله تعالى؛ وهو إحسان النية، وقصد رضا الله فيها. قال تعالى: "وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ". والنصيحة من جملة الأعمال الصالحة، فهي عبادة محضة، فيشترط في صحتها وقبولها الإخلاص لله تعالى. وكم من نصيحة ما نفعت، وما آتت أكلاً، وما أثمرت، رغم قيام صاحبها بشروطها وآدابها، إلا بسبب ترك الإخلاص لله فيها.
ثانياً: أن تكون بناء على حكم شرعي؛ وجوباً، أو تحريماً، أو كراهة، أو ندباً، أو إباحة. فإذا كانت النصيحة بأمر يخالف الشرع فلا تسمى نصيحة؛ وإنما تكون غشاً وخديعة، مثل من ينصح أحدهم بحلق اللحية، أو أكل الربا، أو ينصح بخلع الحجاب، أو سفر المرأة بغير محرم، أو الاختلاط بين الجنسين، أو غيرها مما يخالف الشرع ويصادم الأدلة.
ثالثاً: أن يكون الناصح عالماً بما ينصح به علماً شرعياً، كي لا يوجب شيئاً مندوباً او مباحاً، أو يحرم حلالاً، وإلا فإنّه يقول على الله بغير علم، ويقفو ما ليس له به علم. قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف : 33 ].
رابعاً: أن تكون النصيحة في أمر اتفق العلماء على حكمه الشرعي، أو الراجح فيه واضح وظاهر لقوة الدليل، وسلامته عن المعارضة بمثله أو ما هو أقوى منه، أو الخلاف فيه ضعيف بين أهل العلم، أو كان يتوصل بفعله إلى محرم أو مكروه، أو ترك واجب، أو أنّ مفسدته أعظم من مصلحته.
خامساً: أن يقصد الناصح نفع المنصوح والخير له، لا التشهير فيه، فكم من نصيحة انقلبت إلى فضيحة وشر وسوء بسبب فقد هذا الشرط.
سادساً: أن تكون النصيحة في السرّ إذا كانت المخالفة في السرّ؛ ولم تكن معلنة مظهرة، لأنّها - أي النصيحة - والحال كذلك أدعى لقبول المنصوح، أما إذا كانت النصيحة معلنة مشهرة في شيء مستور فإنها توبيخ وتعيير وتشهير، وتؤدي إلى إفساد ذات البين.
قال ابن رجب في "الفرق بين النصيحة والتعيير":
"قال الفضيل: "المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعيِّر" فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير ، وهو أن النصح يقترن به الستر والتعيير يقترن به الإعلان. وكان يقال: من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيَّره" اهـ.
أما إذا كانت المخالفة معلنة مشهرة من صاحبها وعلم بها الناس واشتهرت عنه؛ بالكتابة أو القول، فإنّ النصيحة له ولعموم المسلمين تكون بالتحذير منها - أي المخالفة - علناً، وليس ذلك من الغيبة في شيء، إذا اقترن بحسنِ القصد؛ بياناً للحق، ونصحاً للأمة، وتجردِ صاحبه عن العيب والذم والنقص، والتشفي في المردود عليه.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
"ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله، وتمسك بما لا يتمسك به ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضًا.
ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية؛ من التفسير، وشروح الحديث، والفقه، واختلاف العلماء، وغير ذلك، ممتلئة بالمناظرات وردِّ أقوال من تُضَعَّفُ أقواله من أئمة السلف والخلف، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم، ولا ادعى فيه طعناً على من ردَّ عليه قولَه، ولا ذمَّاً ولا نقصاً، اللهم إلا أن يكون المصنِّف ممن يُفحش في الكلام ويُسيءُ الأدب في العبارة، فيُنكَر عليه فحاشته وإساءته دون أصل ردِّه ومخالفته، إقامةً للحجج الشرعية والأدلة المعتبرة. وسبب ذلك أن علماء الدين كلُّهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنْ يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله - من غير شذوذ شيء منه - ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم ... ومن كانت هذه حاله فإنه لا يكره أن يُردَّ عليه قولُه، ويتبين له مخالفته للسنة، لا في حياته ولا في مماته ... فحينئذٍ ردُّ المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه .
فلا يكون داخلاً في الغيبة بالكلية؛ فلو فرض أن أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق فلا عبرة بكراهته لذلك؛ فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له، سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته ... وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب، وأحسن في الرد والجواب، فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه، وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه ... وقد بالغ الأئمة الوَرِعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردِّها أبلغ الردِّ، كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم، هذا كله حكم الظاهر.
وأما في باطن الأمر: فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بقالات من أخطأ في مقالاته؛ فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا - بهذه النية - في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .
وسواء كان الذي بين الخطأ صغيراً أو كبيراً فله أسوة بمن رد من العلماء ...
وأما إذا كان مرادُ الرادِّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه، وتنقُّصَهُ، وتبيينَ جهلِه وقصورِه في العلم، ونحو ذلك، كان محرماً، سواء كان ردُّه لذلك في وجه من ردِّ عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه، وتوعد عليه في الهمز واللمز، وداخل أيضاً في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته". [أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وهو في صحيح الجامع (7984)]
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم، تحذيراً من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل" اهـمنكتاب "الفرق بين النصيحة والتعيير"
قال الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله في "النقد منهج شرعي" ص(28) تعليقاً على كلام ابن رجب السابق:
"فهذه التحفظات، والاحتياطات، والوصايا، كلها إذا تكلمنا في أئمة الهدى، نتكلم معهم بأدب واحترام، وبإخلاص لله تبارك وتعالى، ولا يجوز أن نحكي كلامهم بقصد الذم، والتشهير، والطعن فيهم، فإنّ هذا لا يجوز أبداً، لكنّ أهل الباطل وأهل البدع تُبيّنُ مخازيهم، ولا تكون هذه الاحتياطات، وكذلك الجهلة المتشبهين بأهل العلم، وليسوا بعلماء، لابد من كشف عوارهم، وبيان جهلهم وضلالهم" اهـ.
قلت: وأما النصيحة للحكام والأمراء من ولاة الأمر فلا تكون إلا في السرّ؛ لحديث عياض بن غنم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلوا به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه" [أخرجه أحمد في "المسند" وابن أبي عاصم في "السنة" وصححه الألباني في ظلال الجنة (1096 – 1098)]
قال الشيخ العلاّمة ابن عثيمين رحمه الله في "مقاصد الإسلام"(ص:393):
"فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علناً، وإنكار ذلك عليه في المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ، وغير ذلك، ليس من باب النصيحة في شيء، فلا تغترَّ بمن يفعل ذلك، وإن كان عن حسن نية، فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدى بهم، والله يتولى هداك".
و في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أسامة بن زيد أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه، فقال:"أتَرَوْنَ أني لا أكلّمُهُ إلا أسمعُكُُم؟ و الله لقد كلمته فيما بيني وبينَهُ، ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أولَّ من فتحه".
قال الإمام الألباني في تعليقه على مختصر مسلم(335):
"يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، لأن في الإنكار جهاراً ما يُخشى عاقبتُه، كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتلُه".
و قال ابن عباس عندما سُئِل عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر: "إن كنتَ فاعلاً ولا بدَّ ففيما بينك وبينَهُ". [جامع العلوم والحكم ص (103) ط: دار ابن حزم].
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:46:07  Show Profile



عظم مخالفة أمر النبي


سعد الزعتري


الخطبة الاولى

ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما }
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم -وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
أما بعد:
عباد الله :

يقول صلّى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذّب ما جئت به من الحق )
عباد الله:
بعث الله رسوله محمداً صلّى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وجاء بالمعجزات العظمى الكونية والشرعية والبراهين الواضحة والحجج القوية الصادقة الدّالة اكبر دلالة على صدقه وصدق ما جاء به وأنّه رسول من الله حقاً فآمن به واتبعه وأطاعه من أراد الله به السعادة والنعيم والنجاة من غضب الله وبطشه وعقابه، وكذّبه وعصاه أهل الكبر والعناد وأهل الجاه والمناصب والمصالح الذين حاق بهم غضب الله واستوجبوا الهلاك والعذاب الأليم والدمار الماحق جزاء كفرهم وكبرهم وتكذيبهم وعنادهم واتباع أهوائهم وعدم انقيادهم للحق فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثلاً لحاله وحال ما جاء به من الحقّ الواضح والصدق البيّن وما يترتب على تصديقه وطاعته وعلى تكذيبه وعصيانه ومخالفته بحال ذلك الرجل الصادق المخلص الجادّ في إنذار قومه والحريص على نجاتهم من الخطر الداهم الذي يكمن وراء ذلك الجيش المباغت فمن صدّقه وأطاعه وأخذ بأسباب النجاة في تجنب خطر ذلك الجيش نجا ومن كذّّبه وعصاه واستخفّ بذلك الخطر نزل به خطر العدوّ .فأهلكه واجتاحه وكذلك مصير هذه الأمم والشعوب التي بُعث إليها الرسول صلّى الله عليه وسلم فمن صدّقه وأطاعه سعد في الدنيا والآخرة ونال من الله أعظم الجزاء وأكرمه ونجا من عقوبات الدنيا وخزي الآخرة ومن كذّبه وعصاه وخالف ما جاء به ولم يرفع رأساً بالهدى الذي جاء به المتمثل بالكتاب والسنّة تعرّض لغضب الله وسخطه وأنزل به العقوبات والكوارث في الدنيا والعذاب الواصب في الآخرة .
عباد الله:
لماذا كثير من الناس اليوم أعرضوا بل واستخفّوا بأوامر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟
فإذا جئته بأمر من أوامر نبي الله لم يأل بالاً في سماعه فضلاً عن العمل به أهذا هو الحق في اتجاه نبينا وقدوتنا ؟
إعلموا أنّ محمداً رسول الله معناها طاعته فيما أمر والانتهاء عمّا نهى عنه وزجر وتصديقه فيما أخبر وأنْ لا يعبد الله إلا بما شرع حق نبينا عظيم وطاعته فريضة وعصيانه كبيرة وعقوبتها أليمة ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) يقول صلّى الله عليه وسلم: ( ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله وان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار .
عباد الله كونوا على حذر من مخالفة أوامر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمن خالفها وقع في الموبقات والمهلكات وأضرب لكم مثلاً على مخالفة أمر من أوامر رسول الله : انتشار الكذب بين كثر من الناس مع الاستهانة والاستخفاف به فهي عبارة عن كلمات يحركها للسان ولا يدري أنها تهوي به في نار جهنّم سبعين خريفاً قال عليه الصلاة والسلام : ( إياكم والكذب فإنّ الكذب يهدي على الفجور وإنّ الفجور يهدي على النّار وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا) وقال تعالى: ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) وهل الشرك واتخاذ الأنداد الذي هو أكبر الجرائم والذنوب إلا كذب؟ وهل النفاق والذي هو شرّ من الكفر الصريح إلا كذب ؟وكذلك الغشّ في المعاملة ونيّة الإخلاف في المواعيد والرياء في الأعمال كلّها إلا ضرب من ضروب الكذب
عباد الله:
أيها المسلم ابتعد عن الكذب واربأ بنفسك عن تحرّيه فإنّ فيه وفي تحرّيه وتقصّده الهلاك والانحدار إلى هوة الفجور لأنه يسوق صاحبه ويجرّه إلى مدارب الفجّار هذا نهي من النبيّ صلّى الله عليه وسلم عن هذه الصفة الذميمة الخسيسة ألا وهي الكذب فلماذا لا ننتهي عما نهى الله ورسوله عنه؟
انتشر الكذب فانتشرت الفوضى فذهب الأمن والعياذ بالله وهنا قد يتساءل البعض لماذا لا تمثل بمن خالف أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم فى ترك الجهاد وأنه هو السبب في ذلّ المسلمين ووقوع العذاب الأليم ؟
والجواب أننا بحمد الله لا نترك شيئاً وصّى أو أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلا عملنا به ووصينا النّاس عليه ونحن دائماً نذكر أنّ الجهاد من أعظم القربات والطاعات لكننا يا رعاك الله يجب أن نرقى السطح من سلمه وأن ندخل البيت من بابه فجهاد الكفّار لا يدرك إلا بمراحل يجب أن لا نغفل عنها ومراتب يجب أن نسلكها حتى نصل إلى جهاد أعدائنا من الكفّار يقول صلّى الله عليه وسلّم: ( ما من نبي بعثه الله في امة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابا يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره ثمّ إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس ذلك من الإيمان حبة خردل ) فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن في حالة ابتعاد الناس عن سنّته وعدم طاعة أوامره فعلى أهل العلم أن يجاهدوهم بالعلم والحجّة والبيان لأنّ عدم جهاد هؤلاء والانتقال إلى جهاد الكفّار أمر خطير ومزلق جليل فكيف نجاهد العدوّ الخارجي ونغفل عن جهاد العدوّ الداخلي؟ فهذا أخطر فهذا الذي نقوم به نحن السلفيون به في هذا اليوم وندعو غيرنا أن يجاهدوا أنفسهم وأن يبدأوا بتغيرها فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كيف تريد منّا هداك الله أن نجاهد الكفّار ونحن بيننا من يستحق الجهاد بالعلم والحجة والبيان ؟فيجب علينا جميعاً أن نتوحّّد على التوحيد وأن نطلب العلم الشرعي حتّى يوفقنا الله عزّ وجلّ وحتى ينصرنا في ديننا وفي دنيانا أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه


الخطبة الثانية


الحمد لله حمد الشاكرين وأصلّي وأسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّ الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى أله ومن سار على دربه إلى يوم الدين أما بعد:
عباد الله:
إنّ العالم اليوم يمرّ في محن وشدائد وكربات وخوف من مستقبل مليء بالفتن والقلاقل زمان يعجز العاقل عن وصفه حروب هنا وهناك قتل وتشريد تخويف وتهديد نهب للمتلكات وتقويد للقدرات العالم في صراع يأكل فيه القوي الضعيف ويسوّد فيه الخائن ويقصى منه الشريف انهيار اقتصادي يهدد العالم ويدق ناقوس الخطر فيا ترى ما هو المخرج وما هو الحل ليطمئنّ القلب وينشرح الصدر ويألم الجرح؟
الحلّ هو قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي ) نعم والله وبالله وتالله لو تمسكنا بالكتاب والسنّة وهما بين أيدينا لن نضل بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قيد أنملة ولن نخاف من الانهيار الاقتصادي ولن يرهبنا إرهاب العدو ولن نشهد اضطرابات سياسية ولا هجماتٍ عدائية إذا تسلّحنا بالعقيدة الصحيحة وبالسنّة الصريحة فلا ضلال ولا خوف ولا انهزام إنما هو الهدى والأمن والانتصار والعزّة في الدنيا والآخرة فلماذا إذاً لا نقبل على الله لا نقبل على تعلّم الكتاب والسنّة والعمل بهما؟
لماذا لا نعضّ بالنواجذ على سنّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟
ولماذا لا نعضّ بالنواجذ على سنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده؟
لماذا لا نحذر البدع ومحدثات الأمور؟
وكم حذّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمّته من أخطار البدع ومفاسدها مع البيان النيّر أنها ضلالة وأنّها في النّار فما الذي يدعو كثيراً من المسلمين إلى الوقوع فيها والتشبث بها وقد أكرمهم الله بكتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبدين كامل غاية الكمال لا نقص فيه قال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) إنه لمن المؤسف حقا أن ترى كثيراً من الأمّة الإسلامية لا تعتمد على القرآن ولا على السنّة في عقائدها وقد طغت البدع على السنن في عباداتها وتقاليدها وصدق فيها قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم : ( لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه ) اللهم ردّنا إلى دينك ردّاً جميلا اللهم ردّنا إلى دينك ردّاً جميلا اللهم ردّنا الى كتابك ردّاً جميلا اللهم ردّنا الى سنّة نبيك ردّاً جميلا اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا اللهم عليك بمن عادانا وآذانا اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وانصرنا على من عادانا واختم بالصالحات أعمالنا


Edited by - مــطر on 12/01/2011 17:47:28
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  17:51:36  Show Profile

لنبلونكم في أنفسكم


الشيخ د. ناصر الحنيني

الخطبة

عباد الله يقول ربنا الحكيم الخبير العليم الحليم في محكم التنزيل: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (محمد:31) ويقول سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) ويقول جل وعلا: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )(البقرة:155) ويقول المولى جل وعلا: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض ) (محمد: 4)، ويقول سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الملك:2) ويقول سبحانه:(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (آل عمران:186)

وجاء في البخاري: عن عروةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتِ قَوْلَـهُ: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا ) (يوسف:110) أَوْ كُذِبُوا قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا أَوْ كُذِبُوا. قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتْ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ وَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ. "

وجاء أيضاً في البخاري: "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا خَفِيفَةً ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ، وَتَلَا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ #64830; ( البقرة:214) فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ مَعَاذَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا مُثَقَّلَةً"

وجاء في مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه.ِ وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ.)

وجاء في الصحيحين واللفظ لمسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِد.)

وجاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ.)

وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)

أيها المؤمنون: إننا من خلال هذه النصوص الشرعية والتوجيهات الربانية أمام حقيقة شرعية وسنة كونية: وهي أن البلاء حاصل لهذه الأمة وخاصة من يقوم بأمر الله، ومن خلال هذه النصوص الشرعية يمكن أن نقف بعض الوقفات على وجه الاختصار:

الوقفة الأولى:
أن الابتلاء سنة ماضية لكل الناس حتى صفوة الخلق وأحبهم إلى الله عزوجل وهم أنبياؤه ورسله: #64831;حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ #64830; (يوسف: 110) ، فيا من تمسكت بشرع الله لا تجزع لا تترد لا تنكص على عقبيك وأسأل الله الثبات على دينك واصدق مع ربك .

الوقفة الثانية:
أن الابتلاء رحمة بالأمة على وجه العموم، وبكل فرد مؤمن على وجه الخصوص كما قال جل وعلا: : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (محمد:31) فالأمة ينقى صفها وتعرف صديقها من عدوها ومؤمنها من منافقها، فتأخذ حذرها ولا يبقى معها إلا الصفوة، وهنا يأتي النصر بعد التصفية وبعد التمحيص فهو خير للأمة، وأما الأفراد كما قال جل وعلا(الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (العنكبوت:1-2) فالله ثبتنا وارزقنا الصدق في الأقوال والأعمال والنيات.

الوقفة الثالثة:
أن الابتلاء يكون بالخير والشر، بما تكره النفوس وبما تحبه كما قال جـل وعلا: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) يقول عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه مبيناً خطورة الابتلاء بالسراء وأنها لا تقل خطراً وضرراً على المؤمن من الضراء يقول:" ابتلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضراء فصبرنا ثم ابتلينا بالسراء بعده فلم نصبر. " فالمال فتنة والمناصب فتنة فاللهم ثبتنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا .

الوقفة الرابعة:
أن الثبات والنجاة وقت الفتن من عند الله، فلا تعلق قلبك بغيره سبحانه ولا تظنن أن المخلوق يملك لك شيئاً. ولتعلم أن المقادير وأن الكون كله بيده سبحانه، فهو الذين يثبت المؤمنين، كما قال جل وعلا وليس المخلوقين: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) (إبراهيم: 27) فعليك بالدعاء، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتعوذ من الفتن ما ظهر منها ومابطن، والله سبحانه يحب من عباده أن يدعوه ويتضرعوا إليه عند حلول البلاء فقال سبحانه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:42) وقال سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ) (المؤمنون:76)

الوقفة الخامسة:
أن من أقوى العوامل على الثبات على الحق عند حلول الابتلاء بعد رحمة الله وتثبيته للمؤمن: هو الصبر، ومن أوتي الصبر فقد أوتي الخير كله، وتدبر معي الآيات التي ذكرت الابتلاء كيف نوهت وأشادت بالصبر فالله سبحانه لما قال: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) (آل عمران:186) قال في آخر الآية (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وقال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:155)، وقال سبحانه مبينا العاقبة الحميدة للصبر حينما يبتلى المؤمنون بكيد الأعداء قال: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ) (آل عمران: 120) وأنبياء الله هذا منهجهم عند حلول البلاء والفتنة الصبر: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا ) (الأنعام: 34).

الوقفة السادسة:
أن الابتلاء يدل على صحة المسار وصدق السائر إلى الله الداعي إلى رضوانه سبحانه وتعالى، فالأنبياء أشد الناس بلاء وبقدر إيمان العبد يزاد له في البلاء، وهو طريق الإمامة في الدين والتمكين في الأرض قال سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) وقال بعض السلف بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، وقال الإمام مالك:" إن محمد بن المنكدر لما ضرب، فزع لضربه أهل المدينة فاجتمعوا إليه فقال: لا عليكم إنه لاخير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر"

الوقفة السابعة:
أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ونصرة دين الله من أعظم الأسباب للثبات على الدين وقت نزول المحن والبلايا، كما قال جل وعلا: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) فبسبب صدقهم وبذلهم وجهادهم ودعوتهم وفقوا وهدوا لمايحبه الله وهو الثبات على الدين، وفازوا بمعية الله وتأييده لهم ونصرتهم سبحانه لهم، فكيف يهزم ويخذل من كان الله معه نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن لا يكلنا إلى أنفسنا أو إلى أحد من خلقه طرفة عين.


Edited by - مــطر on 12/01/2011 18:00:01
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  18:04:37  Show Profile


كيف نحيا بالقرآن

الشيخ د. ناصر الحنيني


الخطبة


الحمدلله الذي هدانا للإيمان ، وأكرمنا ومنا علينابالسنة والقرآن ، الحمدلله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت لبني الإنسان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربنا وخالقنا الرحيم الرحمن ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وصفيه الداعي إلى كل خير ورضوان ، وعلى آله وأصحابه أولي النهى والعرفان ، ومن اهتدى بهداه وعمل بسنته إلى يوم العرض على الديان أما بعد :

أيها المؤمنون :يامن رضيتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه و سلم نبيا ورسولاً،يقول المولى جل وعلا:{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم34]،إن أعظم نعمةٍ بعد الهداية للإيمان، هو السر العظيم ، والكنز الغالي الثمين ، هو سرُّ سعادةِ بني الإنسان ، هوسر نهضة مجتمعات أهلِ الإيمان ، هو سرُّ رفعتنا وحلِّ كل مشكلاتنا ، إن هذه النعمة هي الهداية للقرآن ...

نعم ياعباد الهدايةُ للقرآن،ونعني بالهدايةِ للقرآن ليس مجرد التلاوة ،فهذه نقطة البداية وليست هي النهاية، ولن يطعم حقيقة الهداية للقرآن إلا من تأثر به وعاش الحياة الحقيقية متدبراً متأثراً مغيراً لنفسه ولحاله ،هذه هي الهداية الحقيقية وهي التي يكثر السؤال عنها ، مالسبب في أنا لانتأثر بالقرآن ، لا نشعر بطعم حلاوة الإيمان أثناء قراءة القرآن، ويسأل آخر : أين نور القرآن ، أين حلاوته ، أين إعجازه وتأثيره ، كيف تُحل به مشكلاتنا ، وتزال به همومنا وغمومنا ، وللإجابة عن هذا السؤال نقول: لا بد من فهم القرآن وأعني بالفهم ليس معرفة المعنى فقط ،ولكن أن نفهمه بقلوبنا فيكون علماً وإيماناً يملاء صدورنا ، هذا هو الذي نريد ، وحتى نصل للإجابة الشافية لا بد من تأمل هدي النبي صلى الله عليه و سلم وهدي أصحابه رضي الله عنهم فهم خير من فهم القرآن علماً وعملاً ،معرفة وإيماناً ،فسادوا الدنيا كلَّها وأصبح هو الجيل الذي خلد التاريخ مآثره العظيمة إلى يومنا ،فأصبحوا جيل القرآن حقاً ومن تأمل حياتهم ومنهجهم يخرج بالأسباب والأمر التي تعين على فهم القرآن والاهتداء به وهي :

أولاً:

لابد أن تكون على يقين تام ومعرفة تامة وقناعة لا يدخلها الشك بأنه لاحياة إلا بالقرآن، فأنت بدون القرآن ميت وبدون القرآن ضال أعمى فالحياة والبصر والهداية لاتكون إلا بالقرآن ،فالقرآن هو الروح، لأنه به تكون الحياة الحقيقية ، وحين تَفْقِدُ الروح تعيش ميتاً في صورة حي بين الناس {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[الشورى52]تكون على يقين بأن القرآن هو النور وبدونه فأنت أعمى لا بصر لك فكيف ترى الدنيا على حقيقتها وكيف يكون الميزان عندك للأمور صحيحاً وأنت لا تبصرفالبصر الحقيقي بصر القلب {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} [النساء174] القرآن هو الهدى وبدونه فأنت ضال ، {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}[البقرة2]، {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ }[آل عمران138] ،وقال سبحانه :{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }[يونس57]،.هذا هو الأمر الأول فكن منه على بينة فإذا كنت منه على بينه فأعطه غالب اهتمامك وليس فضلة وقتك ، أيها المبارك: إذا كانت هذه منزلة القرآن في قلبك فصدق هذا القول والاعتقاد بالفعال ثبتنا الله وإياك على درب الهدى والإيمان .

الأمر الثاني :

لابد أن تعلم أن القرآن نزل على القلب وأنه أو ل ما يخاطب القلب :{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ(194)} ويقول جل شأنه : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ}[العنكبوت49] ، ويوضح هذا قول ربنا جل في علاه أن المحل المقصود بالقرآن هو القلب :{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها }، وهذا هدي النبي صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم ،فلم يكن مقصودهم كثرة القرآن وتردادُه بل هو الخشوع والتدبر والتأثر به ، فهذا نبينا الكريم صلى الله عليه و سلم ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قام ليلة كاملة بآية واحدة يرددها حتى الصباح :{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[المائدة118]،والله سبحانه يبين أن حلول بركة القرآن على الإنسان تكون بالتدبر والتأمل فيه {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[ص29]،ولهذا جاء الذم والتوبيخ لمن قرأ القرآن بغير تدبر ، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لقد أنزلت علي الليلة آية ، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}[آل عمران190]،إلى آخر الآيات في سورة آل عمران ، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه عن القرآن : "قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكون هم أحدكم آخر السورة " ، وهذا الأمر يحتاج منك إلى مجاهدة وصبر {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.

الأمر الثالث :


-كيف نقرا القرآن :إن هذه القضية لأهميتها ومكانتها و- من أعظم أسباب الهداية للقرآن- فلم تترك للاجتهاد بل جاء النص صريحاً بها ، وهي أن يقرأ القرآن قراءة متأنية مترسلة وبدون عجلة يقول ربنا جل وعلا في محكم التنزيل :{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً }[الإسراء106 ]، ولما جاء الأمر بقرآءة القرآن جاء الأمر بأن يقرأ بالترتيل وهو الترسل والتأني وليس بالعجلة :{ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }[الفرقان32] ،{ورتل القرآن ترتيلاً}، والله أمر نبيه بأن يقرأ القرآن بهذه الكيفية وقد امتثل أمر ربه يقول سبحانه :{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }فكانت قراءة النبي صلى الله عليه و سلم مداً وكانت مترسلة وكانت قراءته مفسرة حرفا حرفاً كما وصفتها أم سلمة رضي الله عنها .بهذه الطريقة أخي المبارك يستفاد من القرآن وتطعم حلاوته ونوره وهدايته وفقنا الله واياك لاتباع هدي المصطفى وامتثال أمره .

الأمر الرابع :


بأي القرآن نبدأ؟:لقد كان النبي الكريم صلى الله عليه و سلم قدوةَ المعلمين وإمامَ المربين يعلم أصحابه الإيمان أولا قبل تعليم الأحكام ، فهذا جندب بن عبدالله يقول : "كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم ونحن فتيان حزاورة ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فازددنا به إيماناً "أ.هـ ، والمقصود هو العناية بالآيات التي نزلت أولاً والتي تُذكِّر بعظمة الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وتذكر بالموت واليوم الآخر فإن القلوب إذا امتلأت إيماناً وحباً وتعظيماً وخوفاً من باريها سلهت عليها الأحكام الشرعية وسارعت في تطبيقها والعمل بها ، وتبين لنا عائشة هذا المنهج كما جاء في البخاري أنها قالت : "إنما نزل أولَ ما نزل سورةٌ من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام .."أ.هـ، فالأولى أن نعتني بآخر خمسة أجزاء في المصحف الشريف من سورة ق إلى الناس فهذا هوالمفصل ، ونولي هذه الآيات والسور عناية كبيرة قراءة وتدبراً وفهماً وتكراراً فاللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر انفسنا ياأرحم الراحمين .

الأمر الخامس :


أن نستعين على فهم القرآن بقراءة ما يبين ما استغلق علينا من معانيه، ولن يكتمل التأثر بالقرآن حتى نفهم ما نقرأ فعليك بالاستعانة ببعض كتب التفسير الميسرة كتفسير الشيخ السعدي أو زبدة التفسير للشيخ الاشقر أو المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير للمباركفوري ، ولكن أختم كلامي وأقول أيها المسلمون تأملوا وتدبروا معي آيةً في كتاب الله يكون فيها مسك الختام حتى نعلم كيف نحيا بالقرآن يقول المولى جل شأنه : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }[ق37]،لن يتذكر إلا من كان له قلب واعي واستماع وحضور وشهود وليس غفلةً وتغافلاً، من أراد أن يتعظ بالقرآن فلابد أن يهيء الجو لذلك فيكف يخشع من يكون في مجلس صخب وكلام ، كيف يخشع من قلبه معلق بالدنيا وهو يفكرفيها ولا يجاهد نفسه ليحضرها مع القرآن، إن الشهود ليس شهود البدن ولكن شهود القلب والعقل .

يقول العلامة السعدي عند تفسير هذه الآية: " أي: قلبٌ عظيمٌ حيٌ ، ذكيٌ زكيٌ ، فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله تذكر بها وانتفع بها فارتفع ، وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله واستمعها استماعاً يسترشد به وقلبه شهيد أي حاضر ، فهذا أيضاً له ذكرى وموعظةً وشفاءً وهدى ، وأما المعرض الذي لم يصغ سمعه إلى الآيات فهذا لا تفيده شيئاً لأنه لا قبول عنده ولا تقتضى حكمة الله هدايةَ من هذا نعته "أ.هـ .

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8349 مشاركة

كتب فى :  - 12/01/2011 :  18:13:44  Show Profile



لقد كنت في غفلة من هذا


الشيخ د. ناصر الحنيني


الخطبة

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، واشهد أن لا إله إلاالله إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغر الميامين وعلى مكن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين أما بعد :

عباد الله :إن طريقة القرآن في التنبيه على سبل النجاة وبيان أسباب الحرمان والخسارة في الدنيا والآخرة ، ذكرُ الأسباب الرئيسية ، التي تدور عليها أسباب الانحراف والضلال ، ويركز القرآن عليها ليجلي لنا تلك الأسباب حتى ننهضَ بأنفسنا، ونسعدَ في الدنيا والآخرة ،وإن من الأسباب المهمة التي أشار إليها القرآن الكريم: الغفلة نعم الغفلة بكل صورها وأشكالها فالقرآن أشار إلى أعظم أنواع الغفلة وهي الغفلة عما خلق الإنسان له وهي أن يكون عبداً لله وحده لا غير (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ )[الأعراف172]، وعندما يعاين الكفار هذه الحقيقة العظيمة يصرحون بأن سبب كفرهم وضلالهم هو الغفلة {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ )[الأنبياء97]. بل الضلال والحرمان من كل خير سببه الغفلة كما قال سبحانه :(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)[الأعراف146]

إن الغفلة عن الحياة الحقيقة هي حقيقة الحرمان وحقيقة البؤس والشقاء ،إن الذي لم يطعم حقيقة الإيمانِ والتوحيد ِوالإخباتِ لله والانطراحِ بين يديه والذلِّ له وحده دون ما سواه يعيش بعيداً عن الحياة الحقيقية ولو حاز الكنوز والقصور ، ولو ركب الطائرات واستقل السفن والباخرات ، ولو سكن في الناطحات ، ويجلي لنا القرآن حقيقة الحضارات الزائفة التي عبدت المادة وأعلت من شأنها ولم تهتم بشأنِ الإنسانِ، وروحِهِ المتعطشةِ للإيمان يقول المولى جل في علاه (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)[الروم7]، إن أصحاب الحضارات المادية لن يقدموا السعادة للبشرية إلا بمنهج الإسلام الذي يقرر الحقيقة الغائبة عنهم وهي أن الدنيا زائلة وأن عمارة الأرض سبب نتقوى به حتى نجوز إلى تلك الدار الأبدية السرمدية ، ولهذا كانت الغفلة التي يشير إليها القرآن هي الغفلة عن هذه الحقيقة العظيمة وهي أن الموت حق وأن الساعة حقة وأن الجزاء والحساب حق كما قال سبحانه ،(وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ(20) وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(21) لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) فهذه الغفلة عن الحقيقة التي يكره ذكرها كثير من الناس ولكن لا بد من تذكرِها وعدمِ الغفلة عنها حتى تستقيمَ حياة الإنسان، ويسلمَ من الانحراف والضلال ، وأما الغفلة عن الآخرة وعن يوم الجزاء والحساب فيقول المولى جل وعلا : (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[مريم39]، ويقول سبحانه: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ) [الأنبياء1]

عباد الله :وإن من الأمور الخطيرة هي الغفلة عن آيات الله الكونية ، وعظاته الربانية التي يلفت بها عباده ، ولهذا فإن الغفلة عن هذه الآيات والعظات سبب في حلول العقوبات الربانية كما قال ربنا جل وعلا :(ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) [الأنعام131]، ويقول سبحانه : (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) [الأعراف136]،

عباد الله :كفى بؤساً وشؤما بالغفلة أن تكون هي أجلى صفات أهل النار والعياذ بالله

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[الأعراف179] بل هي صفةُ كلِّ من لاخلاق له :(إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ )[يونس7]

(ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107) أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(108) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ)

عباد الله :إن الغفلة لا يليق أن تكون صفةً للمؤمنين ومن صورها الغفلة عن ذكر الله

(وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ )[الأعراف205]

واعلموا رحمكم الله أن الغفلة غالبة على بني البشر : (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ )[يونس92]

والسعيد من وعظ بغيره ، والخير كل الخير هو في النجاة والسلامة من الغفلة أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

Go to Top of Page
Previous Topic الموضوع Next Topic  
صفحة سابقة | صفحة تالية
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة

|| Bookmark and Share