Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


االصحافة
 المنتديات
 المنتدى الاسلامى
 نور الأسـلام
 ::..!!..:: خطبــــــة الـجــمــعــــة ..!!..::
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
Previous Page | Next Page
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 25/01/2011 :  14:56:17  Show Profile

من فضائل سورة البقرة وسبب تسميتها


الشيخ عبد الحميد الجهني

الخطبة


إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهدِه الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون))
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ))
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))
أما بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.
عباد الله أيها المسلمون سورة البقرة يا عباد الله أطول سورة في كتاب الله عز وجل اشتملت علي الأحكام والحكم العظيمة من أمور الدين والدنيا هذه السورة العظيمة لها فضائل ، ومن ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر ( أن من قرأ سورة البقرة في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام ) ثلاثة أيام لا يقربه الشيطان , وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول ( اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه , اقرؤا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما , اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة ) هذا قول النبي صلى الله عليه وعلي آله وسلم :اقرؤا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران - الزهراوين- لأنهما منيرتان في الدنيا وفي الآخرة , يأتيان يوم القيامة سورة البقرة وسورة آل عمران تأتي يوم القيامة هاتان السورتان العظيمتان لصاحبها لمن كان يحفظها, ولذلك يقول الصحابى- عبدالله بن عمر- كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران أشير إليه بالبنان . لأنه يكون من أهل العلم , من حفظ البقرة حفظا جيدا مع معرفة المعاني والفقه والأحكام ,هذا شئ عظيم , من كان كذلك فإن البقرة وآل عمران تأتي يوم القيامة غمامتان أو غيايتان- الغمامة - معروفة : السحابة وكذلك تطلق الغمامة علي كل ما يظلك ومثلها الغياية أيضا , ما أظلك من سحاب أو من غيرة , ما أظلك فهو غياية ، أو تأتيان فرقان من طير صواف -الطير الصواف- المحلقة في الجو , تأتي البقرة وتأتي آل عمران كأنها فرقان أي كأنها فرقتان من طيور صفت في الجو , فهي كالغياية أو كالغمامة تظلك, تظلك يا من تحفظ سورة البقرة وسورة آل عمران, تحاجان عن أصحابهما , تشفع لك , تحاج لك عند الله سبحانه وتعالي , ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم سورة البقرة بمزيد فضل, فقال: اقرؤا سورة البقرة - يعني احفظوها وداوموا علي تلاوتها ومراجعتها- فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة , أخذها بركة علي صاحبها وتركها كذلك حسرة لأنه قد ترك خيرا كثيرا , (ولا تستطيعها البطلة) فسر الراوي للحديث البطلة بالسحرة , الساحر قال العلماء لا يستطيع أبداً أن يحفظ سورة البقرة لأن السحر يمنعه , ما يستطيع إلا إذا تاب وتخلي عن السحر والشعوذة , أما إذا كان ساحراً فإنه لايقوي أبدا ولا يستطيع أن يحفظها , وقالوا أيضا: من كان حافظا لسورة البقرة مواظبا علي تلاوتها لا يستطيع الساحر أن ينفذ إليه وكذلك السحر أيضاً لا يصل إليه بإذن الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تستطيعها البطلة ) البطلة ما تقوي أبداً مع هذه السورة العظيمة. عباد الله أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم وبارك علي نبينا محمد وعلي آله وأصحابه أما بعد عباد الله :-
سميت سورة البقرة بهذا الأسم لقصة البقرة المذكورة في كتاب الله عز وجل وهذه قصة كانت بين موسي عليه السلام وبين قومه من بني إسرائيل وذلك أن رجل كما يذكر أهل التفسير من السلف الصالح كان غنيا من بني إسرائيل كان ثريا وعنده مال وليس له وارث إلا ابن أخيه وهذا الابن أراد أن يستعجل أخذ المال والتركة فقتل هذا الثري- قتل عمه- , والأقوال مختلفة والقصص ولكنها تتفق علي هذا أن قريبا قتل قريبا له من أجل المال ثم ادعي علي قوم آخرين أنهم قتلوه فاختصموا وكاد أن يقع بينهم شر عظيم ثم ذهبوا إلي موسي عليه الصلاة والسلام يتحاكمون إليه - يعني فيمن قتل هذا الرجل - فربنا سبحانه وتعالي أوحي إلي موسي أن يذبحوا بقرة , قال لهم موسي إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة , الآن القضية المعروضة علي نبي الله موسي قضية هذا القتيل من الذي قتله وموسي يوحي إليه فهو يعلم الغيب بتعليم الله إياه ، فلما قال لهم اذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا - يعني نحن الآن جئناك بقضية عظيمة وخطيرة وهذه القضية كادت أن تفضي بنا إلي فتنة وإلي قتال وشر عظيم وتقول اذبحوا بقرة أتتخذنا هزواً- قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين -يعني أنا أستهزأ بهذه القضية وأستخف بها هذا لا يفعله إلا رجل جاهل وأعوذ بالله أن أكون كذلك - قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ثم اليهود بدأوا يتعنتوا علي طبيعتهم وعادتهم ، لو أخذوا بقرة وذبحوها لانتهت القضية ولكن أخذوا يتعنتون, قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي , مع أنه في البداية قال بقرة هم الذين شددوا , قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك - يعني متوسطة في عمرها - فافعلوا ما تؤمرون, لو أخذوا بقرة كذلك لانتهت القضية , قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها - لون فاقع يعني صافي نقي - تسر الناظرين , من نظر إليه أعجبته , والصفات كلما كثرت كلما قل الموصوف , قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهى إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون , قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ؛ انظروا إلي التضييق الشديد , أوصاف عظيمة ، إنها بقرة لا ذلول - يعني ليست عامل ما تعمل لم يذللها العمل , قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض - لأن الذلول هي التي تعمل في الحرث تثير الأرض وتسقي الحرث - مسلمة يعني ليست فيها عيوب - لا شية فيه - ليس فيها لون آخر إلا لونها , قالوا الآن جئت بالحق , الله أكبر وهذا يدلك علي جهل اليهود وعلي سخافتهم وضعف علمهم وقلة دينهم لأنه قد جاء بالحق في أول مرة , قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها يقول الله عز وجل فذبحوها وما كادوا يفعلون , طيب لماذا ما كادوا يفعلون ,لكثرة سؤالهم وتعنتهم ,ادع ربك يبين لنا...يبين لنا...يبين لنا هذا الإلحاح وهذا السؤال من جملة الأسباب التي جعلت هؤلاء اليهود هم المغضوب عليهم إلي يوم الدين , فذبحوها وما كادوا يفعلون , لماذا هذه البقرة ؟ يقول أهل التفسير بالنسبة لهؤلاء اليهود إنهم بحثوا عن هذه البقرة الموصوفة بهذه الأوصاف لم يجدوها إلا عند رجل واحد ويقال عند عجوز ما هي هذه البقرة إلا هذه البقرة الموجودة ما علي وجه الأرض إلا هذه واشتروا هذه البقرة بوزنها ذهبا ,يقول الصحابة من أهل التفسير إن اليهود لما شددوا شدد الله عليهم ولو ذبحوا بقرة مباشرة لانتهت القضية , لماذا هذه البقرة ؟ لأن الله سبحانه وتعالي أمر موسي وأمر اليهود أن يضربوا ببعض أعضائها هذا الميت , يقول الله تبارك وتعالي بعد ذلك ( وإذ قتلتم نفسا فادارئتم فيها- تدافعتم وتخاصمتم فيها - والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها - يعني اضربوا هذا القتيل ببعض أعضاء البقرة - كذلك يحي الله الموتي ويريكم آياته لعلكم تعقلون, قال العلماء إنهم أخذوا عضوا من هذه البقرة وضربوا به هذا الميت القتيل فأحياه الله وقام يتكلم وانتفخت أوداجه بالدم وقال له موسي من قتلك قال قتلني هذا وأشار إلي ابن أخيه ثم عاد ميتاً فأخذوا هذا الابن وقتلوه . هل استفاد اليهود ؟ يقول الله سبحانه وتعالي بعد ما أراهم هذه الآية العظيمة ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك - مع أنكم رأيتم الآية بأنفسكم - فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون) اللهم رقق قلوبنا يارب العالمين وأصلح أحوالنا واغفر ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين , اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم اغفر لجميع موتي المسلمين يا أرحم الراحمين ويارب العالمين والحمد لله رب العالمين.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 07/02/2011 :  10:40:26  Show Profile

خطبة الجمعة الموحدة بالقاهرة: المنتحر لا يشم رائحة الجنة..وخطيب مسجد الفتح برمسيس يدعو للاحتجاج بالطرق المشروعة..وإمام مسجد النور يؤكد: المنتحر يتسول شفقة الناس عليه

توحدت خطبة الجمعة اليوم فى معظم المساجد على تحريم الانتحار بكافة سبله واستنكاره كوسيلة للاحتجاج حتى وإن كان المحتج صاحب حق ،حيث أشار إمام وخطيب مسجد الفتح برمسيس فى خطبتهاليوم إلى أن من يقتل نفسا بغير حق ينال غضب الله ورسوله، مؤكدا أن الله حرم قتل النفس بغير حق سواء بالحرق أو بالشنق وكافة وسائل الانتحار، مستشهدا بقوله سبحانه وتعالى "ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق " وقوله فى الحديث القدسى "إذا وجهت لعبد من عبادى بمصيبة فتقبلها بصبر جميل سأستحى أن أنصب له ميزانا أو أنشر له كتابا"، داعيا كل من يبتليه الله بمصيبة فى ماله أو أولاده أو فى عمله أن يرضى بقضاء الله وقدره لينال الثواب الأعلى فى الآخرة وينال رضى الله عنه.

وأضاف خطيب مسجد الفتح خلال الخطبة، أن من له حق يجب أن يدافع عنه ويطالب به بكافة السبل والطرق الشرعية والاحتجاج وأن يلجأ للقضاء ويستشهد بالنصوص الدستورية ولا يلجأ للانتحار فهو حرام شرعا، مطالبا من له سلطة فى رد الحق لأصحابه أن يتقن عمله مستشهدا بقول الرسول "صلى الله عليه وسلم ""الساكت عن الحق شيطان أخرس"،"قل الحق ولو كان مراً"، مشددا على أن من يريد الجنة يجب أن يصل إلى نعمة العبودية لله من خلال الرضا الكامل بما كتبه الله له وعليه وأن ينتهج ما أمر الله ورسوله به وينتهى عما نهوا عنه.

أما الشيخ صلاح نصار ،خطيب الجامع الأزهر الشريف أكد أن الإنسان الذى يقدم على الانتحار ليس ضعيف الإيمان بل عديم الإيمان ، مستنكرا إقدام الشباب المسلم على الانتحار لأسباب تافهة من بينها حب الفتيات ، مشيرا أن الله أنعم على الإنسان بنعمة الحياة وهو الذى وهبها للإنسان وهو الوحيد الذى يستطيع أن يسلبها ، وأن الإنسان الذى يقتل نفسه أو يعتدى على نفس لا يملكها فهو حرام شرعا، مؤكدا أن المنتحر لا يشم رائحة الجنة، مضيفا أن الذى يقبل على الانتحار يرتكب جريمة منكرة لا يرضى عنها الإسلام مستشهدا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم"، مضيفا أن من يقتل مؤمن متعمد فجزاؤه جهنم ، وطالب خطيب الأزهر القضاء المصرى بتشديد العقوبة على من يصدم شخص بسيارته لأن هذا يندرج تحت باب الاستهتار وليس قتل خطأ حيث أنه قتل نفسا بغير حق.

وعلى جانب آخر قال الدكتور إسماعيل الدفتار خطيب مسجد عمرو عبد العاص، إن مجرد تمنى الموت حرام لأنه بمثابة كره لعلاقة العبد بربه حيث روى عن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أنه ذهب لأبى العباس ووجده فى حالة شديدة من المرض وسمعه يشكى مرضه ويتمنى الموت فقال له: يأبى العباس لا تتمنى الموت إذا كنت محسناً فيزداد إحساناً وإذا كنت مذنبا فيتوب الله عليه كما أوصى الرسول أمته: لا يتمنى أحدكم الموت أن كان محسناً لله فلعله يزداد حسناً ولأن كان مسيئاً فلعله يتوب إلى الله ،ولا يجوز تمنى الموت إلا فى حالة واحدة وهى الشهادة فى حالة دخول الأمة فى حرب للدفاع عن العقيدة وليس أن يقوم شخص معين يدعى الهدى ويفجر نفسه فى وسط الأبرياء مؤكداً قول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً سوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً).

وأضاف الدفتار فى خطبة الجمعة أن الله عز وجل حرم على الإنسان أن يزهق روحه بيده لأن الله جعل الموت سيف القهر الإلهى حيث ورد فى الكثير من الآيات أن الله عز وجل هو الذى يحيى ويميت ولا تخرج الروح ألا بإذنه ولكن أتاح الله قتل النفس فى ضوابط نص عليها القران وهى القصاص وجعل شخص معين موكل بهذه المهمة وهو القاضى حيث لا يجوز المفتى أن يحكم على شخص معين بالإعدام ولكنه يرى هل يستحق الإعدام أم لا، مؤكدا على أن أسباب الانتحار الشائعة مؤخرا لا تدعى أن يعصى الإنسان ربه فيجب التحلى بالصبر لأن المسلمين فى بداية الدعوة تم حصارهم لمدة 3 سنوات فى مكة وكانوا صابرين على الابتلاء ويجب علينا التحلى بالصبر وفقاً لقول الله تعالى ( ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص فى الأموال والأنفس وبشر الصابرين ).

كما أكد الشيخ أحمد التركى اليوم بخطبة الجمعة بمسجد النور بالعباسية على أن الانتحار من الناحية الشرعية من كبائر الذنوب وقد بين النبى (صلى الله عليه وسلم ) أن المنتحر يعاقب فى الآخرة بمثل ما قتل به نفسه فى الدنيا، مضيفا أن الانتحار ليس كفر أو خروج من الملة كما يظن بعض الناس بل هو من كبائر الذنوب، مؤكداً أن المنتحر الذى يضحى بحياته ودينه يتسول شفقة الناس عليه التى لا يشعر بها بعد موته.

مشيرا إلى أن الله يختبر قوة إيمان العبد المؤمن بالابتلاء والمشكلات التى يجب أن يتقبلها كل مسلم وأن يرضى بكل ما قسمه الله، متسائلا: لماذا لم يلجأ المصريون فى السنوات الماضية إلى الانتحار رغم تزايد مشكلات تزايد الغلاء والبطالة لأنهم يعلمون أن الانتحار مرفوض شرعاً وديناً.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 14/02/2011 :  13:55:52  Show Profile



حتى لا ننسى تاريخنا الهجري

الشيخ عبد الحميد الجهني


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله...
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُون بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
أما بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدي محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار..
أيّها المسلمون؛ عباد الله:
نستقبل في هذا الأسبوع؛ عامًا جديدًا هجريًّا إسلاميًّا؛ هو عام هجريٌّ إسلاميٌّ؛ وهذا التّقويم الهجريُّ الإسلاميُّ؛ الّذي كاد المسلمون أن يتركوه! بل تركوه في الأعمّ الأغلب؛ مع الأسف الشّديد!
وأصحاب النّبيِّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ ما رضوا لأنفسهم أن يكونوا تبعًا لغيرهم من الأمم؛ أو أذنابًا للكفرة؛ حتّى في هذه المسألة! فأسّسوا تقويمًا إسلاميًّا لأمّة محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ حتّى يكونوا مستقلّين حتّى في هذه المسألة! وقد وُضع هذا في زمن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه.
ففي السَّنة السّادسة عشرة ـ يعني بعد خلافته رضي الله تعالى عنه بثلاث سنوات تقريبًا ـ جاءت هذه الفكرة.
والسّبب ـ كما ذكر الحافظ: ابن كثير؛ في: "البداية والنّهاية" عن الواقديّ ـ أنّ صكًّا رُفِعَ لعمر رضي الله عنه؛ وفيه دَين لرجل على رجل، وأنّه يَحِلُّ هذا الدَّين في شعبان؛ فاخْتَلَفَ:
هل هو شعبان في هذه السَّنة؟
أم في السَّنة الّتي قبلها؟
أم الّتي تلي هذه الّتي هم فيها؟
ثمّ جمع الصّحابة وقال: ضعوا للنّاس تاريخًا يعرفون به حلول ديونهم.
فاجتمع أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم إلى الخليفة الرّاشد: عمر رضي الله تعالى عنه؛ يتشاورون في وضع هذا التاّريخ، وبحثوا في ثلاث مسائل؛ وكان في المجلس:
عثمان بن عفّان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الرّحمن بن عوف، وجمَعَ من كبار الأشياخ وأسياد الصّحابة رضي الله عنهم أجمعين.
#61591; بحثوا في المسألة الأولى:
هل يُنشئون تقويمًا مستقلاًّ خاصًّا بهذه الأمّة؟ أم يتْبعون غيرهم؟
#61591; وبحثوا ـ أيضًا ـ في المسألة الثّانية:
من أين يبدؤون هذا التّاريخ؟ من أيّ حَدَث؟
#61591; وبحثوا في المسألة الثّالثة:
من أيّ شهر يبدؤون العام؟
#61571; أما في المسألة الأولى؛ فبُحِثَتْ في هذا المجلس؛ فقال بعضهم ـ مقتَرِحًا ـ:
"نضع تاريخًا كتاريخ الفُرس"..
يؤرّخون بملوكهم؛ كلّما مات ملِك، وقام مكانه ملِك آخر؛ ذكروا وكتبوا تاريخًا جديدًا.
وقال بعضهم:
"نؤرّخ بتاريخ الرّومان؛ ببداية الإسكندر"..
وذكروا بعض التّقاويم؛ لكنّها رُفِضَتْ؛ لم يقبلْها عمر، ولم يقبلْها كبار الصّحابة!
أبَوْا أن يكونوا تابعين لهذه الأمم الهالكة! لهذه الأمم الكافرة!
واستقرَّ الرّأي على أن: ينشِؤوا تاريخًا جديدًا؛ يكون خآصًّا للمسلمين!
وهذا الّذي ينبغي!
نحن أمّة متميّزة! أمّة موحّدة.. أمّة كرّمها الله.. وشرّفها الله.. ورفعها الله.. وجعلها خير الأمم! لا بدّ أن نكون مستقلّين؛ حتّى في تواريخنا! ألاّ نكون تبَعًا لغيرنا! والأسوأ: أنّ هذا التّبع؛ هم أمّة كافرة بالله وباليوم الآخر!!
فأجمَعوا على أن يكتبوا تاريخًا جديدًا.
#61571; فبحثوا في المسألة الثّانية:
من أين يبدؤون؟... من أين يبدؤون في هذا التاريخ؟
فقال بعضهم: نبدأ من مولد النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.
وقال بعضهم: نبدأ من مبعثه.
وقال بعضهم: بل نبدأ من هجرته.
إذًا: لا بدّ أن يُربَط التّاريخ برسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.
هل نبدأ من الولادة؟ هل نبدأ من المَبعث؟ أم من الهجرة؟
فكان رأي عليّ بن أبي طالب ومعه جماعة من الصّحابة؛ أن نبدأ من الهجرة؛ لأنّها أظهر من المـَوْلد والبعثة، وأشهر، وأثرها عظيم؛ وتأسّستْ بها دولة الإسلام في المدينة؛ فاختار عمر هذا الرّأي، واستقرّ المجلس عليه؛ أن تكون بداية تدوين التّاريخ من: هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ فأوّل سنة في هذا التّاريخ الإسلاميّ؛ هي السَّنة الّتي قضاها النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في المدينة؛ وهي أوّل سنة قضاها بالمدينة.
إذًا: هذا هو مبدأ التّاريخ: هجرة رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم من مكّة إلى المدينة.
بعدما استقرّ رأي المجلس؛ على أن تكون بداية التّاريخ من هجرة المصطفى عليه الصّلاة والسّلام:
#61571; بحثوا في المسألة الثالثة:
من أين نبدأ العام الهجري؟
فكان هناك رأيان:
#61571; رأي يقول: نبدأ من شهر ربيعٍ الأوّل؛ لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم دخل المدينة في هذا الشّهر؛ فنبدأ ببداية الهجرة وبدخول رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم إلى المدينة.
#61571; والرّأي الآخر يقول: بل نبدأ من شهر الله المحرّم؛ من الشّهر المحرّم؛ لأنّ هذا الشّهر هو: أوّل الشّهور العربيّة الهلاليّة؛ ولأنّه يكون بعد فريضة عظيمة، وركن عظيم من أركان الإسلام؛ وهو الحجّ.
فاستقرّ الرّأي، واختار عمر والمجلس معه الرّأي الثّاني؛ على أن تكون البداية من شهر الله المحرّم، ولأن هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ بدأ التّخطيط لها قبلها بشهرين أو بثلاثة؛ يعني أن مبدأ الهجرة يكون من شهر الله المحرّم؛ فلا تعارض بين الرّأيين.
ومع أنّ الصّحابة استقرّوا على الرّأي الأوّل؛ مع أنّ الصّحابة في هذه المسألة الأخيرة استقرّوا على الرّأي الّذي يقول: "إنّ البداية تكون من شهر الله المحرّم"؛ إلاّ أنّ بعض العلماء أخذ بالقول الثّاني؛ كما ذكر السُّهيلي عن الإمام مالك بن أنس؛ أنّه يرى أنّ البداية تكون من: ربيعٍ الأوّل؛ لكنّه قول ضعيف، وليس عليه العمل؛ الّذي استقرّ عليه العمل عند المسلمين أنّ الشّهر المحرّم هو أوّل الشّهور، وهو البداية، وهي الشّهور التي أقرّها الله سبحانه وتعالى، وشرعها للنّاس في كتابه:
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}
هذه هي الشّهور الهلاليّة الإسلاميّة الّتي تبدأ بـ: "المحرّم"، وتنتهي بـ: "ذي الحِجّة"؛ هي الشّهور المذكورة في كتاب الله عزّ وجلّ، وهو التّوقيت العالمي على الصّحيح:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}
الأهلّة هي الّتي تبدأ بها الشّهور العربيّة الإسلاميّة وتنتهي؛ وليست كالشّهور الإفرنجيّة؛ لا تعتمد على شيء محسوس! ولا على شيء يعرفه النّاس! ولا على شيء مشروع!
لكنّ الشّهور العربيّة الإسلاميّة ـ هذه ـ تعتمد على شيء ظاهر ومعروف؛ وهو مقرّر شرعًا وحسًّا! هي تعتمد على الأهلّة؛ والأهلّة هذه هي مواقيت للنّاس؛ جعلها الله سبحانه وتعالى مواقيت للنّاس.
فإذا أردنا التّوقيت: العالمي... الكوني... الشرعي؛ الّذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم؛ هو توقيت المسلمين؛ وهو تقويمهم، وتاريخهم الّذي يؤرِّخون به من زمن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ إلى هذا العصر.
لكن! مع الأسف! من نحو مئة سنة أو مئة وخمسين؛ لمّا هجم الاستعمار على بلاد الإسلام أرغم المسلمين على ترك هذا التّاريخ!
وتعرفون أنّ المستعمرين من اليهود والنّصارى من دول الكفر كـ: بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا؛ إلى آخره... هذه الدّول الأوربيّة الكافرة النّصرانيّة المتعصّبة؛ الّتي استعمرتْ بلاد الإسلام في المشرق وفي المغرب؛ أرادت أن تمسخ الحياة الإسلاميّة! وأن تنقل المسلمين من دينهم وعقيدتهم وحياتهم الإسلاميّة؛ إلى ما هم عليه من النّصرانيّة والكفر! فأرغموا المسلمين ـ وكانوا يحكمون هذه البلاد ـ أرغموهم على ترك التّاريخ الهجري! وأن يؤرِّخوا وأن يقيّدوا الأحداث والوَفَيَات والمواليد؛ إلى آخره... أن تُقيّد كلّها بالتّاريخ الإفرنجي النّصراني! التّاريخ الأوروبّي.
واشتَهرَ وظهر وانتشر واستقرّ هذا التّاريخ في البلاد العربيّة وغير العربيّة من البلاد الّتي استُعمرتْ عشرات السّنين؛ حتّى نشأتْ هذه الأجيال وهي لا تعرف التّاريخ الهجري! لا تعرف التّاريخ الإسلامي! نشؤوا على تواريخ الإفرنج! على تواريخ النّصارى! ونشؤوا كذلك على معرفة الشّهور الميلاديّة هذه!
كثير منهم لا يعرف الشّهور العربيّة! لا يعرف منها إلاّ "رمضان" ممكن، وشهر "ذي الحِجّة"؛ لأنّها ترتبط بركنين عظيمين من أركان الإسلام؛ أمّا لو سألتَه وطلبتَ منه أن يرتّب لك الشّهور العربيّة؛ لا يستطيع! لأنّه لا يحفظُها! ولا يعرفُها! ولو سألتَه عن ميلاده لذكر لكَ التّاريخ الميلادي؛ التّاريخ الإفرنجي النّصراني؛ لا يعرفُ غيره! لا يكادون يعرفون شيئًا عن تاريخ المسلمين!... فلا حول ولا قوّة إلا بالله!
وإذا نظرنا نحن في الكتب القديمة؛ الكتب الإسلاميّة؛ لا نرى أبدًا ذكرًا لتاريخ النّصارى!
ارجعوا إلى تواريخ المسلمين؛ أيّام قوّتهم؛ وأيّام عزّتهم، وأيّام مجدهم؛ لا يقلِّدون غيرهم أبدًا! ولا يتْبعون أمّة من الأمم الكافرة! إنّما يؤرِّخون بتاريخهم!
هذه هي الكرامة، وهذا هو المجد والعزّ!
لكن لمّا استُعمروا وقُهِروا؛ أصبحوا يتْبعون غيرهم؛ يؤرِّخون بتاريخ النّصارى!
والآن بدل من أن نُعلِّم النّاشئة الرّجوع إلى تاريخ المسلمين، إلى تاريخنا الّذي أرّخناه، والّذي ارتبطتْ به أمجادُنا وتاريخُ أمّتنا عبر أربعة عشر قرنًا؛ بدل أن نعيد النّاس إلى هذا التّاريخ؛ إذا بنا نتْبع المستعمرين تبعيّة عمياء، ونزداد في هذه التّبعيّة! نحاول؛ بل هم يحاولون مع الأسف؛ يحاولون حتّى التّواريخ القديمة الّتي أُرِّختْ بالتّاريخ الهجري؛ نرى كثيرًا من المسلمين يحوِّلونها إلى التّاريخ الميلادي! حتّى تنجح وتتمَّ عمليّة المسخ!
نحن الآن ما بقي في أيدينا من التّاريخ الهجري إلاّ التّواريخ القديمة:
متى غزوة بدر.. ومتى غزوة أحد.. ومتى غزوة الخندق.. متى توفي عمر بن الخطاب.. متى استُشهد عثمان.. متى استُشهد عمر.. متى استُشهد عليّ.. متى كانت دولة بني أميّة.. متى كانت دولة بني العبّاس.. متى تُوفّي هارون الرّشيد.. متى تُوفّي أحمد بن حنبل.. وهكذا..
التّواريخ القديمة هي الّتي بقيت على التّاريخ الهجري، ونحفظها!
الآن... بدأت عمليّة مسخ لهذه التّواريخ! في الكتب الحديثة؛ بدل أن يؤرِّخ ـ مثلاً ـ وفاة ابن تيمية بالتّاريخ الهجري؛ يؤرِّخها بالتّاريخ النّصراني! حتّى تتمّ عمليّة المسخ هذه!
يعني: هم تركوا التّاريخ الهجري في المواليد والوَفَيات والحوادث المعاصرة؛ أيّ حادث الآن معاصر من مئة سنة؛ لا يحفظه النّاس إلاّ بالتّاريخ النّصراني! يقولون:
"حرب ثمانية وأربعين".. و"ثورة كذا وكذا".. و"حرب كذا وكذا"..كلُّها مقيّدة بالتّاريخ النّصراني!

ويقول:
"حرب أكتوبر"؛ وهي كانت في "رمضان"؛ وينبغي أن تُقيَّدَ بـ: "رمضان"! سبحان الله! وهذا والله أعجبُ له!...
رمضان ـ هذا ـ حصلت فيه معارك إسلاميّة خالدة، وهذه المعركة كانت في "رمضان"؛ فينبغي أن يُقال: "حرب رمضان"؛ فإذا به يُقيِّدونها بتاريخ النّصارى؛ وبشهر إفرنجي!... مسخ عجيب لتاريخنا وتاريخ أمّتنا!
والآن! رَجَعُوا حتّى إلى الأحداث القديمة؛ يمسخونها ويغيّرونها... فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله!
ولقد رأيتُ بالأمس بطاقةً أصدرَتْها بعض الجمعيّات الخيريّة؛ وهو تقويم؛ فنظرتُ في الشّهر الأوّل في هذا التّقويم؛ نظرتُ في هذه البطاقة؛ في الشّهر الأوّل؛ فإذا بي أرى الشّهر الأوّل منقسم على: ذي الحِجّة ومحرّم! فتعجّبت! الشّهر الأوّل المربّع الأوّل؛ المربّع الأوّل منقسم على" ذي الحِجّة ومحرّم! فرأيتُ أنّ هؤلاء النّاس اعتمدوا تاريخ النّصارى!... ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله! حتّى أنهم بدؤوا في هذا التّقويم لم يبدؤوا بتاريخ المسلمين؛ بـ: واحد محرّم! وإنّما بدؤوا بتاريخ الإفرنج؛ بتاريخ النّصارى!... والله المستعان!
بدل أن نعيد النّاس... وأن نذكّر النّاس... وأن نعلّم النّاس... وأن نربط النّاس بتاريخنا، وتاريخ أمّتنا؛ إذا بنا نعين على تغييب هذا التاريخ! وعلى القضاء عليه حتّى ينساه النّاس تمامًا! فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله!
والنّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ بشَّر وذكر وأخبر أنّه: ((لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّّتِي عَلَى الْحَقِّّ ظَاهِرِيْن)) ... الحمد لله؛ لا تزال طائفة متمسّكة بتاريخ المسلمين؛ بالتّاريخ الهجري؛ وإن كان تاريخ النّصارى قد أصبح تاريخًا عالميًّا!... هكذا نجحوا في فرضه على النّاس! ونحن تاريخنا تاريخ الأمجاد، وتاريخ الإسلام؛ نستحي من ذكره! ومن التّأريخ به!... فلا حول ولا قوّة إلا بالله!
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين... وأن يعيد هذه الأمّة إلى مجدها وعزّها وكرامتها...
عباد الله: أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه... إنّه هو الغفور الرّحيم.
#61477; #61477; #61477;
الحمد لله ربّ العالمين... وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أمّا بعد:
عباد الله: مسألتان متعلّقتان بهذا الأمر وهو: التّاريخ:
#61601; قد يقول قائل: إنّ التّاريخ الميلادي هذا الّذي نسبْتَه إلى النّصارى؛ أصبح مُعتَمَدًا في بلاد العالم كلِّها، وتؤرَّخ به أشياء كثيرة مهمة؛ فكيف نتخلّى عنه ونتركه؟!
فالجواب على هذه الشُّبهة:
نحن ما طلبنا أن نهمل هذا التّاريخ تمامًا، وأن نتجاهله، وأن لا نعرفه؛ ولكن الّذي نريده أن لا نهمل تاريخنا، وأن لا ننساه، ونضيّعه؛ أن نحتفظ به، وأن يكون هو المقدَّم، وهو المعتمد، وهو المحفوظ؛ هو الّذي نعتمده.
ثمّ تاريخ النّصارى هذا ـ التّاريخ الميلادي ـ يُذكر إذا كان هناك فائدة وحاجة إليه؛ إذا كان هناك فائدة وكانت هناك حاجة؛ يُذكر ويُحفظ؛ إذا كانت فيه مصلحة ومنفعة؛ كثير من الأمور تُقيّد به الآن من السّفريّات وغيرها؛ فنحفظه من أجل هذه المنفعة وهذه المصلحة؛ ولكن ليس على حساب تاريخنا الإسلامي! التّاريخ الهجري هو المقدَّم.. هو الأساس.. هو المعتمد؛ فإذا كان التّاريخ الميلادي هذا ما في فائدة منه وليس هناك مصلحة في ذكره؛ إذًا نعتمد تاريخنا الإسلامي فقط! ولا نذكر غيره.
فإذا سُئِلْتَ أيّها المسلم عن حدَثٍ أو عن شيء متعلّق بك؛ فلْتُقِيِّدْ هذا بالتّاريخ الهجري؛ متى ولدتَّ ـ مثلاً ـ متى ولدت؟ أن تقول: "ولدتُّ في سنة كذا وكذا"؛ بالتّاريخ الإسلامي الهجري؛ ولا تذكرْ تاريخ النّصارى؛ فإنّك لو أرّخْتَ بتاريخ النّصارى فإنّك تساعد في هذه الحملة المغرضة البشعة الشّرسة على تاريخنا وعلى تاريخ أمّتنا... ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله!
#61601; المسالة الثانية التي أنبّه عليها وهي مسألة مهمّة:
بعض النّاس الآن اعتاد أن يهنّئ بدخول السَّنة الجديدة؛ إذا دخل العام الجديد؛ يقول بعضهم لبعض: "كلّ عام وأنت بخير" أو نحو هذه العبارة؛ وهذا يا إخواني غلط! لأنّ السَّنة الجديدة ليست عيدًا! ننتبه إلى هذه النّقطة:
دخول السَّنة ليس عيدًا! نحن المسلمون عندنا عيدان فقط؛ لا ثالث لهما: {عيد الفطر وعيد الأضحى}؛ هذه أعيادنا السّنويّة: {عيد الفطر وعيد الأضحى}؛ فإذا أردتَّ أن تُهنِّئ؛ فإنّك تُهنِّئ في هذين العيدين؛ أمّا في دخول السَّنة فليس هذا بِعِيد! فكيف تُهنِّئ به؟!
#61591; أيضًا هنا أيضًا نقطة مهمّة لها علاقة بشيء يُعتبر من كبائر الذّنوب!
الّذين يهنّئون برأس السَّنة هم النّصارىَ! فالنّصارى عيدهم في رأس السَّنة؛ فإذا دخل العام هنّأ بعضهم بعضًا؛ فنحن لو هنّأ بعضُنا بعضًا بحلول العام؛ فقد وقعنا في مشابهة النّصارى! لأنّهم هم الّذين يهنئون في هذه الأيّام؛ هم الّذين يقولون: "كلّ عام وأنت بخير" ونحو هذه العبارات.
فأنت إذا هنّأْتَ بحلول العام الجديد؛ بحلول السَّنة الجديدة؛ فقد وقعْتّ في التّشبُّه! التّشبُّه بأهل الكتاب!
والنّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم منعنا وحرَّم علينا أن نتشبّه بأهل الكتاب؛ وقال عليه الصّلاة والسّلام: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ))!
فلا تهنئة! يكفي أن يهنّئ بعضنا بعضًا بعيد الفطر وبعيد الأضحى؛ هذا الّذي شرعه لنا ربّنا سبحانه وتعالى.
أمّا التّهنئة برأس السَّنة وبحلول العام الجديد؛ فهذه لا تجوز! وذلك لأمرين كما ذكرْتُ:
الأمر الأوّل: أنّ هذا ليس عيدًا حتّى يُهنّئ بعضنا بعضًا؛ كأنّنا جعلناه عيدًا!
الثّاني: من فعل ذلك فقد وقع في التّشبّه بأهل الكتاب! تشبّه بالنّصارى؛ وهذا لا يجوز!
نسأل اللهَ سبحانه وتعالى أن يبارك في أعمارنا...
اللهمّ بارك في أعمارنا... وبارك في أيّامنا... وبارك في أوقاتنا يا ربّ العالمين...
اللهمّ اجعلنا ممّن طال عمره وحَسُنَ عمله... ولا تجعلنا ممّن طال عمره وساء عمله...
يا ربّ العالمين... ويا أرحم الرّاحمين... اجعل خير أعمالنا أواخرها... وخير أيّامنا يوم أن نلقاك...
اللّهمّ اغفر للمسلمين والمسلمات، وللمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات...
والحمد لله ربّ العالمين.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 14/02/2011 :  13:57:55  Show Profile

نصيحة للشباب في استغلال الأوقات

الشيخ عبد الحميد الجهني


إن الحمد لله، نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون } ، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه و على آله وصحبه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون، هذه نصيحة للشباب في استغلال الأوقات والإفادة من الفراغ ،لأن هذا الفراغ وهذا الوقت إما أن يكون لك وإما أن يكون عليك ، فنصيحتي لإخواننا أن يستغلوا أوقاتهم في ما ينفعهم عند الله سبحانه وتعالى، فإن الوقت هو الحياة وهو مزرعة الأخرة، فليعمل الإنسان وليجتهد وليستثمر هذا الوقت في طاعة الله عز وجل، فإن الإنسان إذا لم يشتغل بما ينفعه فإنه سوف يشتغل بما يضره، وهكذا النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية ، فياإخواننا أنتم مُقدِمون على إجازة، وهذه أوقات فارغة وأيام محسوبة عليكم فاستغلوها فيما ينفعكم، في طلب العلم النافع وفي الإستفادة وفي طاعة الله عز وجل ، ومعلوم أن خير ما تُصرف فيه الأوقات هو عبادة الله سبحانه وتعالى، من الصلاة ومن الذكر ومن تلاوة القرآن ومن المكوث في المسجد ومن مذاكرة العلم ومن حضور الدروس والمجالس العلمية وغير ذلك من الطاعات والقروبات التي لا ينبغي للشاب أن يغفل عنها أبداً، بدلاً من أن يصرف وقته في ما لاينفعه ويستغله الشيطان فيشغله في مايضره ، يشغله بالمعاصي والذنوب كما هو معلوم، فأولاً ينبغي للشاب في هذه الحالة أولاً أن يتخير الرفقة الصالحة التي تعينه على طاعة الله عز وجل، أن تبحث على أناس صالحين أناس طيبين تشتغل معهم فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، تشتغل معهم في طلب العلم في الإفادة، ولاتبحث ولاتصاحب رفقاء السوء فإنهم يشغلونك في معصية الله عز وجل، فأحذر أن تصاحب رفيق السوء، فإنه يصحبك إلى المعاصي والذنوب أبتعد عن هؤلاء الذين يضيعون أوقاتهم ويشتغلون في مايضرهم ولاينفعهم، وصاحب الصالحين وطلاب العلم الذين يصرفون أوقاتهم في طاعة الله عز وجل وفي ماينفعهم ، وكذلك أيضاً عليك أن تستثمر هذا الوقت وأنت في قوة الشباب وفي صحة الذهن وفي عافية البدن وكثرة الفراغ، أن تصرف ذلك في طلب العلم النافع، فتبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل، تبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل، تشتغل به ليلاً ونهاراً، تحفظ منه ما استطعت جزءً أو جزئين أو ثلاثة أجزاء بقدر ما تستطيع، وهكذا حتى تكمله، فلتكن بداية هذه الرحلة المباركة من هذه الإجازة أن تبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل، تحفظ في هذه الإجازة جزءً أو جزئين ثم تكمل وهكذا إلى أن تختم القرآن الكريم ،وهكذا تحفظ في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تبدأ بحفظ كتاب أو رسالة في الحديث النبوي، وخير مايُحفظ بعد كتاب الله عز وجل حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، تحفظ الأربعين النووية أو عمدة الأحكام أو بلوغ المرام والكتب النافعة، تبدأ تحفظها وكذلك أيضاً تستثمر الوقت في حضور الدروس في طلب العلم النافع، فإذا سمعت مثلاً بدروس أو بدورة علمية أو محاضرات نافعة أن تكون حريصاً على حضورها وعلى الإستفادة منها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقتا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى أهله وأصحابه أجمعين .
أما بعد.
عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أثنى في كتابه، وزكى العلم والعلماء، ولو لم يكن من ذلك إلا أنه قارن شهادة العلماء بشهادته سبحانه وتعالى وشهادة ملائكته ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) هذه الأية يقول العلماء إنها من أعظم مناقب أهل العلم ، بل هي ربما أعظم منقبة لهم، إن الله سبحانه وتعالى قرن شهادة العلماء بشهادته وشهادة ملائكته، مما يدلك على رفعة أهل العلم، ، شهد الله أنه لا إله إلا هو، هذه شهادة عن الوحدانية، فالله سبحانه وتعالى شهد على هذه الوحدانية وكذلك شهدت ملائكته وأيضاً شهد أهل العلم، فالله عز وجل هو الشاهد الأول ،والملائكة هم الشاهد الثاني، والعلماء هم الشاهد الثالث، فتأمل في هذه الرتبة الرفيعة في أهل العلم، شهادة الله ثم شهادة الملائكة ثم شهادة العلماء ، فمن أراد أن يحظى بهذه المرتبة، وأن يفوز بهذه المنزلة، فعليه بطلب العلم النافع والتحصيل حتى يصل إلى هذه الرتبة، ومن جد وجد ومن سار على الدرب وصل كما يقولون، فإن الإنسان إذا أجتهد في التحصيل والإشتغال وفي ملازمة طلب العلم ليلاً ونهاراً فإنه سيكون من العلماء، سوف يصل إلى هذه الرتبة إن شاء الله، ليس في الدين الإسلامي رجال دين لايمكن لأحد من الناس أن يصل إلى رتبتهم أو يكون منهم لا، وإنما الإسلام ليس فيه هذا ، رجال لهوت مثلاً، أو رجال دين، أو رجال كنيسة، وإنما الإسلام من طلب العلم النافع ومن جد واجتهد وحصله وعمل أصبح من أهل العلم كائن من كان وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح قلوبنا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يصلح أعمالنا، وأن يصلح نياتنا .
اللهم أغفرلنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وأنصرنا على القوم الكافرين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداءك أعداء الدين وأجعل هذا البلد أمناً مطمائناً وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين ، اللهم وفق إمامنا لما تحبه وترضاه، وفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد وإلي مافيه خير الإسلام والمسلمين وسائر حكام المسلمين يارحم الراحمين والحمد لله رب العالمين


Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 14/02/2011 :  14:01:17  Show Profile



وأحسن كما أحسن الله إليك

محمد بن عبد الحميد حسونة


إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله :
........|| يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ || سورة || آل عمران || الآية (102) .
........||يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً||سورة || النساء || الآية (1)
........||يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ||سورة ||الأحزاب|| الآية (70-71)
....أما بعد
....اعلم - رحمك الله تعالى- أن هذه الأمة متقدمة عن غيرها في الفضائل والمآثر، ممتازة عنهم بالمحامد، وما ذاك إلا بفضل الله عليها بالبعثة النبوية المباركة، فكانت||خير أمة أخرجت للناس|| وهذه الخيرية خيرية عامة في جميع مناحي الحياة، وفيما يخص السمو بشقيه : الروحي والبدني .
........فعندما تطهر النفس من آفاتها، وتتخلص من شهواتها، وتتحلى بالفضائل، وتتزين بالمكارم : تثمر أعظم الثمار، وتخرج لنا كل حسان .
........هذا .. وللإنفاق دور عظيم في تهذيب النفوس وإصلاح حال الفرد واستقامة المجتمع، يدرك ذلك كل ناظر، ويقف على حقيقته كل متأمل([1]) .
........ذلك .. إن في الإنفاق تليين وتذليل ومعالجة لتلكم لقلوب الصلدة القاسية، فالجود والسخاء- بإذن الله تعالى- يقلب البغضاء محبة، والعداوة وداً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هو مواساة للفقراء والمسكين والمعوزين عموماً .
........ولقد طبعت القلوب على حبّ من أحسن إليها، والميل إليه والنفور ممن آذاها وأساء إليها

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم.... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

........فبالإحسان تفتّح القلوب وتستملك، وتتآلف النفوس وتتواد، وتنسجم الأرواح وتتحاب، علم ذلك الأتقياء الأبرار فراحوا في دعوتهم للناس ومحبتهم في إيصال الخير لهم يغذونهم بنوعي الغذاء : الرُوحي والبدني :
....فالأول : تسمو به الأرواح وتنقاد إلى باريها .....
....والثاني : يستقيم به العود وتسد به الحاجات؛ فيتفرغ المرء إلى طاعة ربه .....
....فعمرت بإحسانهم قلوب أهل الحاجة من بعد جدب، وأشرقت وجوههم من بعد أُفول . ....
....فعلى هذا لا تمنعنّ أحداً رفدك([2])– وصلك الله تعالى وكفاك . ....
....أجل .. إن صنائع المعروف وبذل الندى ومساعدة المحتاج وسدّ الحاجات، دعائم بها تصلح المجتمعات وتتنزل البركات وتستجلب رضى رب الأرض والسماوات .
........لا سيما والناظر عن كثب يقف على حاجات وحاجات، والمسلمون عُرِفَ عنهم أنهم غيوث الكرب، والرفد في الجدب، هم أهل الشيم من حياء وكرم ووفاء ومروءة، هم رواد كل فضيلة وأحق الناس بها وأهلها .....
....نعم .. إن الكرم والإيثار خصلتان لا تجتمعان إلا في عبد موفق أريد به الخير .
........فكن–أخي- سعّاءً إلى كل مكرمة، ناهضاً بكل فضيلة، مقدماً في كل خير، سبّاقاً إلى كل برّ، فرّاراً من غرور للشيطان ووعوده .
........كن من أكرم قومك وأوصلهم وأبرّهم، مأوى الأيتام، وملاذ الضعفاء، وقبلة المحتاجين، فهذا والله من إرادة الله سبحانه بك الخير، ودليل على صلاحك، وبرهان فلاحك، وآية صدقك وإخلاصك، وبشرى لك في الدنيا قبل الآخرة، فرحم الله عبداً هذا حاله، وتلكم فعاله .
..........فـ || لن تكسب –أعزك الله تعالى- المحامد، وتستوجب الشرف إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مؤونة لاشترك فيها السّفّل([3]) والأحرار، وتساهم الوضعاء من ذوي الأخطار .....
....ولكن الله تعالى خصّ الكرماء الذين جعلهم أهلها ، فخفف عليهم حملها، وسوغهم فضلها، وحظرها على السفلى
لصغر أقدارهم عنها، وبُعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم||||جواهر الأدب|| للهاشمي ص(288) دار الكتب العلمية
........فيا أهل الندى والجدا([4]) هذه الحياة ميدانكم، وهذه الخلائق المتكاثرة في حاجة إلى نولكم وعطائكم، والرب سبحانه ناظر إليكم ماذا أنتم فاعلون .
........يا أصحاب القلوب الحية : ما أحوجنا إلى كل سجل([5])معطاء، يسدّ الله به حاجات، ويفرج به من قربات .
....الحاجة ماسّة إلى تخفيف معاناة المساكين، وسدِّ حاجة المعوزين، وفاقة المحتاجين، وجوعة الجائعين، وهمِّ المدينين، وكرب المكروبين .
........فمتى جاهد المرء منَّا نفسه، وتخلَّق بهذا الخُلق- أعني : خُلق الجود- قد يُرزَقه؛ إذ من المستقر الثابت أن الأخلاق منها الجبليّة ومنها ما يكتسب ([6]) ومصداق ذلك ما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم([7]): || إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه|| ||صحيح الجامع...|| برقم(2328). ‌
........فعوّد نفسك البذل، وحببها في العطاء، وسهّل لها السخاء، وعودها الكرم ترزقه –إن شاء الله تعالى- ويكون من سجاياك الكريمة، وشمائلك النبيلة، نسأل الله من فضله .
........يا أيها الرحماء : لقد وصف الله سبحانه عباده المؤمنين عموماً، وصحابة رسوله –صلى الله عليه وسلم-ورضي عنهم-خصوصاً بأنهم ||... رحماء...|| سورة ||الفتح|| الآية (29)ووصفهم تعالى في موضع آخر بأنهم : ||أذلة على المؤمنين ||سورة ||المائدة|| الآية (54) وأمر نبيه – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- والأمر له ولأمته، بقوله ||واخفض جناحك للمؤمنين||سورة ||الحجر|| الآية (88) فأشارت الآيات وأشادت بالمؤمنين الكُمّل، ووصفتهم بالرأفة بإخوانهم والرحمة بهم، وبكونهم لينين متواضعين متعاطفين متوادين .
........ومتى سادت مثل هذه الأخلاق العليا بين أفراد مجتمعنا الإسلامي –العظيم- ساد لسيادتها أفراده، وتحقق فينا المجتمع الرباني القائم بحق الله وحق عباده وحق النفس، وساعتئذ تتنزل البركات .
........فلنسعى- رحمكم الله تعالى- لتحقيق هذه الغاية السامية، وتنزيل هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة في واقعنا .
........قوموا على إخوانكم الضعفاء والمحتاجين، خذوا بأيديهم- حسياً ومعنوياً- سدوا حاجات ملحّة، داووا كلوما تنزف، امسحوا دموعا تُسكب، هدئوا روعات، وسكنوا اضطرابات في نفوس إخوانكم .
........فهنيئاً لصانعي المعروف، ويا سعادة من وُفِقَ لأسباب محبة الله الوهاب الغفور .
........||فالمعروف لازم لأهله يقودهم ويسوقهم إلى الآخرة، فاجتهدوا في الخير والزيادة، ولا ترضوا بالنقصان …
........فالله الله يا أولياء الله، يا أهل المعروف، فكونوا من أهل المعروف، وأعينوا الفقير وأغيثوا الملهوف، فعسى الله أن يغثكم يوم البعث إنه رحيم رؤوف|| ||بستان الواعظين ورياض السامعين|| للإمام أبي الفرج ابن الجوزي ص (306)....
....أيها المؤمنون عباد الله : وطّنوا أنفسكم على فعل الخير، وبذل المعروف، افتحوا للمحتاجين قلوبكم قبل بيوتكم، وطيبوا لهم نفساً، ولتسعهم منكم ابتسامة، أو كلمة تخفيف وإعانة، ويصحب ذلك كله، كلمات طيبات مباركات تنفعهم في استقامة دينهم، وصلاح دنياهم .
........فحري بك أخي أن تنظر في فضل مالك فتبذله()– أو بعضه؛ فإنه خير لك تقدمه، وستجده –والله- هناك وافراً موفراً أوفر ما يكون الجزاء، حتى إنك لتدهش لكثرته، وتتعجب من وفرته، فاعمل، فإنه لمثل ذلك يعمل العاملون، ولتعلمنَّ نبأه بعد .
....وبعد :....
....فيا أيها المحسان ([9]) أحسن أحسن، كما أحسن الله تعالى إليك .
........قدّم قدّم، قبل القدوم عليه–سبحانه .
........أبذل الندى أبذل، قبل أن يحال بينك وبينه .
........بادر بادر، قبل أن تُبادر .
........أسرع أسرع ، قبل أن تُفزع وتُصرع .
....
....واعلم بأن الله مخلف، وأن الأجر أوفر وأجزل، فإن تصدقت فاعلم أن هذا يتطلب منك حمداً : ....
....حمداً على أن جعل يدك العليا وأغناك عن ذلّ السؤال ومسكنة الحاجة .....
....حمداً على أم وفقك لإخراج الفضل ؛ فلولاه ما أخرجت ولا قدمت ولا تصدقت .....
....حمدا على الإصابة – إن وقعت موقعها- وإلا فالأجر ثابت وافر أوفر ما يكون .....
....حمداً على أن أجرى على لسان المتصدق عليه دعاءً لك، فزادك من الخير خير . ....
وفي بيان الفقر العام، وعظيم حاجة المخلوق إلى خالقه سبحانه قال تعالى : || يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ || سورة ||فاطر|| الآية(15)
....

وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى وإخوانه وآله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين
....
وكتب
الفقير إلى رحمة مولاه
أبو عبد الله
محمد بن عبد الحميد بن محمد حسونة
24/2/1429هـ - 2/3/2008م

....
....
....


--------------------------------------------------------------------------------


....
([1]) وأما كون العرب أكرم من غيرهم ||فذاك الذي لا يحتاج إلى بيان، ولا يعوز إلى إقامة دليل ولا برهان، قد شهد لهم به الأوداء والأعداء، واعترف لهم الأقربون والبعداء، إذا ألمّ بهم ضيف حكموه على أنفسهم، واستهانوا له ما وجدوه من نفيسهم، وهذا شعرهم ينطق بما جبلوا عليه، ويعرب عما ألفوه وجنحوا إليه وهو مما لا يمكن استيعابه في هذا المقام، ومن أين لنا الإحاطة بالبحر المحيط|| ||بلوغ الأرب|| للعلامة السيد محمود شكري الآلوسي ص(46)
....
....نعم .. فمن ذلك قول أحدهم :

رآني على ما بي عُميلة فاشتكى *** إلى مـاله حالي أسـرّ كما جهـر
دعاني فآساني ولـو ضنّ لم ألمُْ *** على حين لا بدو يرجى ولا حضر
غلام رمـاه الله بالخير يافـعا *** له سيمياء لا تشـقّ على البصـر
كأن ثريـا علقـت بجبـينه *** وفي خـده الشعرى وفي وجهه القمر

....
.... ولهذا قصة : ||مرّ عميلة الفزاري على ابن عنقاء الفزاري وهو يحتش لغنمه . وقيل : يحفر عن البقل ويأكله، فقال : يا ابن عنقاء ما أصارك إلى هذه الحال ؟ فقال له ابن عنقاء : تغير الزمان، وتعذر الأخوان، وضنّ أمثالك بما معهم . فقال عميرة : لا جرم والله لا تطلع الشمس غداً إلا وأنت كأحدنا ، ثم انصرف كل واحد منهما إلى أهله .
وكان عميلة غلاماً حين بقل وجهه، فبات ابن عنقاء يتململ في فراشه لا يأخذه النوم اشتغالاً بما قاله له عميلة ، فقالت له امرأته : ما شأنك ؟ فأخبرها الخبر، فقالت : قد خرفت وذهب عقلك حتى تعلق نفسك بكلام غلام حديث السن لا يحفل بما يجري على لسانه .
....
....ويحكى أنه لما أصبح قالت له ابنته لو أتيت عميلة فقد وعدك أن يقاسمك ماله، فقال يا بنية إن الفتى كان سكران ولا يدري لعله لم يعقل ما قاله ، فبينا هي تراجعه الكلام إذ أقبل عليهم كالليل من إبل وغنم وخيل، وإذا عميلة قد وقف عليه ، فقال : يا ابن عنقاء : اخرج إلي فخرج إليه ، فقال : هذا مالي أجمع ، هلمّ نقتسمه ، فقاسمه إياه بعيراً بعيراً وفرساً فرسا وشاةً شاة وجاريةً جارية وغلاماً غلاما ،
ثم انصرف، فقال ابن عنقاء الأبيات||أ هـ من ||بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب|| للآلوسي البغدادي ص(53-53)
....
([2]) الرفد : - بالكسر- العطاء والصلة
....
([3]) جمع سفلة : وهم طغام الناس وغوغاؤهم
....
([4]) الندا : الجود . والجدا : العطية
....
([5]) السجل : الجواد ||لسان العرب || لابن منظور (11/326) مادة ||سجل||
....
([6]) نعم .. فإن لم تكن الأخلاق قابلة للتغيير لم يكن للمصلحين دوراً في تهذيب النفوس وترويدها ابتداءً من الأنبياء والمرسلين وانتهاءً بآخر الدعاة المصلحين بين يدي الساعة وشاهد الوجود دليل على ما نحن بصدده بل والحسّ أيضاً ؛ فنحن نجد من أنفسنا وذوينا من هذا الشيء الكثير حتى صار ذلك الأمر عندنا يقين . انظر في ذلك|| ||شرح صحيح الإمام مسلم|| للإمام النووي (15/79) وما قاله الحافظ ابن حجر في ||فتح الباري|| (10/459)
....
([7]) وفي وصف جود قدوتنا–صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وطرائقه الطيبة فيه، وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى
....||كان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده .
....
....وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى، ولا يستقله .
....
....وكان لا يسأله أحد شيئاً عنده إلا أعطاه، قليلاً كان أو كثيراً .
....
....وكان عطاؤه عطاء من يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه .
....
....وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة.
....
....وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه .
....
....وكان ينوّع في أصناف عطائه وصدقته : فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً، كما فعل ببعير جابر، وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطفاً وتنوعاً في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن .
....
....وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيخرج ما عنده، ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى||||زاد المعاد|| للعلامة ابن القيم (2/21-22) فصل : هديه #61541; في صدقة التطوع
....
() أما المرأة، فلا ينبغي أن تغلبها عاطفتها، فتجود – جهلا- بحاجتها وحاجة من تعول، بل يجب عليها أن تنظر في الحقوق كل بحسبه، ونستأذن في كل هذا ولي أمرها : زوجا كان أو أبا... إلخ كل من له ولاية كل بحسبه، وعلى الله قصد السبيل .

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 14/02/2011 :  14:03:16  Show Profile



ملخص موجز في عقيدة أهل السنة والجماعة

الشيخ علي الحدادي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه، أما بعد:
فهذا ملخص موجز في عقيدة أهل السنة والجماعة ألقيته في خطبة جمعة ثم رأيت نشره في هذه الصفحات سائلاً المولى الكريم أن ينفع به ملفتاً نظر القارئ إلى أني استفدت من العقيدة التي كتبها الشيخ محمد بن عثيمين والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى:
أولاً: الإيمان بالله تعالى وهو الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
أما الإيمان بربوبيته فيعتقدون أن الله عز وجل هو الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور لا شريك له في خلق ولا إحياء ولا إماتة ولا جلب خير ولا دفع ضر. بل ذلك كله إلى الله تعالى كما قال سبحانه (الحمد لله رب العالمين) وكل ما سوى الله عالم والله ربه ومالكه ومدبر أمره.
والإيمان بألوهيته: يعتقدون أن العبادة حق خالص لله تعالى لا يجوز وأن يصرف شيء منها لغيره، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلاً عمن دونهما، وهذا معنى كلمة لا إله الله، فمن عبد غير الله فقد أشرك بالله في ألوهيته، كمن يستغيث بالأولياء، ويدعو الموتى، ويتقرب إلى الأضرحة، ويذبح للجن، ومن مات على هذا مات على الشرك الأكبر الموجب لصاحبه الخلود في النار والعياذ بالله قال الله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ) وقال تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقال تعالى (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)
والإيمان بأسماء الله وصفاته: أنهم يعتقدون وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه وبكل ما سمى به نفسه ووصف به نفسه أو سماه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم لا ينفون شيئاً منه ولا يحرفونه ولا يمثلون الله بشي من خلقه ولا يخوضون في الكيفية. كما قال سبحانه وتعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فيؤمنون بأن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه وأنه سميع بصير فعال لما يريد، يتكلم بما شاء متى شاء على الوجه اللائق بجماله وكماله، يؤمنون بأن له عينين وأن له يدين كريمتين، وأن له وجها موصوفاً بالجلال والإكرام، ويؤمنون بأنه على العرش استوى، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير، ينادي عباده أن يسألوه ويستغفروه ويدعوه، ويؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس لا يضامون في رؤيتها، قال تعالى (وهو القاهر فوق عباده) وقال تعالى (الرحمن على العرش استوى) وقال تعالى (ذو العرش المجيد فعال لما يريد) وقال تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) وقال تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) وقال تعالى (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) وقال تعالى (ولتصنع على عيني ) وقال تعالى (تجري بأعيننا) وقال صلى الله عليه وسلم (إن ربكم ليس بأعور) وقال صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه. وقال تعالى (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وقال تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وهكذا كل ما جاء في هذا الباب يؤمنون به على حقيقته لا يحرفونه ولا يمثلون الله بشيء من خلقه ويسكتون عما سكت الله ورسوله عنه.

ثانياً: الإيمان بالملائكة: فيؤمنون بأنهم كما قال الله عنهم (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) ونؤمن بما جاء في الآيات والأحاديث من أسمائهم وأوصافهم وأعمالهم فمنهم الموكل بالوحي ومنهم الموكل بالقطر ومنهم الموكل بالنفخ في الصور ومنهم الموكل بكتابة أعمال العباد ومنهم الحفظة ومنهم الموكلون بالأرحام ومنهم ملائكة رحمة ومنهم ملائكة عذاب إلى غير ذلك.
ثالثاً: الإيمان بالكتب فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله أنزل على رسله كتباً حجة على العالمين، ومحجة للعاملين، قال تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)
ومن هذه الكتب التوراة والإنجيل، والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن العظيم وهم خاتمها وناسخها محفوظ بحفظ الله له من عبث العابثين وزيغ المحرفين (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
رابعاً: الإيمان بالرسل: يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله بعث إلى خلقه رسلاً (مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً) وهم بشر مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية شيء أمر الله سيدهم وخيرهم أن يقول (لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله) وأن يقول (قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً) فهم عباد لله أكرمهم الله بالوحي واجتباهم بالنوبة والرسالة، وأولوا العزم منهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وخيرهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ليس بعده نبي، ولا يعبد الله بعدما بعثه إلا بالشريعة التي أوحاها إليه وهي دين الإسلام فمن زعم أن ديناً من الأديان الموجودة اليوم دين معتبر عند الله كاليهودية أو النصرانية أو غيرها فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتداً لأنه مكذب لله حيث يقول (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).
خامساً: الإيمان باليوم الآخر وهو يوم القيامة الذي لا يوم بعده حين يبعث الله الناس أحياء للبقاء إما في دار النعيم وإما في دار العذاب الأليم.
ومما يكون فيه أن الله يأمر إسرافيل أن فينفخ في الصور النفخة الثانية فيبعث الله من في القبور (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون)
فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة بلا نعال، عراة بلا ثياب، غرلاً بلا ختان (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين)
ويعطى الناس صحائف أعمالهم إما باليمين وإما بالشمال من وراء الظهر (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً )
وتوضع الموازين يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)
ويأذن الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع الشفاعة العظمى وهي خاصة به من بين أهل الموقف، فيسال ربه أن يقضي بين عباده وأن يريحهم من هول الموقف وكرباته، ويأذن الله لمن يشاء من صالحي عباده أن يشفعوا فيمن دخل النار من المؤمنين أن يخرجوا منها، ويخرج منها أقواماً من المؤمنين بغير شفاعة بل بفضل الله ورحمته.
ولنبينا صلى الله عليه وسلم حوض في عرصات القيامة ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من ريح المسك طوله شهر وعرضه شهر وآنيته كنجوم السماء حسناً وكثرة يرده المؤمنون من أمته الذين لم يحدثوا بعده في الدين، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً
وينصب الصراط على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم يمر أولهم كالبرق ثم كمر الريح ثم كمر أشد الرجال والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على الصراط يقول: (اللهم سلم، سلم) حتى تعجز أعمال العباد فيأتي من يزحف، وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكردس في النار.
ومنتهى الناس إما إلى الجنة وإما إلى النار أما الجنة فهي دار النعيم أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأما النار فهي دار العذاب أعدها الله للكافرين الظالمين فيها من العذاب والنكال ما لا يخطر على البال (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً) وهما موجودتان الآن وباقيتان أبداً.
ونؤمن بفتنة القبر وهي سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه فأما المؤمن فيثبته الله فيقول ربي الله وديني الإسلام ويشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه عبد الله ورسوله، وأما غير المؤمن فيقول (هاه، هاه لا أدري) قال تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء).
ونؤمن بعذاب القبر ونعيمه فالقبر لصاحبة إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار.
سادساً: الإيمان بالقدر: يؤمن أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته.
وللقدر أربع مراتب:
المرتبة الأولى: العلم، فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم.
المرتبة الثانية: الكتابة فنؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
المرتبة الثالثة: المشيئة فنؤمن بأن الله تعالى قد شاء كل ما في السموات والأرض، لا يكون شيء إلا بمشيئته، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
المرتبة الرابعة: الخلق فنؤمن بأن الله تعالى (خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، له مقاليد السموات والأرض).
هذا: ولا حجة في القدر للعاصي على معصيته، فإن الله تعالى قد أعطى العبد عقلاً يفهم به ما أمر به وما نهي عنه، وأعطاه إرادة واختياراً ولذا هو في حياته يقدم على ما ينفعه ويجتنب ما يضره، وغيب عنه القدر فالعاصي يقدم على المعصية وقد علم أنها معصية وأنه منهي عنها، يفعلها بإرادته واختياره، وهو لا يعلم أن الله قد كتب عليه هذه المعصية فكيف يحتج بما لا علم له به.
ثم هذا العاصي لو اعتدى عليه معتد فلطمه ثم اعتذر المعتدي بالقدر لما قبل منه، فكيف يفعل المعصية ويعتذر بالقدر، إن المقادير إنما يعتذر بها ويلجأ إليها في المصائب لا في المعائب، فاعملوا رحمكم الله بعمل أهل الجنة واثبتوا عليه، وجانبوا عمل أهل النار حتى تلقوا ربكم على الإيمان والعمل الصالح فتكونوا من أهل الجنة بفضل الله ورحمته.

سابعاً: عقيدة أهل السنة في الصحابة: أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم، خلفاءه وأزواجه، وسائر أصحابه، يشهدون بعدالتهم ويتولونهم، ويترضون عليهم، ويعتقدون أن أفضلهم وأحقهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
وما جرى بين الصحابة من الفتن فقد صدر عن تأويل منهم اجتهدوا فيه فهم بين مصيب له أجران ومخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور.
ويرى أهل السنة والجماعة أنه يجب الكف عن مساوئهم فلا يذكرون إلا بما يستحقون من الثناء الجميل، وأن نطهر قلوبنا من الغل والحقد على أحد منهم كما قال الله تعالى (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).
ثامناً: عقيدة السلف في الإيمان وقولهم في مرتكب الكبيرة:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وأن مرتكب الكبيرة كشرب الخمر والزنا، والسرقة وأكل الربا إذا فعل الكبيرة دون استحلال فإنه لا يكفر بكبيرته، ولكن ينقص إيمانه فهو مؤمن ناقص الإيمان.
تاسعاً:
يؤمن أهل السنة والجماعة بكرامات الأولياء وهي ما يجريه الله على أيدي الصالحين من عباده من الأمور الخارقة للعادة الأمور غير المألوفة. والولي هو المؤمن التقي كما قال تعالى (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ومن الكرامات الثابتة حمل مريم بعيسى عليه السلام دون زوج، ونوم أهل الكهف مدة ثلاثمائة عام وغيرها مما ثبت في الكتاب والسنة.
ومن الناس من ينكرها كالمعتزلة وأمثالهم، ومنهم من يغلو في إثباتها كالصوفية والقبورية الذين يدجلون على الناس كالدخول في النار وضرب أنفسهم بالسلاح وإمساك الثعابين، وغير ذلك مما يدعون أنه ببركة طريقتهم، ودليل على ولاية شيخهم الذي يعظمونه ويعتقدون فيه.
عاشراً:
يعتقد أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر في المعروف، ويرون ذلك قربة وديناً وإن جاروا وظلموا واستأثروا بالحظوظ الدنيوية، لا يسبون أولي الأمر، ولا يطعنون فيهم، ولا يغشونهم، ولا يؤلبون عليهم، ولا يخرجون عليهم بقلب ولا لسان ولا سيف بل ينصحون لهم ويتعاونون معهم على البر والتقوى.

ومع هذه الأصول العظيمة فإن أهل السنة يدعون إلى التحلي بمكارم الأخلاق كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصح، والصدق والشجاعة والكرم والسخاء والنصرة لمن يستحقها، وطلاقة الوجه وبر الوالدين، وصلة الرحم وحسن الجوار والعدل مع الموافق والمخالف، ويحذرون من مساوئ الأخلاق كالكذب والجبن والشح والبخل وقطيعة الرحم والفحش والبذاء والفواحش والمنكرات كأكل الربا والزنا وشرب الخمور والتبرج والاختلاط والمكاسب المحرمة وغيرها من المنكرات.
فإن التحلي بمكارم الأخلاق من مكملات العقيدة الصحيحة، ومساوئ الأخلاق مما تحط من درجة العبد عند ربه.
جعلني الله وإياكم من المستمسكين بعقيدة السلف الصالح إلى يوم نلقاه، و أن يجعلنا من الدعاة إليها على علم وبصيرة إنه جواد كريم.
والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.


Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 14/02/2011 :  16:34:11  Show Profile

التضرع إلى الله في الشدائد


الشيخ/سعد البريك

الخطبة الأولى


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله - تعالى - حق التقوى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور).
معاشر المؤمنين: في زمان التقدم وسباق التسلح، لا نزال نسمع كل يوم باختراع جديد أو اكتشاف فريد في عالم الأسلحة، على تراب الأرض، أو في فضاء السماء الرحب، أو وسط أمواج البحار والمحيطات، فالسلاح هو عتاد الأمم الذي تقاتل به أعداءها، ومقياس القوة والضعف في عُرف العالم اليوم إنما يكون بما تملك هذه الدولة أو تلك الأمة من أسلحة متطورة وعتاد متقدم.
ولكن ثمة سلاح لا تصنِّعه مصانع الغرب ولا تبيعه أسواق الشرق ولا تعرف سره مختبرات أوروبا التكنولوجية، إنه سلاح أنه عزيز لا يملكه إلا أمة هي خير أمة أخرجت للناس، أمة الدين الخاتم والرسالة الخالدة، إنه سلاح الأنبياء والصالحين على مرّ العصور، إنه التضرع والدعاء.
تضرع نوح - عليه السلام - إلى ربه فأُغرق أهل الأرض بالطوفان، وتضرع موسى - عليه السلام - فأنقذه الله من الطاغية فرعون وأغرقه في البحر، به نجى الله صالحًا وأهلك ثمود، وأذل عاداً وأظهر هود، وأعز محمداً - صلى الله عليه وسلم - في مواطن كثيرة.
والله - جل وعلا - يبتلي عباده ليستغيثوا به ويتضرعوا به، قال - تعالى -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)، وهذا من النعم في طيّ البلاء، والافتقار إلى الله هو عين الغنى ولب العبادة ومقصودها الأعظم، والتذلل له - سبحانه - هو العز الذي لا يجارى، والله يحب أن يسأله العباد جميع حاجاتهم حتى الطعام والشراب كما في الحديث القدسي: ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم)) (رواه مسلم).
المسلمون في فلسطين وفي كل مكان يقتَّلون ويذبَّحون الطائرات تمطرهم بقنابلها والدبابات تقصفهم بحُممِها والرشاشات تطلق نيرانها على الأبرياء والضعفاء والنساء والأطفال والرضع.
فما أحرى الأمة في خضمِّ هذه الكربات والشدائد أن تلجأ إلى من يفزع إليه المكروب ويستغيث به المنكوب وتصمد إليه الكائنات وتسأله المخلوقات وتلهج بذكره الألسن وتألهه القلوب.
يا ربِّ صفحَك يرجو كلُّ مُقترفٍ *** فأنت أكرم من يعفو ومن صفحا
يا رب لا سببَ أرجو الخلاص به *** إلا رجاءً ولطفاً منك إن نفحا
فمـا لجـأتُ إلى ربي بمعضلـة *** إلا وجدت جناب اللطف منفسحا
ولا تَضايَقَ أمـرٌ فاستجرتُ به *** إلا تفرَّج بـاب الضيـق وانفتحا
لما تكافأت قوى الكفر والطغيان على إبراهيم - عليه السلام - بعد أن حطم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله فتشاوروا وتباحثوا و: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) وشرعوا بجمع الحطب من كل مكان يمكنهم الجمع منه ومكثوا مدة في ذلك حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فجمعوا فيها ذلك الحطب وأشعلوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم - عليه السلام - في كفة منجنيق بعد أن قيدوه وكتفوه وأوثقوا رباطه ثم ألقوه في النار، فقال وهو في هذه الكربة العظيمة والمحنة الكبيرة داعياً ربه متضرعاً إليه مستغيثاُ به: (حسبنا الله ونعم الوكيل) فاستجاب الله له: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فما ضرته ولا آذته، ولم تحرق سوى وثاقه الذي كان مشدوداً به (البداية والنهاية لابن كثير 1/ 146 بتصرف يسير).
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قيل له: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) رواه البخاري.
فلماذا نحن غافلون عن هذا الدعاء العظيم؟!!.
يا رب حمداً ليس غيرك يحمد *** يا من له كل الخلائق تصمدُ
أبواب غيرك ربنا قد أوصدت *** ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ
لما ابتلى الله نبيه أيوب - عليه السلام - فسلبه كل ما حباه من نعمة المال والماشية والعبيد والأراضي والأهلين والأولاد ونزل بجسده أنواع الأسقام والأمراض حتى فتكت به أشد الفتك ولم يبق منه عضو سليم وتساقط لحمه فلم يبق منه إلا العظم والعصب وبقي قلبه ولسانه سليماَ ليذكر الله - عز وجل - به، وطال مرضه حتى عافه الجليس واستوحش منه الأنيس فأُخرج من بلده وألقي على مزبلة خارجها وانقطع عنه الناس ولم يبق له أحد يعطف عليه سوى زوجته التي كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه عل قضاء حاجته وتقوم بمصلحته ثم ضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وكان الناس لا يستخدمونها لعلمهم إنها امرأة أيوب خوفاً أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته، ومكث على هذه الحال ثمانية عشرة سنة، وكان له أخوان فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيراً لما ابتلاه بهذا، فجزع - عليه السلام - من مقالهما فلجأ إلى ربه مسترحماً مستغيثاً وقال: (ربِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فأوحى الله إليه: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) فامتثل ما أمر به فأنبع الله له عيناً باردة الماء فشرب واغتسل وأذهب الله ما كان به من بلاء ظاهر وباطن وعاد على أحسن ما كان. أورد ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الله ألبسه حلة من حلل الجنة، ثم تنحى من مكانه وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلى الذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب؟ وجعلت تكلمه ساعة، قال: ولعل أنا أيوب! قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد ردَّ الله عليَّ جسدي، ثم صب الله عليه المال صباً وأخلف له أهله ومثلهم معهم، قال - تعالى -: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).
قال ابن كثير: "أي تذكرة لمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه" (البداية والنهاية 1 / 224 بتصرف كبير).
ما كُشِفت البلايا والمصائب وما مُنع وقوع العذاب والهلاك بمثل التضرع لله، فهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله أو يخففه إذا نزل، به تفرج الهموم، وتزول الغموم كفاه شرفاً قرب الله من عبده حال تضرعه ودعائه، وأعجز الناس من عجز عنه، فهو عين المنفعة ورجاء المصلحة.
لما ذهب يونس - عليه السلام - مغاضباً التقمه الحوت فصار، في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر ظلمة بطن الحوت لجأ إلى عالم السر والنجوى وكاشف البلوى سامع الأصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت ومجيب الدعوات وإن عظمت، فقال: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فاستجاب الله دعاءه من قعر البحار وهو على عرشه واحد قهار فنجاه وفك كربته، فقال: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ). قال أبو هريرة - رضي الله عنه - طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة - شجرة الدباء - وهيأ الله له دابة تأكل من هشاش الأرض فكان يشرب من لبنها رحمة به ونعمة عليه وإحساناً إليه (البداية والنهاية 1 / 234 بتصرف يسير).
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)) رواه الترمذي والحاكم وصححه الألباني - رحمه الله -.
ولما أرسله الله - تعالى - إلى أهل نينوى من أرض الموصل: دعاهم إلى ربهم - عز وجل - فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم فلما طال عليه ذلك من أمرهم خرج من بين أظهرهم ووعدهم بحلول العذاب بهم بعد ثلاث.
قال ابن كثير: "فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم ندموا على ما كان منهم وتابوا إلى ربهم وأنابوا إليه فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجُّوا إلى الله - عز وجل - وتضرعوا إليه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات وجأرت الأنعام والدواب والمواشي، فَرَغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله بدعائهم وتضرعهم واستغاثتهم عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم ودار فوق رؤوسهم كقطع الليل المظلم قال - تعالى -: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ).
ما فُتحت أبواب الإجابة بمثل الدعاء ولا استُنزلت الرحمات بمثل سؤال الله، وما فُرِّجت الكربات بمثل التضرع والإلحاح على السميع العليم.
وإني لأدعو الله والأمر ضيِّق *** عليَّ فما ينفكُّ أن يتفـرَّجا
ورُبَّ فتى ضاقت عليه وجوهه *** أصاب له في دعوة الله مخرجا
روى أحمد في كتاب الزهد عن قتادة أنه قال: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة فهو يدعو يقول: يا رب يا رب لعل الله - عز وجل - أن ينجيه.
فأين أمة المليار مسلم من الدعاء؟ ألا يوجد فيها من لو أقسم على الله لأبره؟.
قال الإمام محمد بن المنكدر - رحمه الله - قال: "استسقى أهل الحرم في المدينة في ليلة من الليالي فلم يُسقَوْا، فاشتد عليهم الأمر بسبب القحط وقلة المطر وضاقت الأرض على الناس بما رحبت، قال فذهبت إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتعبَّد في مكان لي، قال: فبينما أنا جالس في منتصف الليل إذ دخل عليَّ رجلٌ أسود لم أعرفه، عليه صفرة ويعلوه إزار، يقول: فجلس يلتفت يمنة ويسرة حتى اطمأنَّ أن لا أحد في المسجد، رفع أكُفَّه إلى السماء وقال: يا رب إن أهل الحرم استسقوك فلم تُسْقِهم، يا رب إني أقسم عليك أن تنزل عليهم المطر، قال الإمام محمد: قلت هذا مجنون، كيف تجرَّأَ أن يقسم على الله - جل وعلا -؟، قال: فما قام من مقامه حتى نزل علينا المطر. يقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره)) رواه البزار عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وصححه الألباني - رحمه الله -.
أتهزأ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بـما صنع الدعاءُ
سهام الليل لا تخطي ولكـن *** لها أمد وللأمد انقضاء
لما غزا التتار بلاد المسلمين ودمروا بغداد، وعاثوا في الأرض الفساد، أرادوا احتلال الشام، فدب الرعب في قلوب المسلمين وتخاذلت السلاطين عن مجابهتهم وجبنوا عن لقائهم، فقام شيخ الإسلام ابن تيمية بتحريض الأمراء والعساكر والناس على الجهاد في سبيل الله فاستجابوا له واجتمعت الجيوش من الشام ومصر، ولما تراءى الجمعان بمرج الصفر قال شيخ الإسلام لأمير من أمراء الشام: يا فلان، أوقفني موقف الموت.
قال الأمير: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت له يا سيدي: هذا موقف الموت وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة فدونك وما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلاً ثم انبعث وأقدم على القتال، قال: وأما أنا فخيل إلي أنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة. قال: ثم حال بيننا القتال والالتحام وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر وانحاز التتار إلى جبل صغير عصموا فيه أنفسهم من سيوف المسلمين تلك الساعة (العقود الدرية لابن عبد الهادي 178 بتصرف يسير).
أيها المسلمون: إن مع العسر يسراً ومع الصبر نصراً وبعد الليل فجراً، وبعد الشدة رخاء، وبعد الضراء سراء، ولكل حادثة عزاء، وبعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ري: (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده).
يا رب أنت المرجَّى *** أنت العزيز القدير
يا رب أنت المجير *** قد مسنا ما يضير
فلا تكلنا لنفس *** تمادى فيها الغرور
لا ينبغي التقليل من شأن الدعاء، فبدعوةٍ واحدة صادقة مخلصة تتقلب الأحوال وتتبدل الأمور، الضعيف يقوى والقوي يضعف، والمهزوم ينتصر والمنتصر يهزم، والشقي يسعد والسعيد يشقى، بدعوةٍ واحدةٍ أُغرق أُهل الأرض جميعهم إلا من شاء الله: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَـافِرِينَ دَيَّاراً)، وهلك فرعون بدعوة موسى وقال موسى: (رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ).
ووهب الله ما وهب لسليمان بغير حساب بسؤال ربه الوهاب، وأغيث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر بالملائكة، بتضرعه إلى موالاه، مع قلة العدد وذات اليد: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ).
معاشر المؤمنين: الباب الموصد له مفتاح، والقلعة المنيعة لها باب، ولكل قميص من الشدة جيب من اللطف، ولكل غرفة ضيقة من الكرب سعة من الفرج: (فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا).
فاحرصوا على الضراعة إلى الله، وألحوا عليه بالإجابة، ولا تيأسوا ولا تستبطئوا الإجابة، والحذر من مشابهة المشركين الذين يخلصون الدعاء والعبادة لله وقت الشدة، فإذا كشف الله عنهم ما هم فيه من بلاء ونجاهم مما حل بهم إذا هم يشركون ويرجعون إلى ما كانوا عليه كما أخبر الله عنهم: (فَإِذَا رَكِبُواْ في الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَا ءاتَيْنَـاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ).
لقد وعد الله - تعالى - من دعاه مضطراً منيباً حال الشدة والكربة أن يستجيب له، قال - تعالى -: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الأرْضِ أَءلَـهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ). فالمضطر والمكروب إذا ضاقت عليه الأمور واشتد الخناق واستحكمت الشدائد وتخاذلت عنه القوى، فلن ينجيه مما هو فيه إلا الله إذا دعاه وهو موقن بالإجابة وأخلص الدعاء له - سبحانه -.
ولكن كثير من الناس يغفلون عن هذه الحقيقة فتراهم يتلمسون النصرة والحماية من المخلوق الضعيف ويعلقون عليه الآمال في نصرتهم سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دولاً، استنصروا بمجلس الأمن وهيئة الأمم والولايات المتحدة ومجوعة الدول الأوروبية ونسوا ناصر المظلوم ومغيث الملهوف: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
قال بعض أهل العلم: هذه الآية من أعجب الآيات فقد أضاف - سبحانه - العباد إليه، وتكفل بالرد المباشر عليهم منه، ولم يقل: فقل لهم إني قريب، إنما تولى بنفسه جل جلاله الجواب على عباده بمجرد السؤال فقط، قال: فإني قريب ولم يقل أسمع الدعاء، ثم عجل بإجابة الدعاء: (أجيب دعوة الداع إذا دعان).
إن هذا اللطف وهذا القرب من المولى جل جلاله يسكب في قلب المؤمن الود المـؤُنس، والرضى الـُمطمئن، والثقة واليقين بإجابة دعائه ويجعله يعيش في جناب رضيّ وقربى ندية وملاذ آمن.
واشدُدْ يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركانُ
لا ينبغي أن ييأس أحدٌ من رَوْح الله، إذا امتدت الصحراء فإن وراءها رياض خضراء وارفة الظلال، وإذا اشتد الحبل فإن أجل انقطاعه قد حان، الدمعة يعقبها بسمة، والخوف وراءه أمن، وخلف الفزع سكينة مطمئنة، فلا يغفلن أحد عن الدعاء.
قال سعيد بن عتبة: بينما رجل جالس يعبث بالحصى ويخذِف به إذ رجعت حصاة فدخلت في أذنه، فبقيت مدة من الزمن وهي تؤلمه وبينما هو جالس ذات يوم إذ سمع رجلاً يقرأ: (أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) فقال ذلك الرجل: يا رب، أنت المجيب وأنا المضطر فاكشف ما بي من ضر، قال: فنزلت الحصاة من أذنه.
ولرُبَّ نازلةٍ يَضيقُ بها الفـتى *** ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فُرِجت وكنت أظنها لا تُفرجُ
ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل: "كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال بل هي أقرب، فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثير، فقال لي أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكيناً معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال لي هو إنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: عجل، فقمت أصلي فارتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله - تعالى -: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ).
فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخرَّ صريعاً، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: (فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً). ونقل هذه القصة ابن كثير في تفسيره عند قوله - تعالى -: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) وسكت عنها (التفسير 3 / 493).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية:


أيها الأحبة في الله: إن إجابة الدعاء مرهونة بالاستجابة التامة لله والإيمان الكامل به، قال - تعالى -: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) فلابد الاستجابة الكاملة لله بالتحاكم إلى كتابه والتمسك بسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والحذر من سلوك سبل أهل الضلال والبدع والزيغ: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
لابد الاستجابة الكاملة لله - تعالى - بالانقياد التام لأمره ونهيه والتسليم لقضائه وبدون ذلك فقد تتخلف الإجابة.
والمتأمل في أوضاع الأمة يلحظ أنها في كثير من مواطنها وأوضاعها اختارت غير ما اختاره الله لها واتبعت سبلاً شتى، فتغيرت أحوال المسلمين وفرطوا في دينهم: أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، أكلوا الربا وفشا فيهم الفحش والزنا، تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اتبعوا خطوات الشيطان وتمادوا في معصية الرحمن وهذه كلها أسباب في عدم إجابة الدعاء؛ لأن الذنوب والمعاصي قد تكون حائلة من إجابة الدعاء خاصة أكل الحرام قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) (رواه مسلم).
وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه، قال: "أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجاً فأوحى الله - عز وجل - إلى نبيهم أن أخبرهم: أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكفاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، لن تزدادوا مني إلا بعداً".
عباد الله: إن إجابة الدعاء معلقة بصدق اللجأ والتضرع إليه، وعدم استعجال الإجابة، وصدق التوبة التي تجعل المسلمين يعودون إلى شرع الله الذي ارتضاه الله لهم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً).
والحذر الحذر من دعاء غير الله، فالذين يدعون غير الله أو يدعون الله ويدعون معه غيره قد أغلقوا باب الإجابة، قال - عز وجل -: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـافِلُونَ)، دعاؤهم للأموات هباء، لا يجلب مرغوباً، ولا يمنع مكروهاً، وهو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر، قال - عز وجل -: (وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظَّـالِمِينَ).
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)) رواه أحمد والترمذي، وهو صحيح.
أيها المسلمون: كلما اشتدّ الإخلاص وقوي الرجاء، كانت الإجابة أحرى، يقول يحيى بن معاذ - رحمه الله -: "من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يُردّ"،، فليناد الواحد منا ربه بقلب حاضر وليتخيَّرْ في دعائه والثناء على ربه أحسن الألفاظ وأنبلها وأجمعها، وليتحرَّ من الأوقات الفاضلة والأحوال الصالحة أرجاها، والساجد قريب من ربه حريّ أن يعطى سُؤله فليكثر من الاستغفار والدعاء.
أيا ملك الملوك أقِل عساري *** فإني عنك أنأتني الذنوبُ
وأمرضني الهوى لهوان نفسي *** ولكن ليس لي غيرك طبيبُ
أيا ديَّان يوم الدين فرِّج *** همومـاً في الفؤاد لها دبيب
لا نستبطئ الإجابة ولنلحَّ على الله في المسألة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مكث يدعو على رعل وذكوان شهراً، والله حييّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يده إليه، أن يردها صفرا خائبتين.
فادع الله وألق نفسك بين يديه، وسلّم الأمر كله إليه، واعزم المسألة، وأعظم الرغبة فما رَدَّ سائله، ولا خاب طالبه، ومن نزلت به كربة فأنزلها بالخلق لم تفرج عنه، ومن أنزلها بالرب فنعم كاشف الكرب هو، وأَظهِر الشكوى إلى الله والافتقار إليه، فهو جابر المنكسرين وإله المستضعفين، يقول يعقوب - عليه السلام -: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْني إِلَى اللَّهِ) وهو صاحب كل نجوى، وسامع كل شكوى، وكاشف كل بلوى، يده - تعالى - ملأى لا تغيضها نفقة، سحَّاء الليل والنهار، ما أُمِّل - تعالى - لنائبة فخيَّبها، وما رُجي لعظيمة فقطعها، لا يؤمَّل لكشف الشدائد سواه، بابه مفتوح لمن دعاه، ومن ظن بربه خيراً أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، وبالإخلاص تدور دوائر الإجابة، ولازم الطلب فالمعطي كريم، والكاشف قدير، ولا تستعجل الإجابة إذا دعوت، ولا تستبطئها إذا تأخَّرت، ومن يكثر قرع الأبواب يوشك أن تفتح له، وإذا ركن الناس إلى لين الفراش، فارفع أكفَّ الضراعة إلى المولى في دُجى الأسحار، إذ يناديك في ظلمائها: ((من يدعوني فأستجيب له)) متفق عليه.
والدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ،، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، والملك يؤمِّن على دعوتك يقول ولك بمثل، وفي الجمعة ساعة مستجابة، وأطب المطعم والمشرب، وتعف عن الشبهات، وقدم بين يدي الدعاء عملاً صالحاً يستجب بإذن الله.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فآووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه صدق فيه فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً وأنه أتاني يطلب أجره فقلت اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال إنما لي عندك فرق من أرز فقلت له اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانسلخت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانسلخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا)) متفق عليه، واللفظ للبخاري.
اللهم آمنا في أوطاننا اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اهد ضالنا، اللهم من ضل وتنكب الصراط اللهم رده إلى الحق رداً جميلاً. اللهم عليك بمن تسلط وآذى ونال من مقام نبينا - صلى الله عليه وسلم -، اللهم سلط عليهم جنودك التي لا يعلمها إلا أنت يا رب العالمين اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللهم ابسط لنا في عافية أبداننا وصلاح أعمالنا وسعة أرزاقنا وحسن أخلاقنا واستر على ذرياتنا واحفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك اللهم أحسن خاتمتنا في خير عمل يرضيك عنا ربنا لا تقبض أرواحنا على خزي ولا غفلة ولا فاحشة ولا معصية ولا تمتنا بحق مسلم في عرض أو دم أو مال نسألك اللهم عيشة هنية وميتةً سوية ومرداً إليك غير مخزٍ ولا فاضح.
(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وارض اللهم عن البقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 16/02/2011 :  16:27:33  Show Profile


عقوبة المجرمين

الإمام ابن عثيمين


الحمد لله الرحيم الرحمن ذي القوة والعظمة والسلطان شرع بمقتضى رحمته وحكمته عقوبة المجرمين منعاً للفساد ورحمة بالعباد وكفارة لذوي الجرائم والعناد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا معقب لحكمه ولا ند ولا مضاد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للعاملين وحجة على من أرسل إليهم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما …

أما بعد

أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمته عليكم بهذا الدين القويم الكامل الجامع بين الرحمة والحكمة رحمة في إصلاح الخلق وحكمة في الأخذ بالطريق الموصل إلى الإصلاح أيها الناس إن من طبيعة البشر أن تكون لهم إرادات متباينة ونزعات مختلفة فمنهم من ينزع إلى الخير والحق ومنهم من ينزع إلى الشر والباطل كما قال الله عز وجل (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ )(التغابن: من الآية2) وقال جل ذكره (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (الليل:4)

ولما كانت النزعات إلى الشر والباطل في ضرورة إلى ما يكبح جماحها ويكسر من حدتها من وازع إيماني أو رادع سلطاني جاءت النصوص الكثيرة بالتحذير من الشر والباطل والترغيب في الخير والحق وبيان ما يترتب على الشر والباطل من مفاسد في الدنيا وعقوبة في الآخرة وما يترتب على الخير والحق من مصالح في الدنيا ومثوبات نعيم في الآخرة ولكن لما كان هذا الوازع الديني لا يكفي في إصلاح بعض النفوس الشريرة الموغلة في الشر والباطل فرض رب العالمين برحمته وحكمته عقوبات دنيوية محددة أو مفوضة إلى نظر ذوي العدل من ولاة الأمور تتنوع هذه العقوبات بحسب الجرائم لتردع المعتدي وتمحو الفساد وتعدل الأعوج وتظهر الملة وتقيم الأمة وتكفر جريمة المجرم السابقة فلا يجمع له بين عقوبة الدنيا والآخرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ومن أتى منكم حداً فأقيم عليه فهو كفارته ) فرض الله الحدود وأوجب على ولاة الأمور إقامتها على الشريف والوضيع والغني والفقير والذكر والأنثى والقريب والبعيد وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزوميه التي سرقت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فاهتمت قريش لذلك وقالوا من يشفع في هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظروا إلى حبيب رسول الله وابن حبيبه أسامة ابن زيد رضي الله عنه فشفع فيها أسامة فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً ( أتشفع في حد من حدود الله ) ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فاختطب وقال ( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ويم الله أي أحلف بالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) الله أكبر هكذا الحق هكذا العدل يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق البار أن فاطمة بنت محمد وهي أشرف النساء نسباً وسيدة نساء أهل الجنة لو سرقت لقطع يدها الله أكبر أين الثريا من الثرى أين هذا القول من بعض الولاة اليوم الذين يرون أن إقامة الحدود وحشية وهمجية يستمعون إلى ما يقوله أعداء الإسلام فيتلقفونه كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون أين قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول الذي هو في غاية العدل من قوم يؤمرون بتنفيذ العقوبات فيفرقون بين شخص وآخر يفرقون بين الشريف والوضيع أو بين القريب والبعيد أو بين الصديق وغير الصديق أو لاعتبارات أخرى مع أن العقوبة واحدة وسببها واحد فيفرقون بين الناس يجلدون هذا جلد الحمار ولكنهم لا يجلدون الآخر وهو مثله وشريكه في العقوبة إلا جلداً لا يغني ولا ينفع لا يخافون من الله ولا يستحيون من عباد الله إن هذا لمنكر يجب أن يردع ويجب على من باشر إقامة الحد يجب عليه أن لا يفرق بين أحد وأن ينفذه حيث أمر به من غير زيادة ولا نقص أيها المسلمون إن أولئك الولاة اليوم الذين يرون إقامة الحدود وحشية وهمجية مستمعين إلى ما يقوله أعداء الإسلام ويتلقفونه كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءاً ونداءاً إنهم لو نظروا إلى البلاد التي تطبق هذه الحدود وتعاقب المجرم بما تقتضيه عقوبته حسب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لو نظروا إلى مثل هذه البلاد وما تعيش فيه من الأمن وذلك بما عندها من الإيمان وإقامة حدود الله لوجدوا أن هذا القول أو أن هذا الرأي الذي يرى أن إقامة الحدود وحشية أنه من أبطل الآراء والأقوال أيها الناس إن مما أوجب الله فيه العقوبة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم شرب الخمر شرب الخمر المحرم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:90) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) وأجمع المسلمون على تحريم الخمر فمن اعتقد أن الخمر حلال فهو مضاد لله مكذب لرسوله خارج عن إجماع المسلمين وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115) وبهذا الإنكار أعني إنكار تحريم الخمر يكون كافراً مرتداً تجب استتابته فإن تاب وأقر بتحريمه وإلا قتل مرتداً كافراً ودفن بعيداً حتى لا يتأذى الناس برائحته اللهم إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام كرجل لم يسلم إلا قريباً لا يعرف شيئاً عن أحكام الإسلام فإنه يعلم أولاً ثم يحكم له بما تقتضيه حاله بعد العلم أما من شرب الخمر معتقداً تحريمها وأن شربها معصية فإنه تجب عقوبته لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أوتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فقال ( اضربوه ) قال أبو هريرة رضي الله عنه فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف هذا الرجل قال بعض القوم أخذاك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان ) وقال أنس ابن مالك رضي الله عنه جلد النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر أربعين وفي صحيح مسلم ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال ما ترون في جلد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال فجلد عمر ثمانين وإذا تكرر الشرب من الشارب وهو يجلد ولا يرتدع فقال ابن حزم رحمه الله يقتل في الرابعة وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقتل في الرابعة عند الحاجة إلى قتله حيث لم ينته الناس بدون القتل وهذا الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية هو عين الفقه لأن الصائل على الأموال إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل فما بالكم بمن صال على أخلاق المجتمع وصلاحه وفلاحه وأمنه واستقراره إن ضرر الخمر لا يقتصر على صاحبه بل يتعداه إلى غيره وأقبح من الخمر وأشد فتكاً تلك الحبوب المخدرة التي تفسد العقول والنفوس والقيم ولقد اتخذت حكومتنا وفقها الله اتخذت موقفاً حازماً منها بقرار صادر بالإجماع من مجلس هيئة كبار العلماء أعلن عنه من وزارة الداخلية ونشر في الصحف في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر يتضمن هذا القرار المبارك الذي نرجو الله تعالى أن يكون فيه دفع للفساد والشر يتضمن أن المهرب للمخدرات عقوبته القتل لما يسببه تهريب المخدرات وإدخالها البلاد من فساد عظيم لا يقتصر على المهرب نفسه وأضرار جسيمة وأخطار عظيمة على الأمة بمجموعها ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج يمون بها المروجين وأما بالنسبة لمروج المخدرات فإن من يروجها للمرة الأولى يعذر تعذيراً بليغاً بالحبس أو الجلد أو الغرامة المالية أو بها جميعاً حسب ما يقتضيه النظر القضائي وإن تكرر منه ذلك فيعذر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان بالقتل لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض وممن تأصل الإجرام في نفوسهم إنتهى هذا القرار وقد أمر الملك خادم الحرمين الشريفين حفظه الله أمر كلاً من وزارتي العدل والداخلية بالعمل بموجبه وتعميمه على المحاكم أيها المسلمون إن هذا القرار لقرار يثلج الصدر وإنه لقرار يرجى أن يكون فيه قطع لدابر هؤلاء المفسدين فنسأل الله تعالى أن يزيد ولاة أمورنا من فضله وأن يعينهم على كف الشر والفساد وتثبيت الصلاح والرشاد ونسأل الله تعالى لأولئك الذين ابتلاهم الله بهذه المخدرات نسأل الله أن يهديهم بوازع الإيمان قبل رادع السلطان ونسأل الله تعالى لمن من الله عليهم بالعصمة أن يكونوا عوناً لحكومتهم في القضاء على هذا الشر امتثالاً لقوله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ واتقوا الله إن الله شديد العقاب )(المائدة: من الآية2) اللهم هئ لنا من أمرنا رشدا اللهم أجعلنا من دعاة الحق وأنصاره على بصيرة من عندك وحكمة يا رب العالمين إنك جواد كريم اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين …

الحمد لله حمداً كثيراً كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمد في الآخرة والأولى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليماً كثيرا …

أما بعد

أيها المسلمون فإن عقوبة المجرمين وإقامة الحدود على المعتدين لا شك أنه من رحمة الله عز وجل لما فيه من المصالح العظيمة ليس على المعاقب وحده ولكن على المعاقب ومجتمعه أما المعاقب فإن عقوبته قد تكون سبباً لردعه عما كان واقعاً فيه من هذه المعصية وهي في نفس الوقت كفارة تكفر له الذنب السابق كما سمعتموه في الخطبة وأما بالنسبة للمجتمع فإنها تمنع كثيراً من الناس إذا رأوا العقوبة ولم يكن عندهم إيمان قوي يمنعهم من فعل المعاصي لكنهم إذا رأوا العقوبة فإن الردع السلطاني يمنعهم عن ذلك أما مصلحتها العامة أيضاً فإن المعاصي سبب لظهور الفساد في البر والبحر كما قال الله تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) فإذا التزم الناس طاعة الله عز وجل واتقوا ربهم فإن الله يقول (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (لأعراف:96) أيها الأخوة إن قرار الحكومة الذي سمعتموه لقرار نافع سبب لمنع ما يكون فيه الشر والفساد ولكن ينبغي لنا بل يجب علينا أن نكون عوناً لحكومتنا في درء الفساد ومنعه إما منعه بالكلية وإما تقليله على الأقل وأعلموا أيها المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا أصابه شئ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً فيجب علينا أن يشد بعضنا إزر بعض وأن نتعاون على البر والتقوى وأن نتواصى بالحق وبالصبر وبالمرحمة وبذلك نحقق قول الله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ) (آل عمران:110) إننا إذا شاهدنا المنكر وسكتنا عنه فإنه يوشك أن يعمنا الله تعالى بعقوبة من عنده

نسأل الله العافية والسلامة اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن تصلح نياتنا وأعمالنا وذرياتنا وولاة أمورنا وجميع شعبنا وأن تكتب لنا ما فيه الخير والصلاح في ديننا ودنيانا يا رب العالمين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون …


Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 16/02/2011 :  16:31:37  Show Profile


خطر الخوارج على الإسلام

الشيخ عبيد الجابري


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله #64831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ#64830; [آل عمران:102]، #64831;يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً#64830; [النساء:1]، #64831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً#64830; [الأحزاب:70-71]. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، أخرج الشيخان من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى». وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة رضى الله عليه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة يا رسول الله؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما عرفته من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من نفسه أو قلبه».

عباد الله، السنة في هذا الباب أعني بما هو في معنى هذين الحديثين إن لم يكن مواترا عن النبي صلي الله عليه وسلم وما إخاله إلا متواترا، فهو مستفيض أكثر من أن يحصى، والناظر يا عباد الله في هذين الحديثين الصحيحين إذا كان طالبا للهدى قاصدا للحق، محبا سلوك سبيل المؤمنين، والبعد عن سلوك سبيل المجرمين وطريق الشياطين من الجن والإنس، يظهر له بالتأمل الدقيق والنظر الثاقب والبصيرة ما يأتي:

أولا: إن العصمة لدم المسلم وماله ثابتة بثلاثة أمور: وهي الشهادتان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا من أقوى الأدلة يا عباد الله على أن تارك الصلاة، وإن كان يتركها تهاونا، متعمدا بلا عذر فإنه كافر حلال الدم والمال يقضي بذلك حكام المسلمين، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا.

ثانيا: يباح دم المسلم إذا ارتكب محرما، يستباح به دمه وهذا إيضاحه فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، وهذا الحديث هو في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عليه، وهو إيضاح لما في حديث ابن عمر: «إلاّ بحق الإسلام».

ثالثا: في حديث أبي هريرة دليل قاطع على أن من مات على التوحيد استحق شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم نال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا يا عباد الله: 1/ بيان فضل التوحيد وأنه أصل الأصول وقاعدة الدين وأساسه. 2/ ثم هو دليل قاطع على ثبوت الشفاعة، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، الذين يلقون الله على كبائر من الذنوب مثل القذف والسرقة وشرب المسكر وغير مستحلين لها، لقوا الله عليها مصرين دون توبة، فإنهم بفضل الله وبرحمته وبالشروط المعتبرة تدركهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ما داموا ماتوا على التوحيد. وفي هذا يا عباد الله دليل على بطلان القول بتكفير المسلمين حكاما ومحكومين جزافا بلا هوادة ما داموا مرتكبين للكبائر والمفسقات، وهذا هو مذهب أهل الخوارج، فيا عباد الله اتقوا الله في المسلمين وارعوا حرمتهم ولا تكفروا أحدا بذنب حتى يستحله وذلكم يا عباد الله ما عليه جماهير المسلمين من أئمة السلف السابق منهم واللاحق أنه لا يكفر أحدّ من أهل القبلة مات على ذنب، مات على كبيرة دون الكفر والشرك حتى يستحلها، ومن ذلكم يا عباد الله ما قاله الإمام أحمد في الكتاب المعروف: أصول أهل السنة أو أصول السنة برواية عبدوس بن مالك العطار مما قاله الإمام أحمد، إمام أهل السنة بلا منازع: (ومن مات من أهل القبلة موحدا، يصلّى عليه ويستغفر له ولا تترك الصلاة عليه ولا الدعاء له أمره إلى الله)، وبذلك قال أئمة الهدى أئمة السلف أئمة السنة والجماعة، فلا تغرنكم يا عباد الله بنيات الطريق، إتقوا الله في المسلمين، فمن ثبت إسلامه بيقين فلا يزول إسلامه إلا بيقين، وليس لأحد أن يبيح دم المسلم أو ماله إلا بحكم الحاكم القاضي الشرعي الذي يثبت عنده بالبينة أن فلانا من الناس حلال الدم والمال، فاللهم احفظنا في ديننا وأعراضنا وعقولنا ونفوسنا وسددنا في أقوالنا وأعمالنا.

#61592;#61592;#61625;#61593;#61593;

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما مزيدا أما بعد. فيا أيها المسلمون إذا كان في زمانكم هذا ظهرت فتن من بني جلدتكم تدع الحليم حيران إلا من عصمه الله بالسنة فاعلموا أن ذلك ليس بغريب، حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة في هذا الباب يا عباد الله متواترة وكثيرة جدا، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي على الناس يوم أو زمان إلا والذي بعده شرّ منه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس سنوات خدّاعات يصدّق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخوّن فيها الأمين، ويتحدّث الرويبضة، قالوا وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتحدث في أمر الناس». وأخرج الترمذي في جامعه وحسنه من حديث أبي هريرة وأراه حسنا إن شاء الله بمجموع طرقه حسب مبلغ علمي والله أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج في آخر الزمان أقوام يختِلون الدنيا بالدين، يلبسون المُسُوك من جلدود الضأن» (جلد الضان ليّن يعرفه أهل الماشية) «ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله تعالى: أبي يغترون وعليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيرانا».

عباد الله: تقدم فيما خاطبتكم به في الجُمَع الماضية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة وفيه، وهو يذكر أهل الفتن والمحن والبلايا التي يجرّها أناس من الأمة على الأمة: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قال: فصفهم لنا يا رسول الله، قال: هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» وفيما سمعتم يا عباد الله من هذه الأحاديث وقد أسلفت لكم أن ما في معناها في هذا الباب متواتر، وَصف أو أوصاف لأولئكم الفتانين، دعاة الفرقة ودعاة الفتنة ودعاة الإفساد في الأرض وتفريق الكلمة، يقصدون إلى الإفساد بحجّة البناء وإلى الفرقة بحجة جمع الكلمة، يستجلبون من الناس الأموال الكثيرة ويستفطبون الجموع الكثيرة ويستقطبون الجموع الغفيرة لنشر ما لديهم من هدم وتخريب وإفساد وبلايا على الأمة، فيا عباد الله اتقوا الله سبحانه وتعالى في دينكم، واتقوا الله في التوحيد والسنة ولا تتركوا فرصة لمبتغي الفتن والضلال والبدع، احذروا البدع فقد حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذّر منها أصحاب النبي صلي الله عليه وعلى اله وسلم وحذر منها أئمتكم، أئمة السنة والجماعة، قال عبد الله بن زيد الجرمي أبو قلابة رحمه الله: "ما ابتدع الرجل بدعة إلا استحلّ السيف". واستعينوا بالله واصبروا على التوحيد والسنة وصابروا، فإن التوحيد هو أصل الدين وأساسه.

إعلموا أيها المسلمون أن الإسلام هو السنة وأن السنة هي الإسلام لا ينفك أحدهما عن الآخر فاللهم هيء لنا من أمرنا رشدا وأصلح ما فسد من أمرنا ،اللهم اجمع كلمتنا حكاما ومحكومين على الإسلام والسنة، اللهم من أرادنا في ديننا وبلادنا وعقيدتنا وولاة أمرنا بسوء فردّ كيده في نحره وأحِله عاجلا غير آجل ما يكره في نفسه وماله، وخذه أخذ عزيز مقتدر وأجعله لمن اعتبر، اللهم احفظ بلد الإسلام والسنة اللهم احفظ دولة الإسلام والسنة، اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا عبدك ابن عبدك فهد بن عبد العزيز وشد أزره بإخوانه من الأمراء والحكام والمفتين والعلماء والوزراء واجعلهم جميعا هداة مهتدين صالحين مصلحين يقولون بالحق وبه يعدلون. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أنت وليّنا في الدنيا والآخرة توفنا مسلمين وابعثنا مسلمين وأحينا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين. سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله #64831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ#64830; [آل عمران:102]، #64831;يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً#64830; [النساء:1]، #64831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً#64830; [الأحزاب:70-71]. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.أما بعد: أيها المسلمون، في أربع جمع خلت حدثتكم عن قضية الساعة وأفضت فيها كثيرا، وحسبي أيها المسلمون أنه بان لكم من خلال حديثي معكم في تلكم الجمع أن تلك الأعمال ،الأعمال الرعناء والتصرفات الهوجاء الحمقاء هي من مسلك الخوارج، وأحدثكم اليوم حكاما لحديثي معكم في تلكم القضية التي هي قضية الساعة، أحدثكم أيها المسلمون عن أمرين:

الأمر الأول: يجب عليك أيها المسلم أن تعلم علم اليقين وأن تتحقق حق اليقين خطر الخوارج على أهل الإسلام في كل زمان ومكان، وأنه لن يخلو زمانّ منهم، ذلكم بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صحّ عنه أنه كلما قطع منهم فِرق أو قرن خرج آخر حتى يخرج في عراضهم الدّجال، كما يجب عليك أن تعلم أيها المسلم أن سنة نبيك صلى الله عليه وسلم الصحيحة قد تواترت بوصفهم في أبشع الأوصاف وبيان حالهم، والأمر بقتلهم وقتالهم ومن تلكم الأحاديث الصحيحة يا عباد الله في هذا الباب ما…عن زيد بن وهب الجهني وكان في جيش علي الذي قاده أمير المؤمنين علي رضى الله عليه لحرب الخوارج الذين خرجوا عليه في النهروان، قال علي رضى الله عليه : «يا أيها الناس، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى أله وسلم يقول: يخرج أقوام يقرؤون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، وليست صلاتكم إلى صلاتهم بشيء وليس صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم» (أو قال حناجرهم)، « يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». ومنها ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن سعيد بن أفلح عن علي رضى الله عليه قال: «يخرج أقوام من أمتي حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام» (أو قال يمرقون من الدين) «كما يمرق السهم من الرمية».

عباد الله، بهذا وما في معناه لمن خبر السنة مطالعة وسماعا يستبين له من أوصاف الخوارج: أولا: أنهم عندهم عبادة، عندهم صلاة، عندهم صيام، عندهم قرآن، لكنهم ليسوا في أهل الإسلام في شيء، يمرقون عن الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهذا وعيد لهم على ما يركبونه من قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان واستباحة ما حرم الله من الأموال والدماء والنفوس المعصومة وهتك الأعراض. ثانيا: أنهم ليسوا عقلاء مثل أهل السنة، يقفون عند ما أحله الله فيحلّونه، يقفون عند ما حرم الله فيحرمونه، يقولون بأهوائهم وبآرائهم حتى يستبيحوا ما حرم الله، حدثاء أسنان، سفهاء أحلام، ليس عندهم عقل يميزون به ما يميز به أهل السنة الحلال من الحرام، والطيب من الخبيث وإنما استحكم في رؤوسهم الهوى وتملّك قلوبهم الشبهة –عافانا الله وإياكم من الشبهات والشهوات- فإن هذه أمراض القلوب التي تميتها وتبعدها عن الحق والهدى. وقد صحّ عن نبيكم صلى الله عليه وسلم يا أيها المسلمون من حديث علي وغيره أنه قال: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن من قتلهم له أجرا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم».

عباد الله: السنة، السنة، اعلموا أيها المسلمون أن الإسلام هو السنة وأن السنة هي الإسلام، وأنه لا يعقِل القرآن والسنة على ما أراد الله وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم إلا من تربى على علماء السنة، ومن وقرهم ورعى حرمتهم، فاتقوا الله أيها المسلمون، وأحذروا محدثاث الأمور، وإن كانت صغارا، فإن صغار المحدثات تتحكم بالقلب وتستحوذ عليه حتى يركب العظائم من الجرائم والآثام -عافانا الله وإياكم من كل سوء في الدنيا والآخرة-.

#61592;#61592;#61625;#61593;#61593;

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله واصحابه وسلم تسليما مزيدا أما بعد.

فيا أيها المسلمون: الأمر الثاني: فيما بعث الخوارج على ركوبهم المحرمات وانتهاكهم الحرمات وتفريقهم جماعة المسلمين وسلوك غير سبيل المؤمنين من شياطين الجن والإنس ما هو؟ لقد ذكر العلماء أسبابا كثيرة جعلت القوم يقترفون ما اقترفوا من الجرائم ويرتكبون ما ارتكبوا من الآثام، غير مبالين بقرآن ولا سنة، وإنما الهوى والبدعة، فأوردهم الهلكة، فأوردهم ذلكم الهلكة، وبئس الورد المورود، سماهم نبيكم عليه الصلاة وسلام كلاب النّار، ويكفي بهذا شناعة وتنبيها على خطرهم، وتحذيرا من شرهم وإن كانوا تربوا في بيوتنا وصلوا صلاتنا وجمَّعوا جُمَعَنَا، وصلوا معنا الأعياد، وحجوا البيت الحرام، فإنهم حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون .

أقول من تلكم الأسباب والبواعث، زعمهم ظلم الحكام وفشوا المنكرات والمعاصي، فهم يزعمون الإصلاح ولكنهم يفسدون، ويعمدون إلى البناء فيما يدعون، لكنهم يهدمون ويخربون، شهّروا بالحكام على الملأ، ونشروا مثالبه ومساويهم فيما أمكنهم من الفرص في وسائل مختلفة من وسائل النشر من إذاعة وصحافة وغيرها بحجة الإصلاح، وهذه الدندنة قديمة، والشنشنة موروثة من أيام النهروان، بل من قبل، من أيّام السبئية الذين ثاروا على أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضى الله عليه، وحرضوا العامة والرعاع من الناس حتى قتلوه، ثم بعد ذلك نهبوا بيت مال المسلمين فانظروا كيف انتهى بهم هذا الزعم، فلو أن القوم انتهجوا السنة وسيرة السلف الصالح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما ركبوا ما ركبوا من المحرمات ولكن جهلا وحماقة وعمى بصيرة وقعوا في أكبر ممّا يزعمون النهي عنه من استحلال ما حرم الله سبحانه وتعالى إذ هم يكفّرون الحكام ومن يواليهم من الناس، ومن الشعوب كما يقولون اليوم، فالحكام العصاة كفار عند القوم، ومن يواليهم ويرفع السيف في وجوههم، ويحاربهم فهو كافر مثلهم حلال الدم والمال، تسبى ذراريهم، وتُغنم أموالهم، ذلك زعموا.

الثاني: العصبية القبليّة التي كانت في الجاهلية، ثم في أول الإسلام :سخطت ربيعة وتنكرت لمُضر، سخطت ربيعة (أعني كفارهم) وتنكرت لمضر إذ كان مبعث نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من قريش، وقريش من مضر، والعصبية القبلية موجودة فيمن نهَج نهج الخوارج، يعرف ذلك في لحن أقوالهم بل في صريح عباراتهم أن غيرهم من الناس ليس أولى منهم بالحكم.

هذه يا عباد الله بعض الأسباب وثمة سبب آخر وهو أُسُّ القوم أس خروجهم، سبب اقتصادي، سبب مالي بعث على الحاكمية التي يرفع عقيرته من يرفعها بهم من دعاة الإصلاح فيما يزعمون أتدرون ما ذلكم السبب الذي صحّ به الخبر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هو أن ذا الخويصرة التميمي قال يا رسول الله إعدل (وفي رواية: إنها قسمة ما أريد بها وجه الله) قال ذلكم متى؟ حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من المال بعث به إليه علي رضى الله عليه وأعطى من أعطى ذلك المال رجالا مؤلفة قلوبهم فتغضّبت قريش والأنصار فقالوا: يُعطي صناديد نجد ويدعنا؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما أتألُّفهم»، ومن ذلكم الرهط الذين تألفهم رسول الله صلي الله عليه وسلم الأقرع بن حابس التميمي، فلما سمعت قريش والأنصار مقالة النبي صلي الله عليه وسلم سكنوا وسكتوا عالمين أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يفعل إلا ما أمر الله به وما هو عين المصلحة للإسلام وأهله، أما ذو الخويصرة فقد رفع عقيرته بما سمعتم في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتهمه بالحيف واتهمه بالجور واتهمه بالظلم، فاستأذن خالد بن الوليد أو غيره عليه الصلاة وسلام في قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا»، فلما ولي قال: «إنه يخرج من بضع هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم».

فبان لكم أيها المسلمون أن البواعث على خروج الخوارج هو الجهل بحدود الله، فسلكوا غير مسلك أهل السنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتخذوا أسبابا اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، ويروِّعوا العاملين ويستحلّوا ما حرّم الله سبحانه وتعالى.

فاللهم هيء لنا من أمرنا رشدا، اللهم احفظ دولة التوحيد والسنة، اللهم اجمع كلمتنا على البر والهدى والتقوى، اللهم من أرادنا في بلادنا وديننا وولاة أمورنا بسوء فامكر به عاجلا وأجعله عبرة لمن اعتبر وخذه أخذ عزيز مقتدر، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 23/02/2011 :  12:44:48  Show Profile

آثار الذنوب على الفرد والمجتمع

ناصر ورّاش


ملخص الخطبة
1- حقيقة لا بد من معرفتها. 2- فائدة الحديث عن آثار الذنوب. 3- من آثار المعاصي نسيان العلم. 4- من آثار المعاصي الوحشة بين الله وبين العبد. 5- من آثار المعاصي الحيرة والشقاء. 6- من آثار الذنوب تسلّط الأعداء. 7- شاهد التاريخ على خطورة المعاصي. 8- ما المخرج من الذل والهوان؟ 9- من آثار المعاصي ظهور الأمراض وذهاب البركة.


الخطبة الأولى

أما بعد: فيا أيها المؤمنون، إن المعاصيَ التي يقترفها الناس آناء الليل وأطراف النهار لها آثار مدمرة على الفرد والمجتمع والحياة كلها، وذلك أنّ قوام الحياة وصلاحها إنما هو في الطاعة والاستقامة على أمر الله والتقيد بشرعه الحنيف، وكلّ انحراف عن أمره، وكل اتباع لنزغات الشيطان, وكل تفلُّت من دينه إنما هو ركض وراء السراب، وضرب في تيه الشقاء، ولا بد أن يلمس الإنسان آثارها النكرة في نفسه وحياته ثم في أخراه يوم لقاء ربه.

والمقصود من الحديث عن آثار المعاصي هو التحذير من مغبة الاسترسال فيها وإطلاق العنان للخوض في حدود الله، وهو من باب قول القائل قديماً:

عرفــتُ الشـر لا للشـر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشرّ من الخير يقـع فيـه

أيها المؤمنون الكرام، هذه بعض تلك الثمار المرة التي يجنيها العصاة الآثمون من وراء المعاصي.

أولاً: نسيان العلم وذهاب الحفظ، ويا لها من عقوبة ما أقساها على أهل العلم وطلبته، وذلك أن العلم نور يقذفه الله في القلوب العامرة بطاعته المنيبة إليه سبحانه، والمعصية ظلمة قد علاها قُتار الشهوات الهوجاء، وأنّى للنور أن يأنس بالظلام؟!

ولذلك روي أن الإمام الشافعي رحمه الله لما جلس بين يدي إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله ورأى عليه مخايل النجابة والذكاء بادية، وأعجبه وفورُ عقله وكمال حفظه قال له ناصحا: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية.

والشافعي رحمه الله هو القائل في الأبيات التي سارت بين طلبة العلم مسير الشمس:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقـال اعلم بـأن العلـم نورٌ ونور الله لا يهدى لعاصـي

وقد يتساءل إنسان فيقول: إن فلاناً من الناس قد أُعطيَ حفظا واستحضاراً على فجوره الذي عُرف به في الناس فكيف ذلك؟!

فنقول: اقرأ كتابَ الله تعالى تجد الجواب واضحاً، يقول الله عز وجل: وَأتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَـاهُ ءايَـاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَـانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـاهُ بِهَا وَلَـاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَأتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث [الأعراف:175، 176].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله معلقاً: "ففي الآية دليل على أنه ليس كل من آتاه الله العلم فقد رفعه به، إنما الرفعة بالعلم درجة فوق مجرد إتيانه".

كم من فاجر كان حظه من العلم قيل وقالوا، ليكون ذلك حجةً عليه عند الله، دون حقيقة العلم التي تورث الخشية والإنابة.

فيا معشر طلبة العلم، لنتقِ الله في أعز أيام العمر التي صُرفت في الحفظ والركض وراء عرائس العلم، أن تذهب بها غوائل المعاصي الجامحة، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن سوط العقاب بالمرصاد.

ثانياً: ومن أعظم آثار المعاصي وأخطرها على العبد الوحشةُ التي تحدثها المعاصي بين العبد وربه، واستثقال الطاعات، واستمراء الفواحش، واعتيادٍ لها، ويا لها من سكرة ما أشد عماها على القلب إن لم يُمدّ صاحبها بنفحة من نفحات الرحمة والهداية، فإنه واقع في حُفرة من حفر الشقاء والعذاب الواصِب لا محالة.

أيها المؤمنون، إن حياة المرء الحقيقية إنما هي حياة الطاعة، وشعور العبد أنه خلع عنه ربقة العبودية للخلق، وآوى إلى ظلال العبودية الحقة التي ترفعه عن الطين وجواذبه، ليحط رحال القلب في ساحات العبودية لله رب العالمين. ولهذا جعل الله الكافر ميتاً غير حي فقال: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء [النحل:21]، وتأملوا بالمقابل في قول بعض الصالحين المخبتين الذين وجدوا برد الطاعة والإنابة إذ يقول: "إنه لتمرّ بالقلب لحظات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي خير عظيم". إنّ في الدنيا جنة لا يدخل جنة الآخرة من لم يدخلها، إنها جنة الطاعة والعبودية التي يُحرم منها العصاة الفجرة.

ثالثاً: من آثار المعاصي النكرة الحيرة والشقاء وتمزّق القلب في شعاب الدنيا، واللهث وراء السراب، واتباع الشياطين المتربصة على أفواه السبل المنحرفة عن السبيل الحق.

روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله خطا مستقيما في الأرض ثم خطَّ خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: ((هذا سبيل الله، وهذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها))، ثم قرأ: وَأَنَّ هَـذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ الآية [الأنعام:153].

وذلك أن الله تعالى هو المتفرد بالهداية وحده، مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا [الكهف:17]، وكل انحراف عن منهجه سبحانه الذي وضعه طريقاً للهداية إنما هو خبط في بيداء التيه، وجنيٌ للشقاء المر الذي هوت فيه الشعوب الكافرة التي ولّت ظهرها للحق المنزّل.

يقول العلماء: إن هناك أربعة أسئلة تطرح نفسها بإلحاح على الإنسان بمقتضى فطرته وهي: من أين جئت؟ وإلى أين المصير؟ ولماذا؟ وكيف؟ وكل خلل في الإجابة عن واحد من هذه الأسئلة الخالدة يعني الشقاء والدمار في حياة الإنسان، ولا وجود للإجابات الصحيحة إلا في الدين الحق.

وإن نظرةً واحدة على واقع الغرب الكافر وما يعيشه من ضياع فكري وتفسّخ أخلاقي، بل ونزول بالإنسان إلى دركات الحيوانية الهابطة تنبئك بالحقيقة، لأن بعض فلاسفتهم المشهورين أطلق مقولته الفاجرة: أنْ لا هدف ولا غاية من وجود الإنسان، فظهرت في أوربا جماعات تسمى بالخنافس تتسافد في الطرقات تسافد الحمر، وتعيش عيشة البهائم البكماء، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيـامَةِ أَعْمَى ا الآية [طه:124].

رابعاً: ومنها تسليط الأعداء وذهاب القوة ونزع الهيبة من قلوب الأعداء.

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر أن النبي قال: ((بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة من الصغار على من خالف أمري, من تشبه بقوم فهو منهم)).

أيها المؤمنون، إن صحائف التاريخ خير شاهد على عجيب تأثير المعاصي في الأمم، لقد كانت أمة الإسلام في سالف دهرها أمة موفورة الكرامة، عزيزة الجانب، مرهوبة القوة، عظيمة الشوكة، لكنها أضاعت أمر الله، وأقْصت شريعته من حياتها، وراجت أسواق الشرك في أصقاع كثيرة في العالم الإسلامي ـ وهذه الأمة أمة التوحيد ـ فصار أمرها إلى إدبار وعزها إلى ذل، وجثم على صدرها ليل طويل من الاستعمار الكافر، ولولا أنها الأمة الخاتمة لأصبحت تاريخاً دابراً تحكيه الأجيال. وليس الذي حل بنا ويحل ظلماً من ربنا، كلا وحاشا، فهو القائل في الحديث القدسي الصحيح: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا))، وإنما هي السنن الربانية النافذة التي لا تحابي أحداً، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى ا يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى ا قَوْمٍ حَتَّى ا يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53].

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ثوبان مرفوعاً: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها))، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة منا يومئذٍ؟ قال: ((أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن))، قالوا: وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهة الموت)).

إننا ـ معاشر المسلمين ـ اليوم نئن تحت وطأة الذلّ المسلّط علينا، وكثير من المسلمين لا يزالون غافلين عن سبب البلاء الذي بيّنه رسولنا في غير ما حديث صحيح، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليهم ذلاً لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم)) رواه أبو داود وأحمد.

ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إننا كنا قوماً أذلة فأعزنا الله بهذا الدين، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).

من هنا ـ أيها المؤمنون ـ كانت البداية، ومن هنا يكون البدء، ومن تركِنا لديننا كانت بدايةُ رحلة الذلِّ والضياع في تاريخ أمة الإسلام، ومن الرجوع إلى ديننا وتوبتنا إلى ربنا يكون البدء إذا أردنا العودة إلى العزة القعساء والشرف المفقود.

إن كلَّ تائب منّا من معاصيه عليه أن يعلم أنه يكتب بذلك سطراً في سِفْر مجد أمة التوحيد.

خامساً: ومن شؤم المعاصي ـ معاشر الإخوة الكرام ـ ظهور الأوجاع الفتاكة وارتفاع البركة من الأقوات والأرزاق.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) رواه ابن ماجه وهو صحيح. [السلسلة الصحيحة (106)].

معاشر المؤمنين، هذه بعض آثار المعاصي المدمرة، وهذه بعض ثمارها النكدة، فهل من مشمِّر تائب منيب، قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى ا أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].


Edited by - مــطر on 23/02/2011 12:53:42
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 23/02/2011 :  14:19:38  Show Profile


المرأة في الإسلام وغيره من المجتمعات

صالح بن فوزان الفوزان

ملخص الخطبة
1- وضع المرأة في الجاهلية 2- مساواة المرأة للرجل في كثير من الواجبات الدينية 3- الإسلام يرد للمرأة حقوقها 4- واقع المرأة في المجتمع الغربي 5- الوصية بحسن تربية النساء


الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله بامتثال أو امره، واجتناب ما نهاكم عنه لعلكم ترحمون وتفلحون.

عباد الله: سيكون حديثي معكم عن موضوع شغل بال الإنسانية قديما وحديثا، وقد جاء الإسلام بالفصل فيه ووضع له الحل الكافي والدواء الشافي، ألا وهو موضوع المرأة، لأن أهل الشر اتخذوا من هذا الموضوع منطلقا للتضليل والخداع عند من لا يعرف وضع المراة في الجاهلية ووضعها في الاسلام، ووضعها عند الامم الكفرية المعاصرة.

فقد كانت المرأة في الجاهلية، تعد من سقط المتاع لا يقام لها وزن، حتى بلغ من شدة بغضهم لها إنذاك أن أحدهم حينما تولد له البنت يستاء منها جدا ويكرهها ولا يستطيع مقابلة الرجال من الخجل الذي يشعر به.

ثم يبقى بين امرين اما ان يترك هذه البنت مهانة، ويصبر هو على كراهيتها وتنقص الناس له بسببها. وإما أن يقتلها شر قتله، بأن يدفنها وهي حية ويتركها تحت التراب حتى تموت، وقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم % يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون [النحل:58-59]. وأخبر سبحانه أنه سينصف هذه المظلومة ممن ظلمها وقتلها بغير حق، فقال تعالى: وإذا الموءدة سئلت بأي ذنب قتلت [التكوير:8-9]. وكانوا في الجاهلية إذا لم يقتلوا البنت في صغرها يهينونها في كبرها، فكانوا لا يورثونها من قريبها إذا مات، بل كانوا يعدونها من جملة المتاع الذي يورث عن الميت، كما روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بإمرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم احق بها من أهلها، فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها [النساء:19]. وكان الرجل في الجاهلية يتزوج العدد الكثير من النساء من غير حصر بعدد ويسيء عشرتهن، فلما جاء الإسلام حرم الجمع بين أكثر من أربع نساء واشترط لجواز ذلك تحقق العدل بينهن في الحقوق الزوجية قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم [النساء:3].

نعم لقد جاء الإسلام والمرأة على هذا الوضع السيء، فأنقذها منه وكرمها، وضمن لها حقوقها، وجعلها مساوية للرجل في كثير من الواجبات الدينية، وترك المحرمات وفي الثواب والعقاب، وعلى ذلك قال: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل:97]. وقال تعالى: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [الأحزاب:35].

وفضل الله الرجل على المراة في مقامات، ولأسباب تقتضي تفضيله عليها، كما في الميراث والشهادة والدية والقوامة والطلاق، لأن عند الرجل من الاستعداد الخلقي ما ليس عند المراة وعليه من المسؤولية في الحياة ما ليس على المراة، كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [النساء:34]. وقال تعالى: وللرجال عليهن درجة [البقرة:228]. جعل الله للمرأة حقا في الميراث فقال سبحانه: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا [النساء:7]، جعل الله لها التملك والتصدق والاعتاق كما للرجل قال تعالى: والمتصدقين والمتصدقات [الأحزاب:35]. جعل لها الحق في اختيار الزوج فلا تزوج بدون رضاها، صانها الله بالإسلام من التبذل، وكف عنها الأيدي الآثمة، والأعين الخائنة، التي تريد الإعتداء على عفافها، والتمتع بها على غير وجه شرعي، وهكذا عاشت المرأة تحت ظل الإسلام وكرامته. أما وزوجة وقريبة واختا في الدين. تؤدي وظيفتها في الحياة ربة بيت واسرة، وتزاول خارج البيت ما يليق بها منا الاعمال إذا دعت الحاجة إلى ذلك مع الاحتشام والاحتفاظ بكرامتها ومع التزام الحجاب الكامل الضافي على جسمها ووجهها، وتحت رقابة وليها. فلا تخلو مع رجل لا يحل لها الا ومعها محرمها. ولا تسافر الا مع محرمها. هذا وضع المراة في الاسلام الذي هو دين الرحمة والكمال والنزاهة والعدل، واوصى بها نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام وصية خاصة حين قال في حجة الوداع: ((واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان))، أي اسيرات. هذا وصف تقريبي لوضع المرأة في الإسلام.

أما وضعها في المجتمعات الكافرة، والمجتمعات التي تتسمى اليوم بالإسلام، وهي تستورد نظمها وتقاليدها من الكفار، إن وضعها اليوم في هذه المجتمعات أسوأ بكثير من وضعها في الجاهلية الأولى، فقد جعلت فيها المرأة سلعة رخيصة تعرض عارية، أو شبه عارية أمام الرجال في مواطن تجمعهم على شكل خادمات في البيوت وموظفات في المكاتب، وممرضات في المستشفيات، ومضيفات في الطائرات والفنادق، ومدرسات للرجال في دور التعليم، وممثلاث في أفلام التلفزيون والسينما والفديو، وإذا لم يمكن ظهور صورتها في هذه الوسائل جاؤوا بصوتها في الراديو مذيعة أو مطربة، وإلى جانب اظهار صورتها المتحركة في وسائل الاعلام المرئية يظهرون صورتها الفوتوغرافية في الصحف والمجلات، بل وعلى أغلفة السلع التجارية، فيختارون أجمل فتاة يجدونها ويضعون صورتها على هذه الصحف والمجلات السيارة أو على غلفة السلع التجارية؛ ليتخذوا منها دعاية لترويج صحفهم وبضائعهم، وليغروا أهل الفساد الخلقي بفسادهم وليفتنوا الأبرياء، وهكذا أصبحت المرأة سلعة رخيصة تعرض في كل مناسبة، لقد ظلموا المرأة فسلبوها حقها الشرعي فمنعوا قوامة الرجل عليها بالإنفاق والرعاية. وعزلوها من ولايتها على البيت وتربية الأولاد وتكوين الأسرة، وهكذا قطعوا عنها كل الروافد التي تعينها على أداء وظيفتها في الحياة حتى اضطروها للخروج لطلب لقمة العيش ولو على حساب عفافها وانتهاك عرضها عند كل فاجر وماجن وحملوها القيام بعمل الرجل، وخلعوا عنها لبأس الستر، وتركوها عارية مظهرة لمفاتن جسمها، تنفذها سهام الأنظار المسمومة من كل جانب، كانت على شاطئ السلامة وبر الأمان، بعيدة عن متناول الأيدي ومماسة الرجال، فقذفوها في بحار الإختلاط المغرقة عرضة للأيدي الآثمة ومطمعا للنفوس الإمارة بالسوء، حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرّم الله في حقها، فمنعوا تعدد الزوجات، الذي هو عين المصلحة للنساء بحيث يتحمل الرجل القوامة على أكبر قدر ممكن منهن، إذ من المعلوم أن عدد النساء في المجتمعات أكثر من عدد الرجال مع ما يعتبر الرجال ويتعرضون له من الأخطار التي تقلل عددهم، فقصروا الرجل على واحدة وتركوا البقية منهن أيامى معرضات للفساد والافساد، قد يتأكلن بأعراضهن، أو يزاولن الأعمال الشاقة مشردات عن البيوت يبحثون عن العمل الذي يعشن من ورائة ولو في بلاد بعيدة عن أو طانهن.

فيسافرن بلا محارم ويعشن غريبات بين أجانب، ويتهددهن الخطر من كل جانب، وهكذا قطع أعداء الله وأعداء الإنسانية عن هذه المرأة المسكينة كل روافد الحياة السعيدة وجردوها من كل حقوقها الإجتماعية ليكونوا منها وسيلة للفساد،وآلة للدمار. وقد تعجبون حين تعلمون أنهم مع هذه الجرائم التي إرتكبوها في حق المرأة، يدعون أنهم أنصارهم والمدافعون عن حريتها والمنادون بالمطالبة بحقوقها مغررين بها كما غرر إمامهم إبليس بالأبوين عليهما السلام حين قاسمهما: اني لكما لمن الناصحين [الأعراف:21]. ويكون العجب أكثر إذا علمتم إن من بين المسلمين أبواقا تردد مقالات هؤلاء أو بعضهما وتروجها في بعض الصحف والمجلات: كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم [البقرة:118]. إنهم يرددون أقوالا قيلت من قبلهم وقد لا يدركون معناها.

أيها المسلمون: تنبهوا لدسائس اعدائكم ولمخططاتهم للقضاء عليكم، ومن أعظم ذلك موضوع المرأة الذي اتخذوه سلاحا ضدكم يشهره في وجوهكم بعض المخدوعين من أبنائكم. فأخرسوا هذه الالسن الملوثة، وحطموا هذه الأقلام المشبوهة، التي تنفث هذه السموم بينكم، واعرفوا من أين جاءت فسدوا طريقها عنكم، فإن عندكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ولن تغلبوا، وهو كتاب الله وسنة رسوله ودين الاسلام، وليس عندهم إلا الكذب والتدجيل والخداع، فاحمدوا الله على نعمه واسالوه الثبات على دينه والسلامة من شر الفتن. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا % وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا % وإن خفتم إلا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمنكم ذلك أدنى الا تعولوا % وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا % ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وأرزقوهم فيها وأكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا [النساء:1-5].


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، هدانا للإسلام، وجعلنا به خير أمة اخرجت للناس إن نحن تمسكنا به، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى في نسائكم، فانكم مستحفظون عليهن، وأي خلل يقعن فيه فإنتم المسؤولون عنه، إننا نرى ونسمع عن وضع النساء في مجتمعنا شيئا مؤسفا ومؤذنا بخطر كبير، من ذلك التساهل في أمر الحجاب خصوصا من الشابات اللآتي اعتدن الخروج، يخرجن في ملابس ضيقة ويكشفن عن أكفهن واذرعهن وربما عن وجوههن في معارض الاقمشة وعند الصاغة ومحلات تفصيل الملابس. كأن اصحاب هذه المحلات من محارمهن. وهذا منكر لا يجوز السكوت عليه. ومنهن من تضع على وجهها غطاء شفافا لا يستر ما وراءه.

وانتم – يا عباد الله – تعلمون ما اصاب بني اسرائيل من العقوبة بسبب اهمال نسائهم. وأمر اخر فشى في مجتمعنا وهو امر مخيف وهو عزوف النساء عن الزواج بحجة أن بعضهن تريد اكمال دراستها. وبعضهن قد توظفن ولا يردن التخلي عن وظائفهن، والبعض الآخر عزف عن الزواج تأثرا بالدعايات السيئة المرئية والمسموعة التي تنفر من تعدد الزوجات ومن تزويج كبار السن. وتزويج من له والد كبير السن أو والدة. وهكذا يصورون الزواج في هذه الحالات بصورة سيئة ويتخيلون له مشاكل مكذوبة، اضافة إلى أن من الأولياء مَن يمنع موليته من الزواج بكفئها، ومثل هذا قد يبتلى بتزويج من لا يصلح لموليته خلقيا ودينيا فتحدث المشاكل، وقد كثر تشكي النساء من بعض الازواج غير الأكْفاء،فهذه تقول: إن زوجها لا يصلي أو أنه يأمرها بخلع الحجاب، وأخرى تقول: إن زوجها يريد ان يستمتع منها في المحل الذي حرمه الله، وأخرى تقول: أن زوجها يجامعها في نهار رمضان. وكل هذه الجرائم سببها عدم اختيار الكفء الصالح عند التزويج.

فاتقوا الله – أيها المسلمون – في نسائكم واحفظوا فيهن وصية الله ووصية رسوله، قال تعالى: الرجال قوامون على النساء [النساء:34]. وقال النبي- -: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه، قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات)) رواه الترمذي

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 23/02/2011 :  14:22:46  Show Profile



الاعتزاز بالإسلام

رضا بن محمد السنوسي

ملخص الخطبة
1- عبودية المسلم لله شرف له. 2- اعتزاز عبد الله بن أم مكتوم. 3- شرف جليبيب بالإسلام. 4- عزة عمر وهو يستلم مفاتيح بيت المقدس. 5- ضرورة تنشئة أبنائنا على الاعتزاز بالدين.


الخطبة الأولى


أما بعد:

أحبابنا في الله: الإسلام هو الدين القيم الذي فيه صلاح البلاد والعباد، وهو أعظم المنن التي منّ بها الكريم الوهاب، وقد تكفل الله لمن سلكه بسعادة الدنيا والآخرة، فيه المبادئ السامية، والأخلاق العالية، والنظم العادلة. إنه الدين الذي ينبغي لنا أن نفتخر به، وأن نتشرف بالانتساب إليه، فمن لم يتشرف بهذا الدين ويفخر به ففي قلبه شك وقلة يقين.

إن الحق يخاطب حبيبه قائلاً: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْـأَلُونَ [الزخرف:44]. أي: شرف لك وشرف لقومك وشرف لأتباعك إلى يوم القيامة.

وممـا زادني شـرفاً وتيهـاً وكدت بإخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً

إن الشرف أن تكون من عباد الله الصالحين، وأن تعمل الصالحات وتجتنب المحرمات.

إن الشرف أن تدعو لهذا الدين، وأن تتبع سنة خير المرسلين ، لقد أدرك سلفنا الأول عظمة هذا الدين، فقدموا أنفسهم وأموالهم رخيصة لهذا الدين.

لقد كان الإسلام هو شرفهم الأول وغاية آمالهم، فهذا عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه الذي يقول له النبي : ((مرحباً بالذي عاتبني فيه ربي)) – لما أتى داعي الجهاد في سبيل الله، وارتفعت راية الإسلام، ونادى النفير للجهاد، فيقول له الصحابة: إنك معذور، أنت أعمى، وذلك لقوله تعالى: لَّيْسَ عَلَى الاْعْمَى ا [الفتح:17]. فيجيبهم: لا والله، والله يقول: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً [التوبة:41].

فلما حضرت المعركة أعطوه الراية، وقالوا: إياك أن نؤتى من قبلك فقال رضي الله عنه: بئس حامل القرآن إن أتيتم من قبلي، فوقف مكانه حتى قتل، فكان قبره تحت قدميه رضي الله عنه وأرضاه.

وهذا فارس آخر من فرسان الإسلام العظام، الذين تربوا على يد محمد ، فقدموا للبشرية الشرف العظيم في انتمائهم للإسلام وتشرفهم به، إنه جليبيب رضي الله عنه، ذلك الصحابي الذي لم يكن يملك من الدنيا إلا الإيمان الذي ملأ قلبه، فأضاء له الدنيا.

جاء جليبيب إلى رسول الله ، فتبسم عليه الصلاة والسلام لما رآه، وقال: ((يا جليبيب أتريد الزواج))؟ فقال: يا رسول الله، من يزوجني ولا أسرة عندي ولا مال ولا دار ولا شيء من متاع الدنيا؟! فقال عليه الصلاة والسلام: ((اذهب إلى ذلك البيت من بيوت الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني))، فذهب وطرق عليهم الباب، فخرج رب البيت، ورأى جليبيباً، فقال له: ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته، فشاورها، ثم قالوا: ليته غير جليبيب، لا نسب ولا مال ولا دار، فشاروا الفتاة، فقالت: وهل نرد رسول رسول الله فتزوج بها.

وحضر النبي غزوة من الغزوات، فلما كتب لهم النصر قال النبي لأصحابه: ((هل تفقدون من أحد))؟ قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثم قال : ((لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه))، فطلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبي فوقف عليه، فقال: ((قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه))، ثم وضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي ، ثم حفر له ووضع في قبره. [المسند: 4/422، مسلم: 4/1918].

فانظروا – رحمكم الله – إلى هذا الرجل الذي يفتخر به النبي ، ويضع ساعده الشريف وسادة له حتى يحفر له القبر إكراماً له، مع أنه من الفقراء في المال، لكنه من الأعزاء بالإسلام المتشرفين بالانتساب له.

إنهم عظماء؛ لأنهم عاشوا في كنف محمد .

واستمعوا إلى قصة عظيمة، إنها قصة عمر رضي الله عنه حينما خرج إلى القدس ليتسلم مفاتيح بيت المقدس – أسأل الله أن يعيده إلينا – يخرج عمر على حاله المعروفة، فيستعرض الجيش الإسلامي العظيم، ويقول قولته المشهورة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. ثم يقترب من أبي عبيدة فيعانقه، ويبكي طويلاً، فيقول عمر: يا أبا عبيدة، كيف بنا إذا سألنا الله يوم القيامة ماذا فعلنا بعد رسولنا ؟ فيقول أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، تعالى نتباكى، ولا يرانا الناس، فانحرفا عن الطريق والجيوش تنظر إليهما، فاتجها إلى شجرة، ثم بكيا طويلاً رضوان الله عليهم أجمعين.

ترى هل سأل أحد منا نفسه ماذا فعلنا بعد رسول الله ؟ هل حافظنا على سنته؟ هل اتبعنا ملته؟ ألم نفرط أو نضيع؟ ومع ذلك لا نرى فينا باكياً.

اللهم إنا نشكو إليك قسوة قلوبنا، فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

إخوة الإسلام أتباع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام:

لقد عرف سلفنا – رضوان الله عليهم – أن الحياة إنما تصرف في مرضاة الله وطاعته، وأن عزهم في دينهم وتمسكهم به، وأن ارتباطهم إنما هو بالله الواحد الأحد.

حج هشام بن عبد الملك، فلما كان في الطواف رأى سالم بن عبد الله وهو يطوف وحذاؤه في يديه، وعليه ثياب لا تساوي ثلاثة عشر درهماً، فقال له هشام: يا سالم، أتريد حاجة أقضيها لك؟ قال سالم: أما تستحي من الله، تعرض عليّ الحوائج وأنا في بيت من لا يُعوز إلى غيره؟! فسكت هشام، فلما خرجا من الحرم قال له: هل تريد شيئاً؟ قال سالم: أمن حوائج الدنيا أو الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. فقال سالم: والله الذي لا إله إلا هو ما سألت حوائج الدنيا من الذي يملكها تبارك وتعالى، فكيف أسألها منك؟

إنه الإيمان الذي ربى القلوب على التعلق بالله والنزول في حماه والالتجاء إليه والاعتصام به.

إخوة الإسلام: هذه نماذج رائعة أذكرها لكم لكي يكون لنا فيها الأسوة والقدوة في التشرف بالإسلام، والاعتزاز به، والاعتماد على الله، والتوكل عليه، والسير على نهجه، والالتزام بسنة نبيه ، فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا الإسلام حق المعرفة، واسلكوا طريقه تفلحوا وتسعدوا.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً. .. أما بعد:

إخوة الإسلام:

لكي ينشأ أبناؤنا على تعاليم الإسلام وشرائعه، يجب علينا أن نعظم شعائر الله في قلوبهم، يجب أن نربي أبناءنا على تعظيم الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأن نشعرهم بأن الخير من الله، ولا يدفع الشر سواه، وأن أمورنا إنما تكون بأمره سبحانه، فهو المتصرف كيف يشاء، وأن ننزل حاجاتنا به فهو المؤمل سبحانه، يأكل باسم الله، يخرج متوكلاً على الله، يدرس ابتغاء مرضاة الله.

كما يجب أن نعظم في قلوبهم القرآن الكريم حفظاً وتلاوة، ونشعرهم بعظمة هذا القرآن وما فيه من خير وسعادة.

ومما يجب أن يعظم في نفوسهم حب رسول الله ، وذكر سيرته وجهاده ورحمته وشفقته وشفاعته وإحسانه، وأنه الرحمة المهداة، وذلك بكثرة الصلاة والسلام عليه، وتقديم حبه على كل شيء.

إن المسئولية في هذا ملقاة على عواتق أولياء الأمور، فليتقوا الله في ذلك، وليحسنوا التربية حتى تخرج الثمار المباركة. اللهم وفقهم لما تحبه وترضى.

ثم صلوا على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، فقد أمركم بذلك مولانا في محكم التنزيل فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].


Edited by - مــطر on 23/02/2011 14:26:28
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  16:51:23  Show Profile

اتبعوا ولا تبتدعوا

صالح بن عبد الله بن حميد


ملخص الخطبة
إكمال الله عز وجل لدينه – لا يُقبل من العمل إلا ما وافق السنة – خطورة البدعة وأثرها في الخصومة والعداوة – طريقة أصحاب البدع في الاستدلال – اهتمام السلف بالاتباع وإنكارهم على المبتدعين


الخطبة الأولى

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، والزموا سنة نبيكم محمد تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المؤمنون، لقد أكمل الله هذا الدين ورضيه وأتمَّ به نعمته . . كتاب الله، وسنة رسوله محمد لم يتركا في سبيل الهداية قولاً لقائل، ولم يدعا مجالاً لمتشرِّع، العاقد عليهما بكلتا يديه، مستمسك بالعروة الوثقى، ظافر بخيري الدنيا والأخرى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3]. وَأَنَّ هَـذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّـاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

روى الطبراني بإسناد صحيح عن النبي أنه قال: ((ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله إلا وقد نهيتكم عنه))[1].

كل عبادات المتعبدين يجب أن تكون محكمة بحكم الشرع في أمره ونهيه، جارية على نهجه، موافقة لطريقته، وما سوى ذلك فمردود على صاحبه: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))[2]، ((ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))[3]. بذلك صح الخبر عن الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام.

يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله في السنن الراشدة: سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغيير فيها، ولا النظر في رأي يخالفها، من اقتدى بها فهو مهتدٍ، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.

أيها المؤمنون: إن غير سبيل المؤمنين نزعاتٌ وأهواءٌ، وضلالٌ عن الجادة، وشقٌ لعصا الطاعة، ومفارقةٌ للجماعة.

لقد رسم الشرع للعبادات والتكاليف طرقاً خاصة على وجوه خاصة زماناً ومكاناً، وهيئة وعدداً، وقصر الخلق عليها أمراً ونهياً، وإطلاقاً وتقييداً، ووعداً ووعيداً، وأخبر أن الخير فيها، والشر في تجاوزها وتعدِّيها وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

والرسل برحمة الله إلى خلقه مرسلون، ومن رام غير ذلك، وزعم أن ثمَّة طرقاً أُخَر، وعَبَدَ الله بمستحسنات العقول؛ فقد قدح في كمال هذا الدين، وخالف ما جاء به المصطفى الأمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وكأنه يستدرك على الشريعة نقائص.

يقول ابن الماجشون: سمعت مالكاً رحمه الله يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنةً؛ فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]. فما لم يكن يومئذٍ ديناً؛ فلا يكون اليوم ديناً.

الابتداع وتلمُّس المسالك والطرق معاندةٌ للشرع ومشاقةٌ له. وهو محض اتباع الهوى فليس ثمَّة إلا طريقان:

إما طريق الشرع، وإما طريق الهوى... يقول الله عزّ وجلَّ: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى اْقَوْمَ #1649;لظَّالِمِينَ [القصص:50].

لقد حصرت الآية الكريمة الحكم في أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة للمصطفى، وإما اتباع الهوى.

ولئن قصد صاحب البدعة ـ أيها الإخوة ـ ببدعته التقرب إلى الله والمبالغة في التعبد؛ فليعلم أن في هذا مداخل للشيطان عريضة في مسالك ملتوية ووسوسات مميلة، ولم يرضَ هذا المبتلى بما حدَّه الشارع وقدَّره؛ فخرج عن هذه الضوابط وتفلَّت من هذه القيود، وقد يصاحب ذلك عُجبٌ وحبٌّ في الظهور، مع ميول النفس بطبعها إلى قبول الجديد الذي لم تعهده قطعاً للسآمة والملل.

إن القيام بالتكاليف الشرعية فيه كُلفةٌ على النفس؛ لأن فيه مخالفةً للهوى، ومنازعةً للرغبات، فيثقلُ هذا على المبتدع، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها.

وكلُّ بدعة فإن للهوى فيها مدخلاً؛ لأنها راجعة إلى رغبات مخترعها ومبتدعها، ومتمشيةٌ مع هواه وميول نفسه ليست نابعةً من الشرع وأحكامه وأدلته.

ومن هنا فإنه قد يظهر من صاحب البدعة اجتهادٌ في العمل والعبادة، وما هذا إلا لخفة يجدها، ونشاطٍ يشعر به لما فيه من موافقة الهوى. ولقد كان الرهبان من النصارى ينقطعون في صوامعهم وأديرتهم على غير طريق الحق وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ [الغاشية:2، 3]. قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِ#1649;لاْخْسَرِينَ أَعْمَـالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَواةِ #1649;لدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104]. أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8].

وإنَّ قصداً في السنة خير من اجتهاد في بدعة.

وبسبب البدع وأهلها – أيها المؤمنون – يكثر الجدل بغير الحق، وبغير التي هي أحسن، وتحصل الخصومة في الدين. وقد قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ [آل عمران:105]. قال: هم أهل البدع.

وقال بعض أهل العلم: كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة؛ فهي من مسائل الإسلام.

وكل مسألة حدثت أو طرأت؛ فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة ليست من أمر الدين في شيء.

وأصحاب البدع يتبعون المتشابه، ويتعسفون في التأويل حتى فسِّر قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7]. بأنهم أهل البدع والأهواء.

وحينما قال أهل التحكيم لعليٍّ رضي الله عنه: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ [الأنعام:57]. قال: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل.

وقد تأكد في الأخبار النبوية أنه ما قامت بدعة إلا وأميتت سنة.

أخرج أحمد والبزار من حديث غضيف بن الحارث مرفوعاً: ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنةٍ خير من إحداث بدعة))[4].

وأخرج أحمد أيضاً والطبراني والبزار من حديث غضيف عن النبي أنه قال: ((ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة))[5]، فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أن في ظهور البدع انطماساً للسنن، فالسعيد من عضَّ على السنة بالنواجذ، فأحياها ودعا إليها، فردَّ الله بها مبتدعاً، وهدى بها زائغاً وأنقذ بها حائراً.

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى عدي بن أرطاة بشأن بعض القدرية: (أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت به سنة، فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارضَ لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كفوا، وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضلٍ كانوا فيه أحرى، إنهم هم السابقون، تكلَّموا بما يكفي، وصفوا ما يشفي، فما دونهم مقصِّر، وما فوقهم محسِّر، لقد قصَّر فيهم قوم فجفَوا، وتجاوز آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم)[6].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـالاً مُّبِيناً [الأحزاب:36].


الخطبة الثانية

الحمد لله، له الحمد في الأولى والآخرة، أحمده وأشكره على نعمه الباطنة والظاهرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، هدى بإذن ربه القلوب الحائرة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه نجوم الدجى والبدور السافرة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

اتبعوا رحمكم الله ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. يقول حذيفة رضي الله عنه: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله فلا تعبَّدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً.

أخرج الدارمي بسند صحيح أن أبا موسى الأشعري قال لابن مسعود رضي الله عنهما جميعاً: (إني رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟؟ ثم أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قـالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال:‍‍‍‍‍ فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحَكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم؛ هؤلاء أصحابه متوافرون. وهذه ثيابه لم تبلَ، والذي نفسي بيده أنتم لعلى ملةٍ هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه؟)[1].

وروي أن رجلاً قال لمالك بن أنس: من أين أُحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله . قال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَـاِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خُصصت بفضل لم يخص به رسول الله ؟!

فاتقوا الله – يرحمكم الله – وخذوا بالنهج الأول، وعليكم بالاتباع، وابتعدوا عن الابتداع.



Edited by - مــطر on 02/03/2011 16:59:25
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  17:02:29  Show Profile


الإخلاص


خالد بن محمد الشارخ

ملخص الخطبة
1- لا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصاً. 2- ما هو الإخلاص. 3- النية مع العادة تجعلها عبادة. 4- تفاضل الأعمال بعمل القلوب. 5- خوف السلف الصالح من الرياء. 6- الأخفياء بصالح العمل. 7- المسمعون بأعمالهم المرءون بها. 8- ثلاث مسائل دقيقة في الرياء والإخلاص.


الخطبة الأولى


أيها المسلمون: إن الإخلاص هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة المرسلين قال تعالى: ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه)) [رواه مسلم].

وقال : ((من تعلم علماً بما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة (يعني ريحها) يوم القيامة)) [رواه أبو داود]. والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً.

أيها الأخوة في الله: قد يقول قائلكم ما هو الإخلاص الذي يأتي في الكتاب والسنة واستعمال السلف الصالح رحمهم الله.

فأقول: لقد تنوعت تعاريف العلماء للإخلاص، ولكنها تصب في معين واحد ألا وهو أن يكون قصد الإنسان في حركاته وسكناته وعباداته الظاهرة والباطنة، خالصة لوجه الله تعالى، لا يريد بها شيئاً من حطام الدنيا أو ثناء الناس.

قال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد بن حنبل عن النية في العمل، قلت كيف النية: قال يعالج نفسه، إذا أراد عملاً لا يريد به الناس.

قال أحد العلماء: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا. أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه نفسٌ ولا هوىً ولا دنيا.

أيها المسلمون: إن شأن الإخلاص مع العبادات بل مع جميع الأعمال حتى المباحة لعجيب جداً، فبالإخلاص يعطي الله على القليل الكثير، وبالرياء وترك الإخلاص لا يعطي الله على الكثير شيئاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله به كبائر الذنوب كما في حديث البطاقة، وحديث البطاقة كما أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله : ((يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدّ البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: أفلك عذر أو حسنة فيها؟ فيقول الرجل: لا، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها، أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) [صححه الذهبي].

قال ابن القيم رحمه الله: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض. قال: وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدّ البصر تثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب. ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه. أهـ. رحمه الله.

ومن هذا أيضاً أيها الأخوة حديث الرجل الذي سقى الكلب، وفي رواية: بغي من بغايا بني إسرائيل.

فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرجه فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفّه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر)) [متفق عليه].

وفي رواية البخاري: ((فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة)).

ومن هذا أيضاً ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أيضاً عن النبي قال: ((لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين))، وفي رواية: ((مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأُدخل الجنة)).

قال شيخ الإسلام رحمه الله معلقاً على حديث البغي التي سقت الكلب وحديث الرجل الذي أماط الأذى عن الطريق قال رحمه الله: فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يغفر لها.

فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال.

أيها الأخوة: وفي المقابل نجد أن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله، لا قيمة لها ولا ثواب فيها، بل صاحبها معرض للوعيد الشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في وجوه الخير، وقتال الكفار، وقيل: العلم الشرعي.

كما جاء في حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به، فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت ليقال: جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.

ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به يعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت؟ قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.

ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من صنوف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ألا أنفقت فيها قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)) [رواه مسلم].

أيها الأخوة في الله: ولذلك فقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله أشد الناس خوفاً على أعمالهم من أن يخالطه الرياء أو تشوبها شائبة الشرك. فكانوا رحمهم الله يجاهدون أنفسهم في أعمالهم وأقوالهم، كي تكون خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى.

ولذلك لما حدث يزيد بن هارون بحديث عمر : ((إنما الأعمال بالنيات)) والإمام أحمد جالس، فقال الإمام أحمد ليزيد: يا أبا خالد هذا الخناق.

وكان سفيان الثوري يقول: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي لأنها تتقلب علي.

وقال يوسف بن أسباط، تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

وقال بعض السلف: من سره أن يكمُل له عمله، فليحسن نيته، فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا أحسنت نيته حتى باللقمة.

قال سهل بن عبد الله التستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب.

وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني استغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت.

وهذا خالد بن معدان كان رحمه الله: إذا عظمت حلقته من الطلاب قام خوف الشهرة.

وهذا محمد بن المنكدر يقول: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت.

وهذا أيوب السختياني كان يقول الليل كله فإذا جاء الصباح (أي الفجر) رفع صوته كأنه قام الآن.

وكان رحمه الله إذا حدث بحديث النبي يشتد عليه البكاء (هو في حلقته) فكان يشد العمامة على عينه ويقول: ما أشد الزكام ما أشد الزكام.

وهذا عبد الواحد بن زيد يخبرنا بحدث عجيب حصل لأيوب، وقد عاهده ألا يخبر إلا أن يموت أيوب إذ لا رياء حينئذ، قال عبد الواحد كنت مع أيوب فعطشنا عطشاً شديداً حتى كادوا يهلكون، فقال أيوب: تستر عليّ؟ فقلت: نعم إلا أن تموت.

قال عبد الواحد فغمز أيوب برجله على حرّاء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معي.

*وقال أبو حازم: لا يحسن عبد فيما بينه وبين ربه إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد.

ولا يعور ما بينه وبين الله إلا أعور الله ما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها.

وهذا داود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان له دكان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به فإذا جاء العشاء تعشى مع أهله.

وكان رحمهم الله يقوم الليل أكثر من عشرين سنة ولم تعلم به زوجته، سبحان الله انظر كيف ربّوا أنفسهم على الإخلاص وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة، فهذا زوجته تضاجعه وينام معها ومع ذلك يقوم عشرين سنة أو أكثر ولم تعلم به، أي إخفاء للعمل كهذا، وأي إخلاص كهذا.

فأين بعض المسلمين اليوم الذي يحدث بجميع أعماله، ولربما لو قام ليلة من الدهر لعلم به الأقارب والجيران والأصدقاء، أو لو تصدق بصدقة أو أهدى هدية، أو تبرع بمال أو عقار أو غير ذلك لعلمت الأمة في شرقها وغربها، إني لأعجب من هؤلاء، أهم أكمل إيمانا وأقوى إخلاصاً من هؤلاء السلف بحيث أن السلف يخفون أعمالهم لضعف إيمانهم، وهؤلاء يظهرونها لكمال الإيمان؟ عجباً ثم عجباً، فإني أوصيك أخي المسلم إذا أردت أن يحبك الله وأن تنال رضاه فما عليك إلا بصدقات مخفية لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك فضلاً أن يعلمه الناس. وما عليك إلا بركعات إمامها الخشوع وقائدها الإخلاص تركعها في ظلمات الليل بحيث لا يراك إلا الله ولا يعلم بك أحد.

إن تربية النفس على مثل هذه الأعمال لهو أبعد لها عن الرياء وأكمل لها في الإخلاص. وقد كان محمد بن سيرين رحمه الله يضحك في النهار حتى تدمع عينه، فإذا جاء الليل قطعه بالبكاء والصلاة.

اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، واجعلها خالصة لك، صواباً على سنة رسولك آمين، قلت: ما قد سمعتم.



الخطبة الثانية


الحمد لله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أيها الأخوة في الله: اعلموا أن الإخلاص ينافيه عدةُ أمورٍ من حب الدنيا والشهرة والشرف والرياء، والسمعة والعجب.

والرياء هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدوا صاحبها، فهو يقصد التعظيم والمدح والرغبة أو الرهبة فيمن يرائيه.

وأما السمعة فهي العمل لأجل سماع الناس.

وأما العجب فهو قرين الرياء، والعجب أن يعجب الإنسان بعبادته ويرى نفسه بعين الإعجاب وكل هذه من مهلكات الأعمال.

وهناك أيها الأخوة مسالك دقيقة جداً من مسالك الرياء يوقع الشيطان فيها العبد المؤمن من حيث يشعر أو لا يشعر، وسأذكر لك بعضها لأن الحديث عن الرياء والعجب وغيرهما مما ينافي الإخلاص حديث طويل جداً، ولكن حسبي في هذا المقام أن أورد لك ثلاثة من تلك المسالك الدقيقة للرياء، وهذه المسالك غالباً يقع فيها الصالحون إلا من رحمه الله.

أما أولها: فما ذكره أبو حامد الغزالي حيث قال أثناء ذكره للرياء الخفي: "وأخفى من ذلك أن يختفي العامل بطاعته، بحيث لا يريد الإطلاع، ولا يسّر بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدأوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يسامحوه في البيع والشراء، وأن يوسعوا له في المكان فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه.

ووجد لذلك استبعاداً في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه، ولو لم يكن قد سبق من تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه. وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون".

وأما ثانيها: فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة لا غاية وقصداً، فيجعل الإخلاص وسيلة لأحد المطالب الدنيوية.

وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على تلك الآفة الخفية فكان مما قال رحمه الله:- "حكى أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه قال: فأخلصت أربعين يوماً فلم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنك إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله تعالى".

وهذا مسلك خطير كما سمعت وقليل من يتفطن له.

والأمثلة عليه كثيرة من الواقع، فتجد بعض الناس يكثر من الأعمال الصالحة في أيام الاختبارات مثلاً كصيام النوافل وقيام الليل وكثرة الصلاة والخشوع، وقلبه منعقد على أنه إذا أكثر من العبادات سيوفق في اختباره أو سيفوز بوظيفة ما، فهذا بالحقيقة إنما أخلص للاختبارات وذلك أخلص للوظيفة.

ومن ذلك أيضاً أن بعض الناس يذهب إلى المسجد ماشياً أو يحج كل سنة أو غير ذلك من العبادات التي فيها رياضة.

ويكون قد انعقد في قلبه أنه يفعل ذلك لينشط جسمه أو يحرك الدورة الدموية كما يقولون.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكيلة. أهـ.

بل اجعل مشيك للمسجد وحجك وعبادتك خالصة لله تعالى، وهذه الأشياء تحصل حتماً دون أن تعقد عليها قلبك.

وأما ثالث هذه المسالك الدقيقة وهو ما أشار اليد الحافظ ابن رجب رحمه الله بقوله: "ههنا نكتة دقيقة، وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يري الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء، وقد نبه عليه السلف الصالح.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  17:06:38  Show Profile



في التحذير من آفات اللسان


صالح بن فوزان الفوزان


ملخص الخطبة
1- تعظيم أمر اللسان وما يصدر منه من أقوال 2- من آفات اللسان : أ- الكلام فيما لا يعنى ب- الخوض في الباطل ج- الفحش والبذاءة د- كثرة المزاح هـ - السخرية والاستهزاء و- الغيبة والنميمة


الخطبة الأولى


أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتحفظوا من ألسنتكم فإن كلامكم محفوظ عليكم، قال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق:18]، وقال تعالى: سنكتب ما قالوا [آل عمران:151]، وقال تعالى: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم [النور:15]. وقد أمر النبي بالصمت، إلا إذا كان الكلام خيرا، قال : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت ))، وقال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ، وقال رجل للنبي : ((دلني على عمل يدخلني الجنة، قال : أمسك عليك هذا، وأشار إلى لسانه فأعاد عليه، فقال: ثكلتك أمك هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ))، والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرم وعقوباته، فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم القيامة ما رزع، فمن زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة، ومن زرع شرا من قول أو عمل حصد الندامة.

ومعصية القول باللسان يدخل فيها الشرك، وهو أعظم الذنوب عند الله، ويدخل فيها القول على الله بلا علم وهو قرين الشرك، ويدخل فيها شهادة الزور التي عدلت الإشراك بالله، ويدخل فيها السحر والقذف، ويدخل فيها الكذب والغيبة والنميمة، وفي: (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي قال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ))، وأخرجه الترمذي ولفظه: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار )).

أيها المسلمون: لقد كان خوف السلف الصالح من آفات اللسان عظيما كان أبو بكر يمسك لسانه يقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرا تغنم، أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا أنك ستندم. فقيل له: يا ابن عباس ! لم تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان ليس على شيء من جسده أشد حنقا أو غيظا منه على لسانه، إلا من قال به خيراً، أو أملى به خيراً. وكان ابن مسعود يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. وقال الحسن: اللسان أمير البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئا جنت، وإذا عف عفت.

أيها المسلمون: إن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب، كما روى الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: ((لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغر ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس عن الله القلب القاسي )).

وقال عمر : من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به. وقال محمد بن عجلان: إنما الكلام أربعة: أن تذكر الله، وتقرأ القرآن، وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك. فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق ولا السكوت مأموراً به على الإطلاق، بل لا بد من الكلام في الخير العاجل والآجل، والسكوت عن الشر الآجل والعاجل، واللسان ترجمان القلب والمعبر عنه وقد أمرنا باستقامة القلب واللسان، قال : ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))، رواه الإمام أحمد في مسنده. وروى الترمذي: ((إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا )).

أيها المسلمون: إن آفات اللسان كثيرة ومتنوعة:

فالآفة الأولى: الكلام فيما لا يعني، وفي الحديث الصحيح: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )).

الآفة الثانية: الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي، والتحدث عنها بما يروجها بين الناس، ويشيع الفاحشة بينهم، ومن ذلك ما يقع في المجتمع من المخالفات التي يرتكبها بعض الأفراد، فإن التحدث عنها في المجالس يفرح الأشرار والمنافقين، ويشيع الفاحشة في المؤمنين وقد قال الله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون .

والواجب على من علم من أخيه زلة أن يستر عليه ويناصحه، أو يرفع أمره إلى ولي الأمر إذا اقتضت المصلحة ذلك، أما أن يتخذ من زلته موضوعا يتحدث عنه المجالس فإن ذلك من أقبح الخصال، وذميم الفعال قال النبي : (( لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته))، رواه الإمام أحمد.

الآفة الثالثة: التكلم بالفحش والسب والبذاءة والشتم، فإن بعض الناس يعتاد النطق بلعن الأشخاص والأماكن والدواب، فيكون النطق باللعنة أسهل الألفاظ عليه، وربما يواجه بها صديقه وصاحبه والعزيز عليه، وقد قال النبي : (( لعن المسلم كقتله ))، وقال عليه الصلاة والسلام: (( ليس المؤمن بالطعان واللعان ولا الفاحش ولا البذيء))، وقد لعنت امرأة ناقة لها فأمر النبي بأخذ ما عليها وتركها، وقال: (( لا تصحبنا ناقة ملعونة ))، وبعض الناس حينما يكون بينه وبين أخيه المسلم منازعة أو مشادة، فإنه يطلق لسانه عليه بالسب والشتم والتعيير، ورميه بما ليس فيه من قبيح الخصال، ولا يدري هذا المسكين أنه إنما يجني على نفسه ويحملها أوزار ما يقول، والله تعالى قد أمر من وجه إليه شيء من الشتائم والسباب أن يدفع ذلك الكلام بالكلام الحسن، قال تعالى: ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا كان المعتدي عليه بالكلام السيئ مأمورا بدفعه بكلام حسن ابتعادا عن النطق بالفحش ولو قصاصا، فكيف الذي يبدأ بالفحش ويتفوه بالإثم؟!.

الآفة الرابعة: من آفات اللسان: كثرة المزاح فإن الإفراط في المزاح والمداومة عليه منهي عنهما، لأنه يسقط الوقار، ويوجب الضغائن والأحقاد، أما المزاح اليسير النزيه فإنه لا بأس به، لأن فيه انبساطا وطيب نفس، وكان النبي يمزح ولا يقول إلا حقا.

الآفة الخامسة: الاستهزاء والسخرية بالناس، وتتبع عثراتهم، والبحث عن عوراتهم، والتندر بذلك، وانتقاصهم، والضحك منهم، قال تعالى: ويل لكل همزة لمزة [الهمزة:1]، يعني الذي يزدري الناس وينقصهم قيل: الهمز بالقول، واللمز بالفعل، توعده الله بالويل وهو كلمة عذاب، أو واد في جهنم نعوذ بالله من ذلك.

الآفة السادسة والسابعة: الغيبة والنميمة، هما من كبائر الذنوب، والغيبة: ذكرك أخاك حال غيبته بما كره، والنميمة: نقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد، وقد شبه الله المغتاب بآكل الميتة، وفي الحديث: ((إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، إن الرجل قد يزني ويتوب، ويتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه ))، وأخبر النبي أن النمام يعذب في قبره. وأخبر أن النمام لا يدخل الجنة يوم القيامة، فقد روى البخاري ومسلم: أن النبي قال: ((لا يدخل الجنة نمام))، والنمام يفسد بين الناس، ويزرع في القلوب الأحقاد والأضغان، ويهدم البيوت، ويخرب الأوطان، وقد قال تعالى: ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم [الظلم:10-12].

أيها المسلمون: تحفظوا من ألسنتكم، وزنوا أقوالكم، فإن الإنسان قبل أن يتكلم يملك كلامه، لكنه إذا تكلم ملكه كلامه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق:16-18]، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً [الأحزاب:70-71].



Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  17:13:08  Show Profile


في الحث على الإحسان

صالح بن فوزان الفوزان

ملخص الخطبة
1- جزاء الإحسان في الآخرة 2- الإحسان في العلاقة مع الله 3-الإحسان في العلاقة مع الخلق 4- وجه من وجوه الإحسان


الخطبة الأولى


أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن ذلك هو طريق النجاة، واعلموا أن الله سبحانه أمر بالإحسان في آيات كثيرة، وأخبر أنه يحب المحسنين، ولا يضيع أجر من أحسن عملا.

وقال تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، قال ابن عباس وغيره في معنى الآية: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة؟.

وقال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون [يونس:26].

وقد ثبت عن النبي في صحيح مسلم تفسير الزيادة المذكورة في هذه الآية الكريمة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم في الجنة.

قال ابن رجب رحمه الله: وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه المراقبة لله وحضور القلب كأنه يراه وينظر إليه، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله به عن الكفار في الآخرة بقوله: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين:15]، فإن ذلك جزاء لحالهم في الدنيا لما تراكم من الذنوب على قلوبهم، فحجبهم عن معرفة الله ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم أن حجبوا عن رؤية الله في الآخرة.

عباد الله: والإحسان ضد الإساءة، قال تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [النجم:31].

وهو أنواع كثيرة: منهما ما يكون في عبادة العبد لربه، كما بينه الرسول لما قال له جبريل عليه السلام: أخبرني عن الإحسان، قال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).

ومعناه بأن يعبد ربه مستحضرا لقربه منه واطلاعه عليه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب أيضا إخلاص العبادة لله وتحسينها وإكمالها، ومن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ أعلى مراتب الدين.

ومن أنواع الإحسان: الإحسان في العمل بأن يكون موافقا لما شرعه الله على لسان رسوله خاليا من البدع والمخالفات، قال تعالى: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة:112]، وقال تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى [لقمان:22].

وإسلام الوجه لله، وإلى الله، معناه: إخلاص العمل من الشرك.

والإحسان للعمل معناه: متابعة السنة فيه ومجانبة البدعة، وأي عمل لا يتوفر فيه هذان الشرطان يكون هباءً منثورا ووبالا على صاحبه.

ومن أنواع الإحسان: الإحسان إلى الخلق من الآدميين والبهائم، بإغاثة الملهوف وإطعام الجائع والتصدق على المحتاج وإعانة العاجز، والتيسير على المعسر والإصلاح بين الناس، قال الله تعالى: وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ، وقال تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وقال تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم [النساء:36]، فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى هذه الأصناف بإيصال الخير إليهم ودفع الشر عنهم، وقال تعالى: إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم [الذاريات:15-19]. فبين الله سبحانه سبب حصولهم على هذه الكرامة العظيمة وأن ذلك بما أسلفوه من الإحسان في الدنيا من صلاة الليل والاستغفار بالأسحار والتصدق على المحتاجين، وقال تعالى: إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون إنا كذلك نجزي المحسنين [المرسلات:41-44].

والآيات في ذلك كثيرة تبين ما للإحسان من عاقبة حميدة، وثواب عظيم.

ومن أنواع الإحسان: الإحسان إلى البهائم، عن أبي هريرة ، عن رسول الله قال: (( دنا رجل إلى بئر فنزل فشرب منها، وعلى البئر كلب يلهث فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه، فشكر الله له ذلك فأدخله الجنة ))، رواه ابن حبان في صحيحه، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء النبي فقال: إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته، فهل في ذلك أجر؟ فقال رسول الله : ((إن في كل ذات كبد أجرا))، رواه أحمد ورواته ثقاة مشهورون.

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه الحر، فوجد بئرا فنزل فيه فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له ))، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: ((في كل كبد رطبة أجر ))، رواه مالك، والبخاري، ومسلم.

ففي هذه الأحاديث فضل الإحسان إلى البهائم بما يُبْقي عليها حياتها، ويدفع عنها الضرر، سواء كانت مملوكة أو غير مملوكة، مأكولة أو غير مأكولة، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيَحد أحدكم شفرته ولْيُرح ذبيحته ))، فيه فضيلة الإحسان إلى البهائم المأكولة في حال ذبحها، وهذا شيء يغفل عنه بعض الناس، فيسيؤن إلى البهائم في كيفية ذبحها.

والإحسان قد أمر الله به في مواضع من كتابه، منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب، فهو في كل شيء بحسبه.

فالإحسان في معاملة الخالق بفعل الواجبات وترك المحرمات واجب، وفي فعل المستحبات وترك المكروهات متسحب، والإحسان في معاملة الخلق، منه ما هو واجب كالإحسان إلى الوالدين والأقارب بالبر والصلة، ومنه ما هو مستحب كصدقة التطوع، وإعانة المحتاج، والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب بإزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها، من غير زيادة في التعذيب، وهكذا مطلوب من المسلم أن يكون محسنا في كل شيء مما يأتي وما يذر، محسن في عمله، محسن في تعامله مع الله ومع خلقه، ومحسن في نيته وقصده، قال الله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم [التوبة:91]، فهؤلاء الذين لا يستطيعون القتال لعجزهم الجسمي والمالي مع سلامة نياتهم وحسن مقاصدهم، قد عذرهم الله لأنهم محسنون في نياتهم، لم يتركوا الجهاد لعدم رغبتهم فيه، وإنما تركوه لعجزهم عنه، ولو تمكنوا منه لفعلوه، فهم يشاركون المجاهدين في الأجر لنياتهم الصالحة وحسن قصدهم، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود، وأصله في الصحيحين أن رسول الله قال: ((لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم )).

وكما يكون الإحسان في الأعمال والنيات يكون في الأقوال أيضا، قال تعالى: وقولوا للناس حسنا [البقرة:83]، أي: قولوا لهم قولا حسنا، بأن تخاطبوهم بالكلام الطيب، الذي يجلب المودة، ويرغب في الخير، ويؤلف القلوب.

وهذا يشمل الصدق في الحديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، وقد جاء في الحديث: (( والكلمة الطيبة صدقة ))، فاتقوا الله – عباد الله – وكونوا من أهل الإحسان لتنالوا من الله الأجر والرضوان.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين [العنبكوت:69].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...



الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين، على فضله وإحسانه، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن وجوه الإحسان كثيرة، ينبغي للمسلم أن يسهم فيما يستطيع منها، ولا سيما منْ منّ الله عليهم بوفرة المال، فإن المجالات الخيرية أمامهم واسعة، من بناء المساجد، وتوفير المياه للشرب، وطباعة الكتب الدينية، وتوزيع المصاحف، ومساعدة مشاريع تعليم القرآن الكريم، ومساعدة المراكز الإسلامية في الخارج، وإعانة المجاهدين في سبيل الله، ومواساة المنكوبين والمشردين من المسلمين والمصابين بالمجاعة.

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : (( سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره، من علم علما، أو كرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته ))، رواه البزار، وأبو نعيم في الحلية. ومعنى كرى نهرا: أي حفره.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال أتى النبي رجل فقال: ما عملٌ إن عملت به دخلت الجنة؟ قال: ((أنت ببلد يجلب به الماء؟ ))، قال: نعم، قال: ((فاشتر سقاء جديدا، ثم اسق فيها حتى تخرقها، فإنك لن تخرقها حتى تبلغ بها الجنة )) رواه الطبراني في الكبير.

وفي (الصحيحين) عن أنس عن النبي قال: ((ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كان له صدقة ))، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي قال: ((ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما شرق منه له صدقة، وما أكل السبع مه فهو له صدقة، ولا ينقصه أحد إلا كان له صدقة ))، وفي رواية له أيضا: ((فلا يأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة ))، وظاهر هذه الأحاديث يدل على أن هذه الأشياء تكون صدقة يثاب عليها الزارع والغارس ونحوهما، إذا نوى واحتسب الأجر عند الله سبحانه، ولكن المؤسف أن كثيرا من الأثرياء يحبسون أموالهم عن الإسهام في الخير، ويحرمون أنفسهم من الثواب، وهم قادرون على ذلك، فكانوا ممن جمع فأوعى، فيا حسرة من كان جمّاعا للمال منّاعا للخير لا يقدم لنفسه ما يجده عند الله خيرا وأعظم أجرا، يتعب في جمع المال وحفظه ويتركه لغيره ولا يقدم منه لنفسه.

فاتقوا الله – عباد الله – وقدموا لأنفسكم: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله...

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  17:16:08  Show Profile


في فضل الاستغفار


الرقاق والأخلاق والآداب


ملخص الخطبة
1- الأنبياء يستغفرون الله 2- فوائد الاستغفار 3- أوقات يُندب فيها الاستغفار 4- معنى الاستغفار 5- صيغ الاستغفار


الخطبة الأولى


أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله قد أمرنا بالتوبة إليه، والاستغفار من ذنوبنا، في آيات كثيرة من كتابه الكريم، وسمى ووصف نفسه بالغفار وغافر الذنب وذي المغفرة، وأثنى على المستغفرين ووعدهم بجزيل الثواب، وكل ذلك يدلنا على أهمية الاستغفار، وفضيلته، وحاجتنا إليه. وقد قص الله علينا عن أنبيائه أنهم يستغفرون ربهم، ويتوبون إليه، فذكر عن الأبوين عليهما السلام أنهما قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف:23]، وذكر لنا عن نوح - عليه السلام – أنه قال: وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [هود:47]، وقال أيضا: رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات [نوح:28]، وذكر عن موسى – عليه السلام – أنه قال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي [القصص:16]، وذكر عن نبيه داود – عليه السلام – أنه قال: فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب [ص:24]، وذكر عن نبيه سليمان – عليه السلام – أنه قال: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ، وأمر خاتم رسله نبينا محمداً بقوله: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ، وأمرنا بالاستغفار فقال: فاستقيموا إليه واستغفروه [فصلت:6]، وفي الحديث القدسي يقول سبحانه: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم)).

عباد الله: وللاستغفار فوائد عظيمة، منها: أنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات، كما في الحديث: ((فاستغفروني أغفر لكم ))، وكما قال تعالى: ومن يعمل سوءً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً [النساء:110]. وفي الحديث: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك)).

ومن فوائد الاستغفار: أنه يدفع العقوبة ويدفع العذاب قال الله تعالى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .

ومن فوائد الاستغفار: أنه سبب لتفريج الهموم، وجلب الأرزاق والخروج من المضائق ففي سنن أبي داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب )).

ومن فوائد الاستغفار: أنه سبب لنزول الغيث والإمداد بالأموال والبنين ونبات الأشجار وتوفر المياه، قال تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً [نوح:10-12]، وقال عن هود عليه السلام أنه قال لقومه: ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم [هود:52].

عباد الله: والاستغفار مشروع في كل وقت، وهناك أوقات وأحوال مخصوصة يكون للاستغفار فيها مزيد فضل، فيستحب الاستغفار بعد الفراغ من أداء العبادات؛ ليكون كفارة لما يقع فيها من خلل أو تقصير، كما شرع بعد الفراغ من الصلوات الخمس، فقد كان النبي إذا سلم من الصلاة المفروضة يستغفر الله ثلاثا؛ لأن العبد عرضة لأن يقع منه نقص في صلاته بسبب غفلة أو سهو.

كما شرع الاستغفار في ختام صلاة الليل، قال تعالى عن المتقين: كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات:17-18]. وقال تعالى: والمستغفرين بالأسحار .

وشرع الاستغفار بعد الإفاضة من عرفة والفراغ من الوقوف بها قال تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [البقرة:199].

وشرع الاستغفار في ختم المجالس حيث أمر النبي عندما يقوم الإنسان من المجلس أن يقول: (( سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ))، فإن كان مجلس خير كان كالطابع عليه، وإن كان غير ذلك كان كفارة له.

وشرع الاستغفار في ختام العمر، وفي حالة الكبر، فقد قال الله تعالى لنبيه عند اقتراب أجله: بسم الله الرحمن الرحيم: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً [سورة النصر]. فقد جعل الله فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا، علامة على قرب نهاية أجل النبي ، وأمره عند ذلك بالاستغفار، فينبغي لكم أيها المسلمون ملازمة الاستغفار في كل وقت، والإكثار منه في هذه الأوقات والأحوال المذكورة، لتحوزوا هذه الفضائل، وتنالوا هذه الخيرات، فقد كان نبينا يكثر من الاستغفار.

فقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((إننا لنعد لرسول الله في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك التواب الرحيم ))، وفي سنن ابن ماجه بسند جيد عن النبي أنه قال: ((طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا)).

عباد الله: والاستغفار معناه طلب المغفرة من الله بمحو الذنوب، وستر العيوب، ولا بد أن يصحبه إقلاع عن الذنوب والمعاصي. وأما الذي يقول: أستغفر الله بلسانه، وهو مقيم على المعاصي بأفعاله فهو كذاب لا ينفعه الاستغفار. قال الفضيل بن عياض – رحمه الله -: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقال آخر: استغفارنا ذنب يحتاج إلى استغفار ! يعني: أن من استغفر ولم يترك المعصية، فاستغفاره ذنب يحتاج إلى استغفار. فلننظر في حقيقة استغفارنا، لئلا نكون من الكذابين الذين يستغفرون بألسنتهم، وهم مقيمون على معاصيهم.

عباد الله: هناك ألفاظ للاستغفار وردت عن النبي ينبغي للمسلم أن يقولها، منها: قوله : (( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ))، وقوله: (( أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ))، وقال : (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها من الليل وهو موقن به فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة )) رواه البخاري.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، إلى قوله: ونعم أجر العاملين [آل عمران:133-136].

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  17:19:26  Show Profile


الهم والحزن

بهجت بن يحيى العمودي


ملخص الخطبة
1- أعراض مرض الهم والحزن في حياة الناس. 2- تخبط الكثيرين في علاج هذه الظاهرة. 3- أسباب ضيق الصدر كما ذكرها القرآن. 4- العلاج الناجح لهذا المرض وتلك الظاهرة.


الخطبة الأولى

إخوة الإيمان، إننا اليوم بصدد علاج مرض من الأمراض ومشكلة من المشاكل ووباء من الأوبئة يجعل الحياة موتاً, والدنيا نكداً وهماً، واللذة تعاسة، وتصير الأرض الواسعة ضيقة بما رحبت على أهلها.

أما أعراضه، فالهم والغم. آهات وأنّات. كدر وملل. تفجر وصخب. تعاسة وقلق، كره وبغضاء للنفس ومن حولها. ترى ما هو هذا المرض الذي هذه أعراضه.

إنه مرض ضيق الصدر، يبدأ البدن بالاضطراب، ويضيق الصدر يريد الخلاص من النفس. هذه النفس التي يوجد بها فراغ لا يدري كيف يملؤه، بها وحشة لا يدري كيف يزيلها. بها هموم وآلام لا يدري كيف يبعدها.

فيمضي المسكين وقته بالبكاء الحار. والنحيب المر، ويقضي حياته بالسفر والهروب والتمرد على الأهل والمجتمع، وينتهي به المطاف إلى الأرصفة والدخان والمخدرات ثم الانتحار.

وهذا كله استعانة بشياطين الجن والإنس، يبغي بذلك حلاً لهذه المشكلة وعلاجاً لهذا المرض، ولكن نقول له: لقد أخطأت في العلاج.

إن المتأمل ـ يا عباد الله ـ في حال مثل هؤلاء يجد أن المرض يبدأ بقطع الصلة بينه وبين الله سبحانه وتعالى. لا يصلي، وإن صلى ففي الجمع والأعياد، هائم على وجهه في هذه الأرض، فرح بشبابه، متسكع مع أحبابه، تناسى أحزانه، يغني للدنيا أعذب الألحان وينشد فيها أجمل الكلمات، يدخل بيته كالذئب المفترس، ويخرج من بيته والشياطين تطير أمام عينيه، بعيد كل البعد عن منهج الله عز وجل وطريق رسوله صلى الله عليه وسلم، معرض عن ذكر الرحمن، مقبل على ذكر الشيطان، و من هنا أحبتي تبدأ المشكلة.

عباد الله، لكل شيء سبب، فما هو سبب ضيق الصدر؟!

أخبرنا بذلك ربنا جل في علاه بقوله: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاء [الأنعام:125].

سبحان الله!! ما أعظم هذه الآية، أين الحيارى ليجدوا سبب مشاكلهم؟ أين التائهون المكتئبون ليعلموا سبب مرضهم؟

ثلاث صفات، وصف الله بها الصدر البعيد عن هداية الله.

ضَيّقاً: أي مغلق، مطموس، لا يتسع لشيء من الهدى .

حَرَجاً: لا ينفد فيه الإيمان والخير، فهو يجد العسرة والمشقة في قبولهما

كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاء: أي أن حال هذا الصدر: كأنما يصعد بصعوبة وباستمرار في طبقات السماء، فينقص عنه الهواء، فيضيق، فيزداد ضيقاً، حتى لكأنه يختنق، وهذا هو الذي يشعر به الشخص، ضيِّق الصدر. هذا هو الذي يحسه الإنسان الذي تتخطفه الهموم والآلام والقلق والحيرة.

فهو يشعر بأن روحه تصعد ويحس أنه في سجن وأن صدره في ضيقاً.

إذاً فالسبب الأول هو البعد عن الهداية الربانية، يقول الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً [طه:124].

إن الذي يعرض عن ذكر الله ويخالف أمر الله، ويخالف أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ستصبح معيشته وحياته ضنكاً ضيقة .. مليئة بالهموم والآلام والفراغ وضيق الصدر، ولو كان الشخص في عنفوان شبابه، يملك من الأموال الكثير، ومن الأرض الكثير ومن الأصدقاء الكثير، ثم أعرض عن ذكر الله فسيصيبه الكدر وضيق الصدر وسترى معيشته وحياته ودنياه ضنكاً، ستضيق به الأرض بما رحبت، لن ينفعه أمواله، لن يحمل أصدقاؤه هذا الهم من قلبه وصدره، لن يخففوا عنه، لن تسعه أرضه وإن كثرت وامتدت.

لماذا وهو الشاب؟ لماذا وهو الغني؟ كيف حدث له ضنك العيش هذا؟! لأنه أعرض عن ذكر الله، فسيرى معيشته ضنكاً عقوبة من الله.

حدث له ضنك العيش، وضيق الصدر لأنه قاسي القلب، لا يتأثر بالآيات والمواعظ. منكب على الدنيا، يجري خلف الشهوات، ويلهث وراء المنكر، وكل همه اللذائد والموبقات، لا يقر له قرار، فمن ذنب إلى معصية، ومن صغيرة إلى كبيرة.

يمل من اللذة فينتقل إلى غيرها .. يبحث عن السعادة في الفيلم والأغنية والمجلة والكرة والنكتة والطرفة .. يعيش في تعاسة، لا يخاف من الموت وأهوال الحساب وكرب القيامة. غافل عن الله متقاعس عن الخير، في وجهه ظلمة، عكستها ذنوبه وروحه المظلمة.

وبعد أحبتي، جاء دور العلاج لهذا المرض الفتاك الخطير على النفس المسلمة؟ يقول تعالى: وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّـالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82].

فما الطريق إلى شرح الصدر وإبعاد الملل والكدر عنه؟

يجيب عن هذه الأسئلة الذي خلق أنفسنا ويعلم ما يصلحها ويفسدها.

يقول الله عز وجل: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [طه:123]، من اتبع الله فلن يضل، ولن يشقى، ولن يتخبط في القلق والاكتئاب والحيرة والفراغ، ولن يشعر بالكدر وضيق الصدر أبداً. وكيف يضيق صدره وهو يسير على منهج الله متبع لهدى الله.

ويقول الله تعالى: الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فالعلاج الثاني هو ((ذكر الله)) على كل حال، ويعلّق القلب به في كل حين، فتسبيحه وتذكره في كل وقت. فبذكر الله تدفع الآفات، وتكشف الكربات، وتغفر الخطيئات، وبذكر الله تطمئن القلوب الخائفة وتأنس الصدور الوجلة. وكيف لا تطمئن هذه القلوب وهي متصلة بالله خالقها مستأنسة بجواره، آمنة في جنابه وحماه، فتذهب عنها تلك الوحشة، ويبتعد ذلك القلق، وتفرج تلك الهموم ويزول ذلك الضيق.

ويقول الله عز وجل: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ السَّـاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىأ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:97-99].

أما العلاج الثالث فهو الإكثار من النوافل بعد الفرائض، فهي تجعل روحك متصلة بالله تعالى. وتجعل قلبك ذاكراً له عز وجل، صلِّ الصلوات الخمس مع سننها، صم النوافل: كالأيام البيض والإثنين والخميس، قم شيئاً من الليل، وناج ربك وخالقك، واطلب منه ما أردت، أكثر من قراءة القرآن، واحفظ منه ما استطعت، جاهد نفسك حتى تنهض لصلاة الفجر، صلِّها وداوم عليها ثم انظر إلى نفسك، ماذا سيطرأ عليها ؟ ستشعر بحلاوة، وزيادة إيمان، تحسه في قلبك. في اتساع صدرك. تجده في هدوء نفسك.

ونأخذ من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم شفاءً ودواءً لهذا المرض وطمأنينة للقلب وأنساً للنفس قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجاً)).


الخطبة الثانية

الحمد لله ولي المتقين والصلاة والسلام على قائد الغر الميامين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أخي الحبيب، ارفع يديك إلى الله مولاك كلما شعرت بضيق، ارفع يديك وادع بما شئت، اشك بثك وحزنك إلى الله، اترك دموعك تسيل على خديك، لتخرج ما في نفسك من ضيق وهم وألم.

آخر علاج لهذا المرض هو اختيار الرفقة الصالحة الطيبة الذين يسيرون على منهج الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اترك رفاقك الأولين، ابتعد عنهم، ولا تقترب منهم، وعش مع هذه الرفقة الصالحة، تشعر بطعم الحياة حقاً، وتحس بحلاوة الإيمان صدقاً، عش معهم .. ثم انظر إلى نفسك بعد فترة، انظر إلى حالك انظر إلى صدرك، تجده قد اتسع بعد الضيق، تجده قد استقر بعدما كان يصّعّد في السماء، تجده قد غسل تماماً، عندها ستجد للطّاعة لذة وللحياة هدفاً، عش معهم، وتذكر ذلك الذي قال الله تعالى فيه: كَالَّذِى أسْتَهْوَتْهُ الشَّيَـاطِينُ فِى الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَـابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ الْعَـالَمِينَ [الأنعام71].

أخي الحبيب، يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ أهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـاهُمْ تَقُوَاهُمْ [محمد:17]، ويقول عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـانُ وُدّاً [مريم:96].

وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَواةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل:97].

أخي الحبيب، قارن بين هذه الحياة السعيدة الطيبة، وبين حياة البعيدين عن منهج الله.

قارن بين المستقيمين الصالحين الطاهرين، وبين الحائرين التائهين، التعساء الأشقياء المليئين بالشك والهموم والقلق، وضيق الصدر.

أولئك الحيارى .. الذين يمثلهم شعر ذلك الشاعر الذي يقول:

جئت لا أعلم من أين ولكنـي أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت، كيف أبصرت طريقي .. لست أدري

بئس الحياة، وبئس العيش، وصدق الله إذ قال في مثل هؤلاء أَرَءيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالاْنْعَـامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:43، 44].

أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَـاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:122].

أما لسان حال المؤمن التقي الراجع إلى ربه فيقول:

أنا لسـت إلاّ مؤمنـاً بالله فـي سـري وجهـري

أنا نبضة في صدر هذا الكون كيف يضيق صدري؟

أنـا نطفـة أصبحت إنسانـاً فكيف جهلت قدري؟

ولـم التـرفع عـن تراب منـه يكـون قبـري

إنـي لأعجـب للفتى في لهـوه، أو ليس يدري؟

أن الحياة قصيرة، والعمــر كالأحـلام يسـري.

وصلو وسلموا..



Edited by - مــطر on 02/03/2011 17:33:30
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 02/03/2011 :  17:37:22  Show Profile

مشروعية السلام وفوائده

صالح بن فوزان الفوزان

ملخص الخطبة
1- متى يُشرع السلام 2- كيفية إلقاء السلام ورَدّه 3- السلام على الفاسق والمبتدع والكافر 4- الأحوال التي لا يُشرع فيها السلام ولا ردّه 5- المصافحة 6- القيام للسلام 7- فوائد إفشاء السلام


الخطبة الأولى


أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعملوا بشرائع دينكم؛ لترضوا ربكم وتنالوا جزيل ثوابه، وتنجوا من أليم عقابه، فقد شرع لكم ربكم أفضل الشرائع، وجعل لكم في نبيكم أفضل قدوة، وإن من أعظم ما شرعه الله في الإسلام إفشاء السلام، الذي هو تحية أهل الإسلام، وتحية الملائكة، وتحية أهل الجنة، وتحية المؤمنين يوم يلقون ربهم، وقد أمر الله بالسلام عند دخول المسلمين بعضهم على بعض في بيوتهم، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها [النور:27]، وقال تعالى: فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة [النور:61].

وأمر بالسلام عند اللقاء قال : ((إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه )) رواه أبو داود.

وكما أنه يشرع السلام عند القدوم وبداية الجلوس، فإنه يشرع عند القيام والمفارقة للمجلس، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة))، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.

والسنة أن يُسلّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، وكيفية السلام أن يقول المبتدئ: السلام عليكم رحمة الله وبركاته، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هذه أكمل صيغة، وإذا اقتصر المبتدئ على قول السلام عليكم، فرد عليه بقوله: وعليكم السلام، فهذا يجزئ والأحسن أن يزيد في الرد، قال تعالى: وإذا حُيّتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ، قال ابن كثير – رحمه الله – أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة: أي أن الابتداء بالسلام مستحب، ورده واجب، ويكون بلفظ السلام لا بلفظ آخر.

فما يعتاده الناس من استبدال لفظ السلام: بقولهم: صباح الخير، أو: صباح النور، أو غير ذلك من الألفاظ هذا ليس بسلام، وكذلك لا بد أن يتلفظ بالسلام ولا يكتفي بالإشارة باليد أو الرأس، فقد جاء النهي عن ذلك في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال: ((ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف)) رواه الترمذي وله شواهد.

لكن إذا كان المُسَلّم عليه لا يسمع لبعد أو صمم أو غيره فلا بأس بالإشارة لتنبيهه مع التلفظ بالسلام.

والسلام من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فالمسلم الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يُسلِّم ويُسلَّم عليه.

وأما الفاسق والمبتدع فلا ينبغي أن يسلم عليهما، ولا يرد عليهما السلام حتى يتوبا، فقد هجر النبي الثلاثة الذين خلفوا إلى أن تاب الله عليهم.

وأما الكفار فتحرم بداءتهم بالسلام، فإن بدأونا قلنا: وعليكم، لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه )).

وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله : ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)).

ثم اعلموا – رحمكم الله – أن هناك أحوالا لا يشرع فيها السلام، منها:

ما إذا كان الإنسان على حاجته من بول أو غائط، ومنها حال خطبة الجمعة، فلا يسلم على المستمعين للخطبة؛ لأنهم مأمورون بالإنصات، ولا يردون على من سلم عليهم.

ومنها حال الاشتغال بتلاوة القرآن، فالتالي لا يسلم عليه، ومما يجدر التنبيه عليه ما اعتاده بعض الناس من السلام والمصافحة بعد صلاة الفريضة أو صلاة النافلة، فهذا السلام غير مشروع، وإذا داوم عليه فهو بدعة. أما لو فعله لسبب عارض من غير مداومة، كما لو سلم على من لم يره قبل ذلك، أو سلم عليه ليكلمه في حاجة فلا بأس بذلك.

والمصافحة عند اللقاء سنة مرغب فيها، ففي سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجة عن البراء قال: قال رسول الله : ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفِر لهما قبل أن يتفرقا)).

وأما المعانقة والتقبيل فإنما يشرعان في حق القادم من سفر، أما غير القادم من سفر فلا ينبغي فعلهما معه. ويحرم الانحناء عند السلام لما في سنن الترمذي عن النبي أنه سئل عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا، ولأن الانحناء نوع ركوع، والركوع والسجود لا يجوز فعلهما إلا لله – عز وجل – ومما ينبغي التنبيه عليه حكم القيام للسلام أو للتقدير، فالقيام لأجل السلام على القادم من سفر أو الداخل على قوم جالسين في مكان لا بأس به.

وأما القيام من أجل احترام الشخص لا من أجل السلام عليه، كما يقام للعظماء حتى يجلسوا، وكما يأمر بعض المدرسين الطلاب أن يقوموا له إذا دخل الفصل، أو إذا جاء زائر للفصل قاموا له؛ فهذا لا يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله -: لم تكن عادة السلف على عهد النبي وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له من كراهته لذلك.

وربما قاموا لقادم من مغيبه تلقيا له كما روي عن النبي أنه قام لعكرمة. وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: ((قوموا إلى سيدكم..))، والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله فإنهم خير القرون، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى وخير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع ألا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.

وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن، قال: وليس هذا هو القيام المذكور في قوله : ((من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ))، فإن ذلك أن يقوموا وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئة إذا جاء، ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه، وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد، ولقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي لما صلى بهم قاعدا في مرضه وصلوا قياما أمره بالقعود، وقال: (لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضهم بعضا)، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.

عباد الله: ومن بلغه سلام من غائب وجب الرد عليه، فإن كان بواسطة شخص فإنه يقول في الرد. وعليه السلام، وإن كان بواسطة كتاب فإن قرأه يقول: وعليكم السلام، فيرد عليه بأحسن من تحيته أو مثلها.

فاتقوا الله – عباد الله – وأفشوا السلام بينكم لما فيه من المصالح والخيرات وإحياء السنة وإزالة الجفوة، فإنه من طيب الكلام، وقد قال الله تعالى: فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية [النور:61].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . .



الخطبة الثانية


الحمد لله على فضله وإحسانه، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وشرع لنا ما يزكي النفوس، ويطهر الأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتمسكوا بمحاسن الأعمال ومكارم الأخلاق، واعلموا أن إفشاء السلام فيما بينكم له ثمرات عظيمة:

منها أنه من جملة الأسباب لدخول الجنة، قال : ((يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام )) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ومنها: أنه يورث المحبة في القلوب، قال : ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم )) رواه مسلم.

ومنها: أن السلام والمصافحة يسببان مغفرة الذنوب، قال : ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا )) رواه أبو داود والترمذي، سوقال الترمذي: حديث حسن غريب.

وقال : ((إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق من الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر)) رواه الطبراني.

بإسناد حسن، فاغتنموا هذه الثمرات العظيمة.

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله...

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 09/03/2011 :  12:27:20  Show Profile


في تحريم الضرر والضرار


صالح بن فوزان الفوزان

ملخص الخطبة
1- تخريج حديث " لا ضرر ولا ضرار " 2- أنواع المُضارّة بالناس 3- صور للإضرار بالزوجة والأقارب والجيران وعموم المسلمين 4- الإضرار بالنفس


الخطبة الأولى

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وكونوا عباد الله إخوانا كما سماكم الله، يحب أحدكم لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه، يبذل خيره لأخيه ويكف عنه شره ولا يؤذيه، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) حديث حسن روي مسندا ومرسلا، وله طرق يقوي بعضها بعضا، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به، وهو يدل على تحريم الضرر والضرار، ضد النفع، وقد دل الحديث على تحريم إيصال الضرر إلى الناس بغير حق في أبدانهم وأعراضهم وأولادهم وأموالهم، وفي الحديث الآخر: ((من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه)).

والمضارة بالناس على نوعين:

النوع الأول: أن يضارهم في غير مصلحة تعود عليه في نفسه. وهذا لا شك في تحريمه وقبحه وقد ورد في القرآن الكريم النهي عن المضارة في مواضع: منها المضارة في الوصية، قال تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [النساء: 12].

وفي الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: ((إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره الموت فيضار في الوصية فيدخل النار)) ثم تلا: تلك حدود الله إلى قوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين [النساء: 13، 14]. وخرجه الترمذي وغيره بمعناه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية.

وذلك لأن الله توعده أن يدخله النار خالدا فيها، وذلك لا يكون إلا على كبيرة.

والإضرار في الوصية على نوعين:

النوع الأول: أن يوصي لبعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له فيتضرر بقية الورثة، ولهذا قال النبي : ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)).

النوع الثاني: أن يوصي بزيادة على الثلث لغير وارث، فينقص حقوق الورثة، والنبي إنما رخص بالوصية بالثلث فأقل، فقال: ((الثلث، والثلث كثير)).

ومن المضارة المنهي عنها في القرآن: المضارة في العشرة الزوجية، كالمضارة بمراجعة الزوجة المطلقة إذا طلقها ثم راجعها من غير أن يكون له رغبة فيها، وإنما قصده حبسها حتى تصبح لا هي ذات زوج ولا مطلقة.

وفي الجاهلية كان الرجل يطلق المرأة فإذا قاربت نهاية العدة راجعها إضرارا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها، قال تعالى: فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه [البقرة: 231]، وقال تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [البقرة: 228]. فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة بالزوجة فإنه آثم بذلك.

ومن أنواع المضارة في العشرة الزوجية المضارة بالإيلاء بأن يحلف على ترك وطء زوجته، وقد أمر الله أن يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن رجع في أثنائها وكفر عن يمينه ووطئ زوجته كان ذلك توبته، وإن استمر على يمينه ولم يطأ زوجته حتى مضت أربعة الأشهر ألزمه الحاكم إما بالرجوع إلى وطء زوجته والتكفير عن يمينه، وإما بالطلاق، وذلك لإزالة الضرر عن الزوجة، قال تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [البقرة: 226، 227].

ومن المضارة في العشرة الزوجية أن يطيل الزوج السفر من غير عذر، وتطلب امرأته قدومه فيأبى، وحكمه أن يمهل ستة أشهر، فإن أبى القدوم بعد مضيها فإن الحاكم يفرق بينه وبين زوجته إذا طلبت ذلك دفعا للضرر عنها.

ومن أنواع المضارة الممنوعة في القرآن المضارة في تربية الأولاد كالمضارة في الرضاع.

قال تعالى: والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده [البقرة: 233].

فإضرار الوالدة بولدها أن يُنزع ولدها منها من أجل الإضرار بها، وإضرار المولود له (وهو الأب) بولده أن تأبى أمه أن ترضعه، ليتكلف الأب طلب المراضع والمربيات له من غيرها.

ومن أنواع الضرر المنهي عنه في القرآن: المضارة في المعاملات، كمضارة الكُتّاب والشهود الذين يكتبون الوثائق ويثبتون الحقوق بكتاباتهم وشهاداتهم، وقد نهى الله عن المضارة بهم والمضارة منهم بأصحاب الحقوق، قال تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد [البقرة: 282].

فالإضرار بالكاتب والشاهد أن يدعيا للكتابة والشهادة في وقت أو حالة تضرهما، ومضارة الكاتب والشاهد لأصحاب الحقوق أن يكتب الكاتب غير ما يُملى عليه، ويشهد الشاهد بخلاف ما رأى أو سمع، أو يكتم الشهادة بالكلية عند الحاجة إليها.

ومن المضارة في المعاملات المضارة بالمدين المعسر الذي أمر الله بإنظاره إلى ميسرة أو إعفائه من الدين، قال تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون [البقرة: 280]. فلا تجوز مطالبته ولا حبسه ما دام معسرا. كما لا يجوز أن يضار المدين الواجد بالدائن فيما طلبه من قضاء حقه.

ومن المضارة المنهي عنها في المعاملات بيع المضطر، وذلك بأن يضطر الفقير إلى شراء سلعة، فلا يجد من يبيع عليه إلا بغبن فاحش، أو يضطر إلى بيع سلعة فلا يجد من يشتريها منه إلا برخص كثير. وقد روى أبو داود بسنده عن النبي أنه خب الناس، فقال: ((إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك))، قال تعالى: ولا تنسوا الفضل بينكم [البقرة: 237].

وأن يبايع المضطرون وقد نهى رسول الله عن بيع المضطر، قال رسول الله : ((إن كان عندك خير تعود به على أخيك، وإلا فلا تزيدنه هلاكا إلى هلاكه)). وقد سئل أحمد عن بيع المضطر: ما معناه؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين.

عباد الله، إنه لا مانع من البيع المؤجل بثمن أكثر من الثمن الحاضر للمحتاج وغير المحتاج، ولكن لا ينبغي أن يكون الزيادة كثيرة مجحفة، لا سيما إذا كان المشتري مضطرا إلى الشراء، فلا ينبغي أن تستغل ضرورته، ويحمل الزيادات الباهظة، لأن هذا إضرار يتنافى مع الرحمة والفضل بين المسلمين.

ومن أنواع الضرر الممنوع في الإسلام الضرر في مجال العبادات، قال تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فهيا أبدا [التوبة: 107، 108].

فاعتبر الضرر الحاصل في اتخاذ هذا المسجد في مطلع المقاصد السيئة، ومنع رسوله من الصلاة فيه وأمر بهدمه.

النوع الثاني: أن يضار الناس بما فيه له منفعة خاصة مثل أن يتصرف في ملكه بما يترتب عليه الإضرار بجيرانه، مثل أن يغرس في ملكه شجرا تتمدد أغصانه وفروعه على أملاك جيرانه، أو يحفر بئرا تجذب الماء عنهم، أو ينشئ مصنعا في ملكه يتضرر منه جيرانه بالدخان أو الغبار أو الأصوات أو الروائح، أو يفتح في جداره نوافذ تطل على جيرانه أو يعلي البناء عليهم فيمنع عنهم الهواء، والشمس إلى غير ذلك فإن هذا الضرر ممنوع تجب عليه إزالته.

وكذلك من أعظم المضار بالجيران أن يؤجر بيته لأناس لا يصلون ولا يخافون الله، فإن هؤلاء يضرون المسلمين ويضايقونهم وقد يؤثرون على أولادهم ومن خالطهم، فاتقوا الله يا من تؤجرون الكفرة والفساق وتسكنونهم بجوار المسلمين، فإن الأجرة التي تحصل منهم لكم حرام والمسلمون يدعون عليكم فتلحقكم الآثام، وكذلكم يحرم تأجير الدكاكين والمحلات لبيع المواد المحرمة كتسجيلات الأغاني وأشرطة الفيديو أو جعلها محلات للتصوير أو بيع التبغ ويجب على الحاكم إزالة الضرر إذا اشتكى منه الجيران وامتنع من إزالته.

ومن الإضرار الممنوع في حق الجار: منعه من الانتفاع بملك جاره على وجه لا يضر به، كأن يحتاج إلى وضع خشبة على جدار جاره، والجدار يتحمل فإنه يجب على صاحب الجدار أن يمكنه من ذلك، لما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال: ((لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره))، وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه لما احتاج إلى ذلك، وقال: لتمرن بك لو على بطنك.

ومن الإضرار الممنوع أن يمنع الناس من الانتفاع بالمباحات المشتركة، كالمنع من فضول المياه الجارية في الأنهار والأودية والمجتمعة في الخوابي وغيرها، أو يمنعوا من الرعي في الفلوات، أو الاحتشاش أو الاحتطاب من الأراضي الموات، أو الانتفاع بالمعادن المباحة كمعادن الملح وغيره، في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال: ((لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ))، وفي سنن أبي داود أن رجلا قال للنبي : يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الماء))، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الملح))، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((أن تفعل الخير خير لك))، وقال : ((الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ)).

ومن الإضرار الممنوع: مضارة الناس في طرقاتهم بوضع الأذى فيها، أو وضع ما يمنع المرور أو يسبب الحوادث، أو مخالفة أنظمة السير بما يعرض الناس للخطر، كل هذا ضرر محرم.

فاتقوا الله عباد الله، وعليكم ببذل النفع لإخوانكم وجيرانكم ومنع الضرر والضرار: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب [المائدة: 2].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه بالدين والهدى وكلمة التقوى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا في الآخرة والأولى.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه كما يحرم على المسلم أن يضر بالناس يحرم عليه أن يضر نفسه، كأن يعرضها للخطر من غير مصلحة راجحة، قال تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195].

وقد توعد الله من قتل نفسه بأشد الوعيد، قال تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدونا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا [النساء: 29، 30].

وكذلك من تسبب في قتل نفسه أو إمراض جسمه أو الإخلال بعقله بتناول المسكرات والمخدرات وشرب الدخان والقات، فإنه متوعد بأشد الوعيد ومعرض لأشنع العقوبات في الدنيا والآخرة.

ومن الإضرار بالنفس: التشديد عليها وتعريضها للمشقة في أمور العبادات، وقد شرع الله لعباده شريعة سمحة لا حرج فيها، فقال تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185]، وقال: وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78].

شرع لأصحاب الأعذار من المرضى والمسافرين والخائفين أحكاما تخصهم في الصلاة والصيام وتتناسب مع أحوالهم، وشرع لعباده الاقتصاد في العبادة مع المداومة عليها، فخير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل.

ونهى عن الغلو والتشدد، قال تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم [المائدة: 77]، وقال النبي : ((إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)).

والغلو: هو الزيادة عن الحد المشروع، ولما بلغ النبي أن ثلاثة من أصحابه أراد أحدهم أن يصوم فلا يفطر، وأراد الآخر أن يقوم الليل فلا يرقد وأراد الثالث أن لا يتزوج النساء، قال : ((أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)).

فعليكم ـ عباد الله ـ باتباع الكتاب والسنة في عباداتكم، فخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها...


Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 09/03/2011 :  12:30:05  Show Profile


فيما يجب أن يكون عليه بيت المسلم

صالح بن فوزان الفوزان


ملخص الخطبة
1- نعمة السكن والإقامة 2- صفات البيوت المؤمن سكنها 3- البيوت التي تهجرها الملائكة 4- الاستئذان في دخول البيوت


الخطبة الأولى


أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى كما أمركم بتقواه، واشكروا نعمه عليكم. فما بكم من نعمة فمن الله.

عباد الله: إن نعم الله علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى، ويجب علينا أن نقابل هذه النعم بالشكر، ونستعين بها على البر والتقوى لتستقر وتبقى وتزيد، قال تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم:7].

ومن أعظم نعم الله على بني آدم أن جعل لهم بيوتا ثابتة لإقامتهم في المدن وبيوتا متنقلة لأسفارهم في البراري، يسكنون فيها ويستريحون، ويستدفئون بها من البرد ويستظلون بها من الحر، ويستترون فيها عن الأنظار، ويحرزون فيها أموالهم ويتحصنون بها من عدوهم. وغير ذلك من المصالح.

قال الله تعالى – ممتنًا على عباد ه بهذه البيوت الثابتة والمنتقلة -: والله جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الانعام بيوتاً تستخفّونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم [النحل:80]، فذكر أولاً بيوت المدن لأنها الأصل. وهي للإقامة الطويلة. وجعلها سكنا: بمعنى أن الإنسان يستريح فيها من التعب والحركة وينعزل فيها عما يقلقه فيحصل على الهدوء والراحة، ثم ذكر تعالى بيوت الرحلة والنقلة فقال: وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، يعني: وجعل لكم بيوتا خفيفة من الخيام. والبيوت المصنوعة من جلود الأنعام تستعملونها في حالة الإقامة المؤقتة في السفر.

فنعمة السكن في البيوت من أعظم النعم، وتأملوا من لا يجد سكنا يؤويه ماذا تكون حاله، وأنتم تسكنون في هذه البيوت الحديثة المزودة بكل وسائل الراحة من الانارة والتكييف الصيفي والشتوي والمياه المتدفقة العذبة الحارة والباردة، كل ذلك من نعم الله في المساكن وذلك مما يستوجب الشكر والثناء على الله بما هو اهله، لأن ذلك من منِّه و فضله.

عباد الله: إن بيت المسلم يجب أن يكون متميزا عن غيره من البيوت بفعل ما شرعه الله للمسلمين في بيوتهم من ذكر الله والاكثار من صلوات النوافل فيها، وقراءة القرآن وخلوها من وسائل الفساد.

عن أبي موسى – - قال: قال رسول الله – -: ((مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مَثَل الحي والميت )).

وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي – - قال: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا )). أي: صلوا فيها من النوافل ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة.

وعن أبي هريرة – - قال: ان رسول الله - - قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر ان الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة )) وقال عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )). روى هذه الأحاديث مسلم في صحيحه، وهذه الأحاديث، وما جاء بمعناها تدل على مشروعية إحياء بيوت المسلمين وتنويرها بذكر الله من التهليل والتسبيح والتكبير وغير ذلكم من أنواع الذكر، وإحيائها، بالإكثار من صلاة النافلة فيها،لأن صلاة النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المسجد، وفيها النهي عن جعل البيوت مثل القبور مهجورة من صلاة النافلة فيها.

وفي الأحاديث الترغيب بقراءة القران في البيوت، ولاسيما سورة البقرة وإن قراءتها في البيت تطرد الشيطان، وإذا توفرت هذه الأمور في البيوت: ذكر الله فيها. صلوات النوافل، وقراءة القران أصبحت مدرسة للخير يتربى فيها من يسكنها من الأولاد والنساء على الطاعة والفضيلة. وتدخلها الملائكة وتبتعد عنها الشياطين، وإذا خلت البيوت من هذه الطاعات صارت قبور موحشة وأطلالا خَرِبة، سكنها موتى القلوب وإن كانوا إحياء الأجسام، يخالطهم الشيطان وتبتعد عنهم ملائكة الرحمن، فما ظنك بمن يتربى في هذه البيوت كيف تكون حاله وقد تخرج من هذه البيوت الخأوية الخالية من ذكر الله والتي هي مقابر لموتى القلوب. إن هذه البيوت ستؤثر تأثيرا سيئا على من تربى فيها وسكنها، فكيف إذا انضاف إلى خلوّها من وسائل الخير شغلها بوسائل الشر، وأسباب المعاصي بحيث يتوفر في تلك البيوت الفيديو بأفلامه الخليعة، التي تدعو إلى الفحشاء والمنكر، بما تعرضه من صور الفساد والدعارة أمام الأولاد والنساء.

وتتوفر في تلك البيوت أشرطة الأغاني الماجنة، التي تغري بالعشق والغرام، والطرب والإجرام، في تلك البيوت من يترك الصلاة ويتهأون بالجمع والجماعات. وقد همَّ النبي – - بإحراق مثل هذه البيوت بالنار على من فيها ممن يتخلفون عن صلاة الجماعة، فكيف بمن يتركون الصلاة نهائيا.

إن مثل هذه البيوت، وهي اليوم كثيرة، تكون أوكارا للشر، وجراثيم مرضية تفتك في جسم الأمة الإسلامية، يجب علاجها أو استئصالها حتى لا تؤثر على من حولها، كما همّ النبي – - بتحريق امثالها ولم يمنعه ذلك الا ما فيها من المعذورين ومن لا تجب عليهم صلاة الجماعة من النساء والذرية. قد يكون بعض هؤلاء له منصب كبير في المجتمع، بأن يكون من كبار الموظفين أو كبار الأثرياء. فيأتيه الشيطان فيقول له: أنت أكبر من أن تخرج إلى المسجد وتصلي مع الناس، لأن هذا يقلل من شأنك ويُضعف هيبتك، فيترك الصلاة في المسجد ترفعا وكبرا. وقد يكون بعضهم مشغولا بماله، وقد ورد في الحديث ان مثل هؤلاء يحشرون يوم القيامة مع نظرائهم من المتكبرين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي – - أنه ذكر الصلاة يوما فقال: ((من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وابي بن خلف)) رواه الامام احمد في مسنده وابو حاتم وابن حبان في صحيحه. قال الإمام ابن القيم – رحمه الله: إنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة.

وفيه نكتة بديعة، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما ان يشغله ماله أو ملكه أو رئاسته أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رئاسة ووزارة فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع ابي بن خلف.

عباد الله، إن هؤلاء الذين جعلوا بيوتهم بهذه الصفة القبيحة، خالية من ذكر الله مشغولة بآلات اللهو ومواطن للكسالى والعصاة، والمتخلفين عن الصلاة، إن هؤلاء حقيقون بالعقوبة؛ بأن تنهدم عليهم تلك البيوت أو تحترق أو يشردوا منها على يد عدوهم فيبقوا بلا مأوى كما شرد خلق كثير من مساكنهم اليوم وأُبعدوا عن ديارهم، لأنهم لم يشكروا نعمة الله عليهم بهذه المساكن، وبارزوه فيها بالمعاصي، والمعاصي تدع العامر خرابا، وتحول النعمة عذابا.

عباد الله: ومما يجب أن يصان عنه البيت المسلم الصور والكلاب، لما روى ابو طلحة – ان رسول الله – قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل )) وعن ابي هريرة – - قال رسول الله : ((أتاني جبريل عليه السلام،فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرَام فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فيقطع فيجعل وسادتين منبوذتين توطآن،ومر بالكلب فليخرج ))، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه، وفي هذين الحديثين دليل على تحريم تعليق الصور على جدران الغرف والمجالس والمكاتب والاحتفاظ بها للذكريات ونحوها، وفيها دليل على عقوبة من فعل ذلك بحرمانه من دخول ملائكة الرحمن في بيته، وحينئذ يخسر خسرانا مبينا.

وقد ابْتُلِيَ بعض الناس اليوم بهاتين الظاهرتين السيئتين. فترى بعضهم يضع الصور في براويز ويعلقها على الجدران في الغرف والمكاتب. والبعض الآخر يحتفظ بالصور في صناديق خاصة من أجل الذكريات للأولاد والأصدقاء، والبعض الآخر ينصب تماثيل كبيرة أو صغيرة للآدميين أو الحيوانات للطيور ويجعلها على طاولات المجالس ونحوها للتجميل، وكل هذا من مظاهر الوثنية وفعل الجاهلية، لأن نصب الصور وتعليقها من وسائل الشرك كما حصل لقوم نوح وقوم إبراهيم من الشرك بسبب الصور والتماثيل. ولأن في تلك الصور مضاهاة لخلق الله –عز وجل- وذلك من أعظم الكبائر، ومن الناس من ابتلوا بتقليد الكفار واقتنوا الكلاب في بيوتهم وتباهوا بتربيتها وصحبتها لهم في بيوتهم وسياراتهم، وقد قال رسول الله – -: ((من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من اجره كل يوم قيراطان ))، رواه مالك والبخاري ومسلم. والاحاديث في هذه كثيرة ومشهورة.

واقتناء الكلاب في البيوت واصطحابها خارج البيوت لغير الحاجة المرخص فيها شرعا (وهي حراسة الماشة والزرع واتخاذها للصيد )، واتخاذها لغير ذلك فيه محاذير:

أولا: أنه يمنع دخول ملائكة الرحمة في البيت: وأي مسلم يستغني عن ملائكة الرحمة؟!

ثانيا: ينقص من أجره كل يوم قيراطان، وهذا نقص عظيم ومستمر، والمسلم لا يفرط في اجره. والقيراط كما جاء تفسيره في بعض الاحاديث بأنه مثل الجبل العظيم.

ثالثا: في ذلك تشبه بالكفار الذين يربون الكلاب، والتشبه بهم حرام. قال النبي – -: ((من تشبه بقوم فهو منهم )).

رابعا: ما يحصل بها من الأضرار كأذية الجيران والمارة بهذه الكلاب وأصواتها. ولما فيها من النجاسة والأضرار الصحية في لعابها وملامستها.

فاتقوا الله – عباد الله – واعتنوا ببيوتكم وبمن فيها حتى تصير بيوتا إسلامية نظيفة حية بذكر الله وعبادته، وأبعدوا عنها كل ما يتنافى مع آداب الإسلام ويجر إلى الآثام.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً [الأحزاب:21].

بارك الله لي ولكم في القران العظيم . . .



الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين، لا نحصي ثناء عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى: واعلموا أن الله مع المتقين .

عباد الله: يجب أن يكون البيت المسلم مستورا مصونا على الأنظار المسمومة، يأمن من بداخله من الإطلاع على عوراتهم وأسرارهم لا يدخله غير اصحابه، الا باستئذان وإذن، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم [النور:27-28].

قال ابن كثير – رحمه الله – حتى تستأنسوا أي: تستاذنوا قبل الدخول، وتسلموا على أهلها أي: تسلموا بعد الدخول، وقال: ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره، وفي الصحيحين عن رسول الله – - أنه قال: ((لو أن امرءًا إطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح)).

وعن عقبة بن عامر – - ان رسول الله – - قال: ((إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمُو؟قال: الحموُ الموت))، رواه البخاري ومسلم – والحمُ: قريب الزوج – أي: ان الخوف منه اكثر؛ لأنه يتساهل في دخوله اكثر من غيره، فدل هذا الحديث على تعظيم حرمات بيوت المسلمين ومحارمهم وخطر دخول الرجال الأجانب على النساء ولو كانوا من أقارب الزوج، وقد تساهل في هذا الأمر الخطير كثير من الناس اليوم، فبعض النساء لا تحتجب من أقارب زوجها، كأخيه وعمه. وبعض الناس جلبوا إلى بيوتهم الرجال الاجانب وخلطوهم مع نسائهم في بيوتهم باسم طباخين أو سائقين أو خادمين،. وبعض الناس جلبوا النساء الأجنبيات وجعلوهن في بيوتهم يدخلون عليهن ويخالطونهن وربما يخلون بهم كأنهن من محارمهم. وهذا ارتكاب لما نهى عنه الاسلام، ومدْعاة إلى الوقوع في الفحش والإجرام. وجلب النساء والرجال الأجانب إلى البيوت دليل على عدم الغيرة وقلة الحياء وعدم المبالاة، لأن المؤمن الغيور لا يرضى بدخول الاجانب في بيته. واختلاطهم بمحارمه، والمؤمن الغيور لا يرضى لزوجته أو بنته أن تركب وحدها مع سائق غير محْرم لها، والمؤمن الغيور لا يرضى بوجود امرأة أجنبية في بيته يدخل عليها كما يدخل على محارمه، وتمشي أمامه وتسكن معه ويخلوا بها كما يخلوا بزوجته.

فاتقوا الله – عباد الله – واحذروا شرور هذه الفتن. ولا تحملنكم المدنية الزائفة والتقليد الاعمى على هذه المغامرة الخطيرة، فتخربوا بيوتكم بأيدكم وأيد أعدائكم وأنتم لا تشعرون.

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله …

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 09/03/2011 :  12:32:23  Show Profile

الفتن في الأموال والأزواج والأولاد والأسماع


عبد الله بن صالح القصير


ملخص الخطبة
1- خلق الله الموت والحياة ليبلونا أيّنا أفضل عملاً 2- فتنة المال 3- أناس يأخذون المال من غير حِلّه 4- فتنة الأولاد تسبب الخصومة والبخل والجبن 5 - فتنة النساء


الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وعظموا أمره ولا تعصوه، وعاملوه معاملة من يخافه ويرجوه، واحذروا أسباب سخطه وغضبه؛ فإنها توجب حلول العقوبات والمثلات، وزوال النعم ومحق البركات، كما أصاب من قبلكم من الأمم الخاليات، ومن حولكم من ظهرت فيه المعاصي وكثر فيه الخبث من المجتمعات، واعلموا أنكم بالخير والشر تختبرون، وبالمحاب والشهوات تفتنون، ليتبين المحسن من المسيء، والمصلح من المفسد، والشاكر من الكافر: تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَواةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:1،2].

فما عملتم من خير وشر فإنكم ملاقوه، وسيجازيكم الله به يوم تلاقوه، وذلك يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ولا يرحمه إلا خالقه وباريه، فلا تغرنكم الدنيا بما فيها من اللذات، فإن شهواتها تبعات، وراحاتها حسرات، فالله الله فيما يخلصكم وينجيكم بعد الممات كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَواةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

أيها المسلمون: إننا اليوم في معترك فتن عظيمة، كقطع الليل المظلم، يرقق بعضها بعضًا، وينسي بعضها بعضًا، فالمال فتنة هلك به كثير من الناس في هذه العصور، والأولاد فتنة وكم استعصى أمرهم على معظم أولياء الأمور، ومخالطة الأشرار من المنافقين والكفار فتنة وكم امتلأت منهم الديار وعظمت بسببهم الأخطار، والنساء فتنة وكم جلبن من المصائب على العالمين، وكم يكيد بهن الأعداء لإفساد مجتمع المسلمين، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله الهدى والسداد والصلاح في الحال والمآل.

أيها المسلمون: فأما المال فإنه فتنة لهذه الأمة، وكم هلكت به قبلها من أمة، يقول : ((لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال)) [1]، وقال : ((أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)) [2].

فالمال فتنة من جهة جلبه وتنميته، وفتنة في المكاثرة فيه والمباهاة به، وفتنة من جهة إنفاقه وأداء الحقوق الواجبة منه، فقد قل من الناس الحذر من أسباب كسبه المحرمة، والمتورع عن صور جلبه المشتبهة، بل أكثر الناس أصبح المال أكبر همه، وملء قلبه وشغل فكره وسمع أذنه وبصر عينه، يخاطر في تحصيله أيما مخاطرة، ويسعى في تنميته مكاثرة ومفاخرة، ولا يبالي بعواقب ذلك في الدنيا والآخرة، يكسبه من وجوه محرمة، وحيل ملتوية آثمة، وطرائق خبيثة باطلة، فهو النهم الذي لا يشبع، والمفتون الذي لا يقلع، وصدق النبي إذ يقول: ((ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما اكتسب المال من حرام أم من حلال)) [3].

ولهذا تجد هذا الصنف يأخذ المال بالربا، ويستحلون الرشا ويأخذونه ثمنًا لبضائع محرمة، قيمًا للمصورات وأنواع المخدرات، وأفلام المجون والغناء، وبخس المقاس والكيل والعد والوزن علنًا، وناهيك بما فيه من إعانة على المنكر، وفتح أبواب الفساد والشر، وفي الحديث الصحيح عن النبي أنه قال: ((إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة)) [4].

فالحلال عند هذا الصنف ما حل في يده بأي سبب، والحرام ما عجز عن تحصيله مع الجد في الطلب، ولكن إن ربك لبالمرصاد، فهذا ماله وبالٌ عليه، وشؤمٌ يعود عليه، فإن أكل منه لم يؤجر عليه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن أمسكه لم يبارك له فيه، وإن دعا وهو في جوفه لم يستجب له، وإن تركه لورثته كان زاده إلى النار، لغيره غنمه، وعليه إثم تحصيله وغرمه، وكم تسلط عليه في حياته من أسباب الهلاك والإتلاف، حتى ينفق رياء وبين التبذير والإسراف.

أما الذي يكسب ماله من طرق الحلال، ويتقي في طلبه ذا الكرم والجلال، ويفقه فيما يعود عليه بالنفع في الحال والمآل، يتوصل به إلى فعل الخيرات، ونفع ذوي القربات، وإعانة أهل الحاجات؛ فذاك يبارك له في ماله، ويكون من أسباب صلاح قلبه وأعماله وأحواله، إن أنفق منه أُجر عليه، وإن تمتع به بورك له فيه، وإن تصدق به قبل منه وضوعف له، وإن دعا ربه استجاب له، وإن ترك لوارثه كان خيرًا له، فنعم المال الصالح للرجل الصالح: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4]. فقد ذهب أهل الأموال الصالحون بالدرجات العلى والنعيم المقيم.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وأجملوا في الطلب، واكسبوا المال من وجوه حله، وأنفقوه في محله، واعلموا أن رزق الله لا يجلبه حرص حريص، ولا يدفعه كراهية كاره، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وإن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله.

أيها المسلمون: أما فتنة الأولاد فإنها والله أخطر من فتنة الأموال على كثير من العباد؛ فإنهم مبخلة مجبنة، وصدق الله العظيم إذ يقول: إِنَّمَا أَمْو#1648;لُكُمْ وَأَوْلَـ#1648;دُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]. وذلك فن بهم بعض الناس في هذا الزمان، حتى خشي عليه من التفريط في الإيمان، يوفرهم حتى عن المشي إلى الصلاة، ويسليهم حتى بالمحرم من الشهوات والأصوات، ويغضب لهم حتى يعادي الناصح، ويقرهم على ما هم عليه من القبائح، ويرضيهم حتى بتوفير أسباب هلاكهم، ويحميهم حتى عما يصلح قلوبهم وأعمالهم، وكم من أخوين صالحين متهاجرين بسبب الأولاد، وكم من جارين متعاديين بسببهم؛ كل واحد منهما للآخر بالمرصاد، وحبك الشيء يعمي ويصم، ولكن الويل الويل من هول يوم المعاد.

فاتقوا الله معاشر المسلمين في أولادكم، ولا تلهوا بهم عن هول يوم معادكم، قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلواةِ وَإصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَـاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]، وقال سبحانه: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]. ووقايتهم من النار إنما تكون بأمرهم بالصلاة، وتربيتهم على أنواع الطاعات، وتأديبهم إذا لم يجد فيهم النصح والإرشاد على ما قد يرتكبونه من المخالفات، والأخذ على أيديهم، وأطرهم على الحق أطرًا؛ لصيانتهم من اقتحام المحرمات.

أيها المسلمون: ومن الفتنة المخيفة في هذا الزمان ما عليه بعض النساء من أنواع الطغيان من التبرج والسفور، وما يرتكبنه من عظائم الأمور، من مخالطة الرجال، والخلوة بغير المحارم في كثير من الأحوال، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخفى، وشؤم عواقبها في كل لحظة يخشى، وقد حذركم من فتنة النساء إذ يقول: ((ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)) [5]. ويقول: ((فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) [6]. وكم بين المسلمين اليوم من النساء اللآتي تنطبق عليهن أوصاف أحد أصناف النار، كما جاء وصفهن عن النبي المصطفى المختار، بقوله: ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) [7].

فصونوا نساءكم من أسباب الردى، وقوموهن على البر والتقوى، واحذروا أن يغلبنكم على أموركم فـ((لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)) ، و((إنما هلكت الرجال حين أطاعت النساء)) [9] في الحديث: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن)) [10]. ومن عرف أنهن فتنة حذر أن يهلكنه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ به غيره، فاتقوهن واحذروهن وأطعموهن واكسوهن وعاشروهن بالمعروف، وأحسنوا إليهن واستوصوا بهن خيرًا؛ فإن: ((خياركم خياركم لنسائهم))[11]، ولكن لا تسلموا لهن القياد، ولا تجعلوهن هدفـًا لأنظار ومطامع مرضى القلوب الساعين في الإفساد؛ فأنتم لهن راعون، وعليهن قوامون، وعنهن مسئولون؛ فإنهن عوان عندكم، فحققوا القوامة، وأحسنوا الولاية: الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّـالِحَـاتُ قَـانِتَـاتٌ حَـفِظَـاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّـاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَأهْجُرُوهُنَّ فِى المَضَاجِعِ وَأضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء:34].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا جميعًا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.



Edited by - مــطر on 09/03/2011 12:42:24
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 09/03/2011 :  12:46:52  Show Profile



ابن آدم: مرضت فلم تعدني

صالح بن عبد الله بن حميد

ملخص الخطبة
انتظام الإسلام كل وجوه البر – من محاسن الشريعة المحافظة على حقوق الأخوة وآدابها - عيادة المريض , أثرها وفضلها , وآدابها وحكمها – بعض العادات الخاطئة التي تعوق عن زيارة المريض


الخطبة الأولى

أما بعد:

فاتقوا الله ـ عباد الله ـ، فبتقوى الله تُنال الدرجات، وتزكو الأعمال، وأكثروا من ذكره وشكره، فبذكره تطمئن القلوب، وبشكره تحفظ النعم، وتزودوا من الصالحات فخير الزاد التقوى.

معاشر الإخوة، الخير في الإسلام ينتظم كل وجوه البر، ويشمل كل عمل صالح، ويتناول كل خلق كريم، طاعةً لله عزَّ وجلَّ، وحباً في الفضائل في إخلاصٍ وصدقٍ حسنٍ.

ففي الحديث قولٌ جميلٌ، وفي البلاء صبرٌ جميلٌ، وعند الخلاف صفحٌ جميلٌ.

أقوالٌ وأفعالٌ تغرس المحبة، وتورث المودة، وتوثق الروابط، نجدةٌ وإغاثة، وتراحمٌ وملاطفةٌ، وإخلاصٌ ووفاءٌ، مشاركةٌ في السراء، ومواساة في الضراء، كل ذلك من توجيهات الإسلام، ونواميس الأخلاق.

أيها الإخوة، ويتجلى صفاء الدين، وتظهر محاسن الشريعة، أكثر ما تتجلى في خلقٍ كريمٍ، وسلوكٍ مستقيم، ينتهجه المسلم مع إخوانه، القريب منهم والبعيد.

إنها أخلاقٌ كريمة، ولكنها في ذات الوقت حقوقٌ محفوظة، عُني الإسلام بها وحثَّ عليها، ودعا إليها، ورسم منهاجها، وأوضح آدابها.

وفي مثل ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ((حق المسلم على المسلم ستٌ)) قيل: ما هنَّ يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه))[1] في حقوق أخرى كثيرة حفلت بها سنة المصطفى قولاً وعملاً وتوجيهاً.

ولقد كان من أدب السلف ـ رضوان الله عليهم ـ إذا فقدوا أحداً من إخوانهم سألوا عنه، فإن كان غائباً دعوا له، وخلفوه خيراً في أهله، وإن كان حاضراً زاروه، وإن كان مريضاً عادوه.

يقول الأعمش رحمه الله: كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه، فإن كان مريضاً عدناه.

وفي عيادة المريض ـ أيها الإخوة ـ يتجلى سموُّ الخلق، وحفظ الحق حين يكون أخوك في حالةٍ من العجز، وانقطاعٍ عن مشاركة الأصحاب، حبيس المرض، وقعيد الفراش.

في عيادة المريض إيناسٌ للقلب، وإزالة للوحشة، وتخفيفٌ من الألم، وتسليةٌ للنفس والأقارب.

وفي توجيهات المصطفى حثٌّ عظيمٌ على حفظ هذا الحق، والالتزام بهذا الخلق، ومراعاة آدابه.

أخرج الإمام أحمد ومسلمٌ واللفظ له والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي قال: ((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع)) قيل: يا رسول الله، وما خُرفة الجنة؟ قال: ((جناها))[2] – أي: ثمارها.

وفي حديث قدسي يقول الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة: ((يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟))[3].

و((ما من مسلم يعود مسلماً غدوةً، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريفٌ في الجنة))[4].

وفي موطأ مالك بلاغاً ومسند أحمد مسنداً واللفظ له، ورواته رواة الصحيح، والبزار، وابن حبان في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من عاد مريضاً لم يزل يخوض في الرحمة حتى يرجع، فإذا جلس اغتمس فيها))[5] وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((من عاد مريضاً ناداه منادٍ من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً))[6] أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له.

ومن أدب الزيارة أن يقف عند رأسه ويضع يده على جبينه أو على مكان الألم ويقول: ((لا بأس طهور إن شاء الله))[7] فقد كان نبيكم محمد يفعل ذلك.

كما كان عليه الصلاة والسلام يرشد إلى ما يتعوذ به من الألم. يقول عثمان بن أبي العاص الثقفي قدمت على النبي وبي وجع قد كان يبطلني فقال لي النبي : ((اجعل يدك اليمنى عليه وقل: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. سبع مرات)) فقلت ذلك فشفاني الله.

وينبغي أن يجتهد له في الدعاء، ومما ورد في ذلك: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال: ((من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرار: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض))[9].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إذا جاء الرجل يعود مريضاً فليقل: اللهم اشـف عبدك ينكأ لك عـدواً، أو يمشي لك إلى جنازة))[10]، وفي رواية((صلاة))[11]. ويقول: ((اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً))[12].

وقد عاد جبريل النبي وقال: ((بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك)) رواه مسلم من حديث أبي سعيد[13].

ومن الآداب المرعية: ألا يطيل الزيارة، ولا يثقل بكثرة المساءلة، وإطالة الحديث، ولا يذكر له ما يحزنه، أو يزيده وجعاً إلى وجعه، ولا يذكر صديقاً له بما يكره، أو عدواً له بما يحب، ولا يتحدث عن أهله وأولاده إلا بكل خير، رفقاً به وملاطفةً له.

وإن في الإطالة إثقالاً على المريض، ومنعاً له من تصرفاتٍ قد يحتاج إليها.

قال بعض الظرفاء لقوم عادوه في مرضه، فأطالوا الجلوس: المريض يعاد، والصحيح يزار.

ودخل رجلٌ على عمر بن عبد العزيز يعوده في مرضه فسأله عن علته فأخبره، فقال الزائر: إن هذه العلة ما شفي منها فلان، ومات منها فلان. فقال عمر: إذا عدت مريضاً فلا تنع إليه الموتى، وإذا خرجت عنا فلا تعد إلينا. ويقول سفيان الثوري: حماقة العائد أشر على المرضى من أمراضهم، يجيئون من غير وقتٍ، ويطيلون الجلوس.

وإذا كان المريض يحب تكرار الزيارة، ولا مشقة عليه فلا بأس، ومردُّ ذلك إلى الطبائع ومقتضيات الأحوال، وقد يأنس ببعضٍ من قريب أو صديق حميم، ويملُّ آخرين. وإذا طمع الزائر في شفاء المريض صبَّره وبشَّره، وساعده في التمريض وإحضار الطبيب، وفي قضاء حوائجه التي يعجز عن الوصول إليها، وطيَّب نفسه وسعى في إدخال السرور عليه، وفتح أبواب الأمل لديه.

وقد وصف الحسن رحمه الله المريض فقال: أما والله ما هو بِشَرِّ أيام المسلم، قورب أجله، وذكِّر فيه ما نسي من معاده، وكُفِّر فيه عن خطاياه.

وكان إذا دخل على مريض قد عوفي قال له: يا هذا، إن الله قد ذكَّرك فاذكره، وأقالك فاشكره.

فهذه الأسقام والبلايا كفاراتٌ للذنوب، ومواعظ للمؤمنين، يرجعون بها عن كل شرٍَ كانوا عليه.

ويقول الفضيل: إنما جعلت العلل ليؤدب بها العباد.

ليس كل من مرض مات. وعُدَّ من ذلك قوله تعالى: أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126].

وإذا يئس من حاله ذكَّره بالله، ورغَّبه فيما عنده، وحسَّن ظنه بربه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.

ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة، ويفتح له أبواب التوبة، واغتنام الوقت بالذكر والقراءة والتسبيح والاستغفار، وكل ما يقرب إليه، ويذكره بالوصية، فهي لا تقطع أجلاً، وإنما تحفظ بها الحقوق، وتقضى بها الديون، ويَتوصل بها أهل الحقوق إلىحقوقهم.

لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس ـ وكأنه يجزعه ـ: ((يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبابكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صحبتهم[14] فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال: أمَّا ما ذكرت من صحبة رسول الله ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله جلَّ ذكره منَّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله جلَّ ذكره منّ به علي، وأما ما ترى من جزعي؛ فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض[15] ذهباً لافتديت به من عذاب الله عزّ وجلَّ قبل أن أراه)) رواه البخاري من حديث المسور بن مخرمة[16].

وفي البخاري أيضاً من حديث القاسم بن محمد أن عائشة – رضي الله عنها – اشتكت؛ فجاء ابن عباس فقال: ((يا أم المؤمنين، تقدمين على فَرَط صدق، على رسول الله وعلى أبي بكر))[17].

فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ واحفظوا لإخوانكم حقوقهم، قوموا بها على وجهها، راعوا آدابها، وحققوا مقاصدها، يعظمِ الأجر، ويصلحِ الشأن، ويفشُ الخير، وتَسُدِ المودة.

اللهم تب على التائبين، واغفر ذنوب المذنبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، واغفر لنا حوبنا وخطايانا يا رب العالمين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله، ربط بين المؤمنين برابطة الإيمان، فكانوا إخوةً متحابين، يشد بعضهم بعضاً، كالمرصوص من البنيان. أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، سيد ولد عدنان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد:

فاتقوا الله ـ معاشر المسلمين ـ واعلموا أن زيارة المريض مستحبةٌ، ولو كان مغمىً عليه، ((فقد زار النبي وأبو بكر – رضي الله عنه – جابر بن عبد الله، ووجداه مغمىً عليه))[1]، وفي مثل هذه الزيارة جبرٌ لخاطر أهله مع ما يرجى من إجابة الدعاء.

مرِض يحيى بن خالد فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا دخل عليه يعوده – وهو مغمىً عليه – وقف عند رأسه ودعا له ثم يخرج؛ فيسأل مرافقه عن منامه وشرابه وطعامه، فلما أفاق يحيى، قال: ما عادني في مرضي إلا إسماعيل بن صبيح.

ومما ينبه إليه في هذا المقام ـ أيها الأخوة ـ أن بعض الناس يثقلون على أنفسهم؛ فيحملون إلى المريض هدايا وغيرها، وقد يحملون أموراً من عادات غير أهل الإسلام، وهذا ليس من آداب الزيارة في شيء، بل هو تكلُّف ظاهر، ومجاملات ثقيلة، تقليد أعمى، وهو قد يدفع من لا قدرة لهم إلى التقاعس عن الزيارة الشرعية التي أمر الله بها ورسوله.

وحاجة المريض إلى الدعاء، والكلمات الطيبة، والملاحظات الرقيقة أولى من هذه المحمولات.

أما ما كان صدقةً لفقير، أو مساعدة لمحتاج، فهذا له شأن آخر لا ينبغي أن يكون مربوطاً بالزيارة أو شرطاً فيها.

فاتقوا الله؛ يرحمكم الله؛ والتزموا بهدي نبيكم محمد فهو أقوم هديٍ وأسلم نهجٍ.

Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 09/03/2011 :  12:49:13  Show Profile

طيب الكسب

صالح بن عبد الله بن حميد


ملخص الخطبة
أهمية كسب الرزق الحلال وطلب العيش الطيب وفضله , والأمر به – ارتباط نزاهة اليد واللسان والقلب بالإيمان – التحذير من الكسب الخبيث وأثره على الفرد والمجتمع - أهمية الورع وترك المشتبه وحال السلف في ذلك


الخطبة الأولى

أما بعد:

فاتقوا الله أيها الناس، اتقوه في أنفسكم وأهليكم، اتقوه في أعمالكم وأموالكم، اتقوه فيما تأكلون وما تدخرون: ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى الأرْضِ حَلَـالاً طَيّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ الشَّيْطَـانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة:168].

عباد الله، كسب الرزق وطلب العيش شيء مأمور به شرعاً، مندفعة إليه النفوس طبعاً، فالله قد جعل النهار معاشاً، وجعل للناس فيه سبحاً طويلاً. أمرهم بالمشي في مناكب الأرض ليأكلوا من رزقه. وقَرَنَ في كتابه بين المجاهدين في سبيله والذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله، يَضْرِبُونَ فِى الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءاخَرُونَ يُقَـاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20]. وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه ((ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)) رواه البخاري[1]، ولقد قال بعض السلف: إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الهمُّ في طلب المعيشة. وفي أخبار عيسى عليه السلام أنه رأى رجلاً فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبد. قال: ومن يعولك؟ قال: أخي. قال: وأين أخوك؟ قال: في مزرعة. قال: أخوك أعبد لله منك.

وعندنا – أهلَ الإسلام -: ليست العبادة أن تَصُفَّ قدميك، وغيرك يسعى في قوتك؛ ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد.

والاستغناء عن الناس ـ أيها الإخوة ـ بالكسب الحلال شرفٌ عالٍ وعزٌّ منيفٌ. حتى قال الخليفة المحدَّث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي؛ أبيع وأشتري. ومن مأثور حكم لقمان: يا بنيَّ، استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحدٌ قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقةٌ في دينه، وضعفٌ في عقله، وذهاب مروءته.

إن في طيب المكاسب وصلاح الأموال سلامة الدين، وصون العرض، وجمال الوجه، ومقام العز.

ومن المعلوم ـ أيها الأحبة ـ أن المقصود من كل ذلك الكسب الطيب، فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، وقد أمر الله به المؤمنين كما أمر به المرسلين؛ فقال عزَّ من قائل: ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيّبَـاتِ وَأعْمَلُواْ صَـالِحاً [المؤمنون:51] وقال عزَّ شأنه: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـاكُمْ وَأشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172].

ومن أعظم ثمار الإيمان طيب القلب، ونزاهة اليد، وسلامة اللسان. والطيبون للطيبات، والطيبات للطيبين. ومن أسمى غايات رسالة محمد أنه يُحلُّ الطيبات، ويحرم الخبائث.

وفي القيامة يكون حسن العاقبة للطيبين الَّذِينَ تَتَوَفَّـاهُمُ الْمَلَـائِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـامٌ عَلَيْكُمُ أدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32].

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي : ((من أكل طيباً وعمل في سنَّة، وأمن الناس بوائقه دخل الجنة))[2]. وأخرج أحمد وغيره بأسانيد حسنة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: ((أربعٌ إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفةٌ في طعمة))[3].

إن طلب الحلال وتحريه أمرٌ واجبٌ وحتمٌ لازمٌ، فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. إن حقاً على كل مسلم ومسلمة أن يتحرى الطيب من الكسب، والنزيه من العمل؛ ليأكل حلالاً وينفق في حلال. انظروا ـ رحمكم الله ـ إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه يجيئه غلامه بشيء فيأكله فيقول الغلام: أتدري ما هو؟ تكهنت في الجاهلية لإنسان وما أُحسن الكهانة: ولكني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت. فأدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه[4]، وفي رواية أنه قال: ((لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها. اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالطه الأمعاء)). وشرب عمر لبناً فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟ قال: مررت بإبل الصدقة وهم على ماء، فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء. وتوصي بعض الصالحات زوجها وتقول: يا هذا اتق الله في رزقنا فإننا نصبر على الجوع، ولا نصبر على النار.

أولئك هم الصالحون يُخرجون الحرام والمشتبه من أجوافهم، وقد دخل عليهم من غير علمهم. وخَلَفَت من بعدهم خلوف يعمدون إلى الحرام ليملأوا به بطونهم وبطون أهليهم.

أيها المسلمون، أرأيتم الرجل الذي ذكره النبي : ((يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء؛ يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك))[5]. لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذل والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعو إلى رثاء حاله، ويؤكد شدة افتقاره، تقطعت به السبل، وطال عليه المسير، وتغربت به الديار، وتربت يداه، واشْعَثَّ رأسه، واغبرَّت قدماه، ولكنه قد قطع صلته بربه، وحرم نفسه من مدد مولاه، فحيل بين دعائه والقبول. أكل من حرام، واكتسى من حرام، ونبت لحمه من حرام، فردَّت يداه خائبتين.

بربكم ماذا يبقى للعبد إذا انقطعت صلته بربه، وحُجب دعاؤه، وحيل بينه وبين الرحمة؟! لمثل هذا قال بعض السلف: لو قُمت في العبادة قيام السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك.

وإن العجب كل العجب ـ أيها الأخوة ـ ممن يحتمي من الحلال مخافة المرض ولا يحتمي من الحرام مخافة النار.

عباد الله، إن أكل الحرام يُعمي البصيرة، ويوهن الدين، ويقسي القلب، ويُظلم الفكر، ويُقعد الجوارح عن الطاعات، ويوقع في حبائل الدنيا وغوائلها، ويحجب الدعاء، ولا يتقبل الله إلا من المتقين.

إن للمكاسب المحرمة آثاراً سيئة على الفرد والجماعة؛ تُنزع البركات، وتفشو العاهات، وتحل الكوارث. أزمات مالية مستحكمة، وبطالة متفشية، وتظالم وشحناء.

أيها المسلمون، ويل للذين يتغذون بالحرام، ويُربون أولادهم وأهليهم على الحرام، إنهم كشارب ماء البحر كلَّما ازدادوا شرباً ازدادوا عطشاً، شاربون شرب الهيم، لا يقنعون بقليل، ولا يغنيهم كثير. يستمرئون الحرام، ويسلكون المسالك المعوجة؛ رباً وقمارٌ، وغصبٌ وسرقةٌ، تطفيفٌ في الكيل والوزن والذرع، كتمٌ للعيوب، سحرٌ وتنجيمٌ وشعوذة، أكلٌ لأموال اليتامى والقاصرين، أيمان فاجرة، لهو وملاه، مكرٌ وخديعة، زور وخيانة، مسالك معوجة، وطرق مظلمة، في الحديث الصحيح عند البخاري والنسائي: ((يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام))[6]. زاد رزين: ((فإن ذلك لا تجاب لهم دعوة))[7].

أيها العمال والموظفون، أيها التجار والصناع، أيها السماسرة والمقاولون أيها المسلمون والمسلمات، حقٌ عليكم تحري الحلال والبعد عن المشتبه، احفظوا حقوق الناس، أنجزوا أعمالهم، أوفوا بالعقود والعهود، اجتنبوا الغش والتدليس، والمماطلة والتأخير، اتقوا الله جميعاً، فالحلال هنيء مريء، ينير القلوب، وتنشط به الجوارح، وتصلح به الأحوال، وتصحُّ به الأجسام، ويستجاب معه الدعاء.

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، ونسألك اللهم الغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، استجب اللهم يا ربنا دعاءنا.



الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أحلَّ لنا الطيبات، وحرَّم علينا الخبائث، وجعلنا على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأوفياء، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون، خير سبيل للبعد عن المحرم ترك المشتبه، وسلوك مسالك الورع عند التردد، وفي الحديث: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس))[1]. رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب، ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) جزء من حديث رواه البخاري، ومسلم واللفظ له من حديث النعمان بن بشير[2]. ولقد قال الحسن البصري رحمه الله: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: تمام التقوى أن يتقي العبد ربه؛ حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً؛ حجاباً بينه وبين الحرام. ولتعلموا رحمكم الله أن المشتبهات يحصل للقلوب عندها القلق والاضطراب الموجب للشك، والورِع هو الوقَّاف عند المشتبهات يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه.

فاتقوا الله ـ رحمكم الله ـ وأطيبوا مطاعمكم ومشاربكم، واتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، اتقوا ناراً وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.



Edited by - مــطر on 09/03/2011 12:59:33
Go to Top of Page

مــطر
مراقب

Saudi Arabia
8348 مشاركة

كتب فى :  - 09/03/2011 :  12:57:56  Show Profile


العناية بالأولاد

عبد الله بن صالح القصير


ملخص الخطبة
1- تربية الأولاد واجب شرعي 2- طلب الزوجة الصالحة والزوج الصالحة 3- إلحاح الزوجين في الدعاء وسؤال صلاح الولد والذريّة 4- تعليم الرسول لعمر بن أبي سلمة 5- العدل بين الأولاد


الخطبة الأولى

أما بعد، أيها الناس، اتقوا الله في جميع أحوالكم؛ فإن تقوى الله خير ما اتصفتم به في حياتكم، وتزودوا به لمعادكم، واحفظوا وصية الله لكم في أولادكم؛ فإنهم من أعظم أماناتكم: وَ#1649;لَّذِينَ هُمْ لاِمَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواِهِمْ يُحَـافِظُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ [المؤمنون:8-11].

عباد الله، يقول الله ـ تعالى ـ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَـادِكُمْ [سورة النساء:11]. ويقول ـ جل ذكره ـ: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون [التحريم:6].

ويقول ـ سبحانه ـ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلواةِ وَأصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَـاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

فأوصاكم الله في أولادكم وذويكم خيراً أن تنشئوهم على الطاعة، وأن تجنبوهم المعصية، وأن تأمروهم بالصلاة، وأن تشغلوا أوقاتهم بكل ما تحمد عاقبته، وأن تؤدبوا من خالف الحق واتبع الهوى، يقول : ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))[1].

عباد الله، إن أول العناية بالأولاد وحفظ الوصية فيهم، أن يسأل كل من الرجل والمرأة ربه أن يرزقه زوجاً يكون له قرة عين، ويطلب من الأزواج مرضيَّ الخلق والدين، يقول الله ـ تعالى ـ في محكم القرآن في معرض الثناء على عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرّيَّـاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَإجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

وذكر ـ سبحانه ـ عن موسى عليه السلام، وقد رأى من بنات الرجل الصالح الأدب والعفة والبعد عن مظان الريبة، أنه قال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [سورة القصص:24]. فهذا أصل في الضراعة إلى الله ـ تعالى ـ بطلب الزوج الصالح الذي يعين على الطاعة ويصون عن القبائح، وثبت أنه قال للزوج: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) [2]، وقال لأولياء المرأة: ((إذا جاءكم من ترضون دينه…))[3] الحديث.

عباد الله، وثاني تلك الأمور التي هي من أسباب الغبطة والسرور، أن يلح كل من الزوجين على ربهما سؤال الأولاد الصالحين، كما حكى الله عن إبراهيم الخليل أنه قال: رَبّ هَبْ لِى مِنَ #1649;لصَّـ#1648;لِحِينِ [الصافات:100]. وقال: رَبّ إجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلواةِ وَمِن ذُرّيَتِى [إبراهيم:40]. وقال هو وإسماعيل: رَبَّنَا وَأجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ [البقرة:128]. وقال ـ سبحانه ـ عن زكريا: رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران:38]. وقبل ذلك ذكر ـ سبحانه ـ عن الأبوين ـ عليهما السلام ـ أنهما قالا: لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّـاكِرِينَ [الأعراف:189].

فدل ذلك على أن هبة الولد الصالح من أجلِّ النعم وأسبغ ألوان الكرم، كيف لا وابن آدم إذا مات: ((انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) [4].

عباد الله، ومِن حفظ وصية الله في الأهل والأولاد، أن تخلص الدعاء لهم بالخير جهدك، وأن لا تدعو عليهم أبداً ولو في حال سخطك؛ فإن دعاء الوالد للولد أو عليه مستجاب كما أخبر ـ سبحانه ـ عن إبراهيم أنه دعا له ولذريته فقال: وَ#1649;جْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ #1649;لاْصْنَامَ [إبراهيم:35]. فاستجاب الله له وجعل ذريته أنبياء هداة للأنام، وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)) [5].

أيها الآباء وأيتها الأمهات، اعتنوا بأولادكم وربوهم تربية صالحة تكونوا من الشاكرين، ويكونوا لكم ذخرا في الموازين. ولو كانوا في حال الصغر؛ فإن العلم في الصغر كالنقش على الحجر في الثبات وبقاء الأثر، فقد صح أن الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ كان طفلاَ صغيرا يحبو على الأرض، فأخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال : ((كخ كخ ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) [6].

وقال عمرو بن سلمة ـ رضي الله عنهما ـ: كنت غلاما في حجر رسول الله ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله : ((يا غلام، سمِّ الله ـ تعالى ـ، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) [7]، فما زالت تلك طعمتي بعد. وقال : ((مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع)) .

وأمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يفرق بينهم في المضاجع دفعا للمفسدة، وحذرا من الفتنة، وتنبيها للأمة على واجب الصيانة وحفظ الديانة.

أيها المسلمون، ومن حق أولادكم عليكم أن تعدلوا بينهم في العطايا، قال : ((إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم)) [9]، وكان السلف يستحبون أن يعدلوا بين أولادهم في القبلة، وأصل ذلك أن أحد الصحابة خص أحد أولاده بصدقة وأراد أن يشهد النبي عليها فقال له النبي : ((أفعلت هذا بولدك كلهم؟)) قال: لا، قال: ((أفتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟)) قال: نعم، قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) [10]، وفي رواية قال : ((أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور)) [11]، وفي لفظ: ((إلاَّ على الحق)) [12]. فرجع ذلك الرجل في صدقته وعدل بين أولاده في عطيته.

ألا فاتقوا الله معشر العباد، واحفظوا وصية الله لكم في الأولاد، وتذكروا موقفكم يوم المعاد يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [الدخان:41].

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الهدى والبيان.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين والمسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.



Edited by - مــطر on 09/03/2011 13:06:55
Go to Top of Page
Previous Topic الموضوع Next Topic  
صفحة سابقة | صفحة تالية
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة

|| Bookmark and Share