Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


جروب شبيك لبيك
 المنتديات
 صالون الثقافة والادب
 (( بصــراحــة مع هيكل ))
 14 _ ماذا جرى فى سوريا هذا الأسبوع؟
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic  

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70883 مشاركة

كتب فى :  - 17/11/2005 :  05:35:55  Show Profile





شبيك لبيك

التاريخ : 6/4/1962

المصدر : الأهرام


ماذا جرى فى سوريا هذا الأسبوع؟

الذى جرى فى حقيقة الأمر، ومن غير أن نفرد الشراع على بحر التفاصيل، هو أن انقلاب 28 سبتمبر- أيلول- من سنة 1961. قد أكل بعضه.

نصفه أكل النصف الآخر.

المتآمرون فيه أكلوا المرتزقة على الإفطار.

وحاول المرتشون والمستغلون أن يتعشوا بالمتآمرين فى المساء.

لكن المتآمرين كانوا أسرع فى الحركة وتغدوا هم بالمرتشين والمستغلين عند الظهر.

وعند الليل كان الجيش السورى الذى اجتمعت قياداته فى حمص، قد قرر الخلاص من المتآمـرين!

وفى الفجر وجدت الجماهير السورية أن البقايا المتعفنة من عهد حكم الغابة الذى فرض نفسه عليها ستة شهور، مبعثرة على أرضها فهبت تكنسها حتى لا يجىء الوباء.

ثم جاء الصباح وسوريا تتطلع حولها فى الهدوء الحزين الذى أعقب العاصفة.

على خدها قطرات من المرارة.

وفى عينيها صرخة ألم مكبوت.

وقلبها مازال يدق بعنف من هول المحنة التى مرت بها، ومازال كيانها يهتز ولا تزال أعصابها ترتجف.

....

لهفى عليها، هذه الحلوة الغالية، عز النضال العربى، وفخره فى أمسه وفى غده.

....

لكنى لا أريد أن أكتب شعراً هذا الصباح.

وإنما وقائع مجردة، ما أريد أن أكتبه!

إن الذين أكلوا بعضهم من وحوش انقلاب 28 سبتمبر 1961، كانوا مجموعة غريبة من المخلوقات، أو إذا شئنا الدقة كانوا مجموعتين:

مجموعة من العسكريين، ومجموعة من المدنيين.

وأستعرض أولاً، مجموعة العسكريين.

لقد كانوا بدورهم ينقسمون إلى قسمين:

1- جنود مرتزقة، صناع انقلابات بأجر من أى راغب فى دفع الثمن.

منهم حيدر الكزبرى. الذى كان قائداً لحرس البادية قبل الانقلاب، وكان رجل الملك حسين وصنيعته، ولم يكن حيدر الكزبرى صبيحة يوم 28 سبتمبر مجرد انقلابى مأجور، وإنما كان أيضاً قاتلاً مأجوراً، وكان هدفه أن يحصل على رأس عبد الحكيم عامر ليقدمه على طبق من فضة إلى الملك سـعود، يأخذ الرأس ويملأ طبق الفضة ذهباً لحيدر الكزبرى!

ومنهم فيصل سرى الحسينى. الذى عثر معه على مئات الألوف من الليرات كما عثر مع شقيقه على مئات ألوف غيرها، لم يكن هناك شك فى مصدرها فقد كانت بصمات عمان مازالت ظاهرة فوقها عندما قبض عليه وهى فى جيبه وأودع سجن المزة اتقاءً للفضيحة التى رأتها دمشق كلها أو سمعت بها!

2- حفنة من المتآمرين، يريدون السلطة فى حد ذاتها دون مبدأ يسعون إليه أو عقيدة.

كانت خيالات أيام مضت، حكم فيها ضباط من الجيش السورى، وراء الستار أو أمامه تراودهم، وكانوا يعلمون أن من أول الشروط التى وضعها جمال عبد الناصر لقبول الوحدة هو أن يصبح الجيش السورى، جيشاً مقاتلاً، وليس حزباً أو أحزاباً حاكمة بقوة الدبابات وبسيطرة المدافع.

نموذج لهم عبد الكريم النحلاوى، وعبد الغنى الدهمان، وكلاهما اليوم على شاطئ بحيرة ليمان فى جنيف.. وغداً شاطئ النسيان!

هذه مجموعة العسكريين!

ثم مجموعة المدنيين.

وكانت مجموعة المدنيين - هى الأخرى - قسمين:

1- ساسة مرتشون، تعودوا دور العميل وأتقنوه. وفتحوا أكفهم لكل من أجزل لهم العطاء، سواء كان ملكاً حاقداً، أو ملكاً خائناً، سواء كان مندوب مخابرات أمريكية أو كان جاسوساً من جواسيس حلف بغداد البريطانى!

ونموذج لهؤلاء، ظاهر وواضح، مأمون الكزبرى..

ارتشى من حلف بغداد سنة 1955.

وارتشى من المخابرات الأمريكية سنة 1957.

وارتشى من سعود وحسين سنة 1961.

لم يقل: لا أبداً لمن عرض عليه مالاً، وكان دائماً مستعداً لعقد صفقة، أى صفقة!

كان بائعاً لأى مشترٍ!

باع نفسه وباع سوريا... للملوك وللشياطين وهم من نفس الفصيلة فى بعض الأحيان!

2- أصحاب مصالح استغلالية واحتكارية، يريدون حكماً يخدم مصالحهم، ويسعون للسيطرة على هذا الحكم تأميناً لهذه المصالح وضماناً لفائدتها، حتى تبقى وحتى تزيد.

وكان المثل الظاهر فى هؤلاء جميعاً هم أصحاب الشركة الخماسية، الذين كانوا يريدون لأنفسهم كل خير فى سوريا، وكانوا ينزحون أولاً بأول كل ما يحصلون عليه ويبعثون به إلى خارج سوريا.

ولقد أصابتهم قوانين يوليو الاشتراكية على عهد الوحدة، واستردت منهم لحساب الشعب السورى ما هو حق لجماهير الشعب السورى.

لكن الاشتراكية التى أخذت احتكاراتهم... لم تستطع أن تأخذ معها مطامعهم!

وعلى غير مبدأ أو عقيدة تجمع هؤلاء كلهم صباح يوم 28 سبتمبر 1961.

وسايرهم فى ذلك الوقت، بعض الذين لا ولاء لهم إلا للرياح، يتركون أنفسهم لها وينساقون مع التيار السائر إلى أى اتجاه يتدفق إليه!

وساعدهم فى ذلك الوقت أيضاً، ما ظهر من أخطاء فى تجربة الوحدة، كانت كلها أو معظمها مما ورثته التجربة من عهود سبقت عليها، أو مما كانت بطبيعتها نتيجة حتمية لظروف المرحلة وأحكامها!

....

على غير مبدأ أو عقيدة تجمع هؤلاء كلهم.

ووجدوا صباح يوم 28 سبتمبر من يسايرهم.

ووجدوا فى نفس الوقت من أخطاء التجربة ما يساعدهم!
سايرهم مثلاً رجل كمعروف الدواليبى، كتب بخط يده قبلها بأيام خطاباً شخصياً إلى الرئيس جمال عبد الناصر قال فيه، ما يكاد نصه الحرفى أن يكون كما يلى:
"سيدى فخامة الرئيس.

لكم ولائى واحترامى.

كنت أخيراً فى زيارة لفرنسا، وفهمت هناك أن مؤامرات تدبر ضد الجمهورية العربية المتحدة، وضدكم شخصياً باعتباركم رمزاً لأمانى الأمة العربية.

والمؤامرة تستهدف فصل سوريا عن مصر، على أساس أن ذلك لو تم يكون ضربة للجمهورية وللأمة العربية.

ولقد وجدت من واجبى أن أضع تحت تصرف سيادتكم ما بلغنى.

ولكم إخلاصى الدائم.

معروف الدواليبى.

....

لكن إخلاصه الدائم كان للرياح!

عندما جاءت المؤامرة التى سمع بها فى باريس، كان هو نفسه أحد أركانها!

وسايرهم- مثلاً- بعض الموظفين فى دمشق!

منهم عزت الطرابلسى الذى كان محافظاً للبنك المركزى السورى.

إنه لم يستطع أن يفهم دور الفنى فى خدمة المجتمع.

إن الموظف الفنى فى خدمة المجتمع لا يملك أن يفرض على التطور الحتمى ما يريد، وإنما عليه أن يضع فنه - إذا كان يملك منه شيئاً فى الحقيقة - لخدمة إرادة التطور الحتمى!

كان الطرابلسى يريد إطلاق حرية التجارة.

لكن سوريا كانت فى حاجة إلى التنمية أكثر من حاجتها إلى حرية التجارة.

والتنمية تفرض أول ما تفرض ضرورة التوجيه الاقتصادى لصالح خطة مرسومة، والتوجيه بطبيعته قد يضع للأولويات ترتيبها الذى تلتزم به.

ومن ناحية أخرى، كان الطرابلسى يعكس شعوراً طبيعياً لدى بعض الموظفين الرسميين فى دمشـق...

يريدون أن يبقوا فيها ولا يتحركوا.

ويريدون أن تبقى السلطة فى أيديهم لا يرجعون فيها إلى مخطط مركزى شامل.

ولقد كان محتماً أن يخرج الطرابلسى من البنك المركزى السورى قبل الوحدة وأن لا يجدد عقد استخدامه الذى كان قد انتهى بطبيعته.

لكن الانقلاب كان فرصة أتيحت له... حتى يعود فيدخل.

ودخل!

بل أكثر من ذلك، سايرهم رجل فى مكانة شكرى القوتلى.

كان له ماضيه وكانت له سمعته.

وأكرر مرة أخرى أن ضعفى لشكرى القوتلى مازال كما كان، لكنى اجتهد أن يكون للحق وحده أكبر قدر من ضعفى!

شكرى القوتلى أيضاً سايرهم، وما من شك أن الرجل العجوز الطيب كان تحت ضغط شديد من إلحاح الملك سعود عليه، لكن المهم أن شكرى القوتلى ساير، ووقف فى دمشق يقول:

"لقد نصحت فلم يسمع لى أحد!"...

وليس ذلك صحيحاً... لكنها المسايرة، أو لعلها ذاكرة الرجل الطيب العجوز تخلت عنه فاختلطت عليه الأمور، وساحت الوقائع على الأوهام.

إن نصائح شكرى القوتلى لم تخرج مع الأسف عن إحدى نصيحتين:

الأولى- نصيحة ضد أكرم الحورانى، وكان دائماً يقول:

- هذا أفعى.

ثم يضيف قائلاً:

- ما أدرى والله ماذا يجعلكم تبقون عليه، أمسكوه بكماشة، وألقوا به من الشباك، لا يأسف عليه أحد... وأقول أمسكوه بكماشة حتى لا تبقى رائحته عالقة بأصابعكم إذا أمسكتموه بها!

والثانية- نصيحة لحساب أحد من التجار، ولم تكن لشكرى القوتلى -والشهادة لله- مصلحة شخصية مع أحد منهم، لكنهم كانوا يذهبون إليه يطلبون وساطته فيما يقدمون عليه من مخالفات أو ما يسعون إليه من أذونات الاستيراد، ويقول الرجل الطيب العجوز:

أعطوهم ما يريدون... أعطوهم ليرضوا... الشام كلها تجار.

وحين كان يقال لشكرى القوتلى، إن برامج تطوير الزراعة والصناعة من أجل رفاهية الشعب- أولى بكل النقد كان الطيب العجوز يقول:

- ولو... ولو... أعطوهم... أعطوهم ليرضوا.

ومع ذلك قال الرجل الطيب العجوز فى محاولة للمسايرة بعد صمت أيام:

"لقد نصحت فلم يسمع لى أحد!".

على غير مبدأ أو عقيدة إذن تجمع الذين تجمعوا صباح يوم 28 سبتمبر 1961.

مجموعة العسكريين من المرتزقة والمتآمرين.

ومجموعة المدنيين من المرتشين والمحتكرين.

وسار وراءهم جميع أصدقاء الرياح.

لكن الجماهير السورية رفضت أن تسير.

ويوم تنشر تفاصيل المقاومة الشعبية التى قامت بها الجماهير السورية تلقائياً ضد انقلاب الانفصال فلسوف يتأكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن مئات، مئات من المواطنين - لكنهم كانوا عزلاً.. وكانوا من غير تنظيم... - دفعوا حياتهم فى ذلك اليوم دفاعاً عن الوحدة.

كذلك أذهلتهم المفاجأة... وروعتهم البساطة التى تم بها الانقلاب، ولقد كان سر هذه البساطة لا يحتاج إلى تفسير كبير:
"أن القيادة فى سوريا، فى ذلك الوقت، لم تكن مستعدة لاحتمال انقلاب... كل شىء كان فى خيالها إلا هذا.
فإن شعب سوريا هو الذى فرض الوحدة... بإيمانه وبظروفه. كما أن جيش سوريا كان إحدى أدواته فى فرضها.

وهكذا فإن مبنى القيادة العامة فى دمشق لم يكن فيه غير سبعين جندياً فقط.

كانت مهمة القيادة العامة أن تحمى سوريا من مطامع العدو. ولم يخطر لها قط أنها فى حاجة إلى حماية نفسها من غدر الصديق.

ومن هناك كانت البساطة فى نجاح الانقلاب.

ومن هنا كانت المفاجأة المذهلة للجماهير السورية.

لكن المفاجأة لم تعش طويلاً.

بدأ الشعب السورى يسترد أعصابه المبهورة.

وبدأ يراقب، ويدقق، ويكتشف.

وأحس به كل الذين تجمعوا صباح 28 سبتمبر.

وحاول كل منهم بطريقته أن يجد سبيلاً إلى الإفلات.

كل منهم راح يبحث عن كبش فداء يقدمه لخطيئة يوم العار المشين! وفى تصوره، أنه قد يستطيع البقاء إذا عرف كيف يختار كبش الفداء.

ومضت شهور ستة على دمشق، وهى تحت حكم وحوش الغابة!

ولم تكد تمضى على الانقلاب أيام حتى قدمت القيادة العسكرية للانقلاب أول كباش الفداء من أعضائها: حيدر الكزبرى!

كانت دمشق كلها قد عرفت علاقاته بملك الأردن وطبيعة هذه العلاقات، وتحرك المتآمرون... ضد المرتزقة.

وقبض عبد الكريم النحلاوى على حيدر الكزبرى.

لكن الجماهير السورية لم تتحرك، وإنما ظلت فى مكانها تراقب وتدقق وتكتشف.

وبعد أيام سقط كبش فداء آخر من نفس مجموعة المرتزقة، فيصل سرى الحسينى. وثبتت عليه تهمة الرشوة من ملك الأردن أيضاً... وضبطت مئات ألوف الليرات معه.

ومرة أخرى اعتقل المتآمرون واحداً من المرتزقة وتطلعوا ناحية الجماهير السورية يتساءلون عما إذا كانت قد اكتفت بما حدث وبدأت تطمئن للوضع الجديد وتنسجم معه...

لكن الجماهير السورية لم تتحرك مرة أخرى من مكانها... ظلت فيه بعيدة تراقب وتدقق وتكشف.

وبدأ المتآمرون من ضباط 28 سبتمبر يبحثون عن كبش فداء أكبر من جماعة الجنود المرتزقة.

بدأوا يطالبون برأس كبش أكبر من حيدر الكزبرى...

واختاروا مأمون الكزبرى...

كان رئيساً للوزارة غداة انقلاب الانفصال... وأصبح رئيساً للمجلس التأسيسى الذى زيفت فيه إرادة الشعب، لكنه -أيضاً- مرتشٍ وعميل، ووثائق قضية الدندشى التى أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تفاصيلها يوم عيد الوحدة، أقامت عليه التهمة كحد السيف.

وتقدم المتآمرون، إلى الدمية الوقورة، التى وضعوها على مقعد رئاسة الجمهورية يطلبون رأس مأمون الكزبرى... ويلحون فى محاكمته.

ومرة أخرى لم تتحرك الجماهير السورية من مكانها بل ظلت فيه بعيدة تراقب وتدقق وتكتشف!

وأحست مجموعة المدنيين الحاكمة فى دمشق - من المرتشين والاحتكاريين - أن مطالب المتآمرين لن تنتهى، وأنهم إذا حصلوا على رأس مأمون الكزبرى فلن يكتفوا بها لأن الجماهير التى يحاولون الحصول على رضاها لن تقنع.

وإذن يتحركون هم ويسبقون العسكريين من المتآمرين إلى لعبتهم.

ووقف معروف الدواليبى فى المجلس التأسيسى يقول:

- إن قيادة الانقلاب العسكرى تتدخل فى السياسة.

ونسى معروف الدواليبى أن وجوده، هو نفسه، فى مقعد رئيس الوزراء فى سوريا ليس إلا نتيجة للوضع الذى يشكو منه، لكنه تصورها نغمة قادرة على تحريك صدى عند الجماهير التى تريد جيشها ليتلقى منها أوامره، ولا تريد جيشاً يصدر إليها الأوامر فتطيع!

لكن الجماهير السورية لم تتحرك.

ظلت فى مكانها البعيد تراقب وتدقق وتكتشف!

وأحست قيادة الانقلاب العسكرى أن الأمر يحتاج إلى محاولة كبيرة... ظاهرة وحاسمة... ذلك وحده قد يحدث التأثير المطلوب ويحرك الجماهير السورية.

وكانت القيادة العسكرية للانقلاب تملك من الوقائع ما يدين جماعة المدنيين من المرتشين والاحتكاريين.

وبدأت المحاولة الكبيرة... الكبيرة.

انقلاب 28 مارس.

وأسقطت القيادة نظام الحكم الذى أتت به كله، رئيس الجمهورية، والوزارة، والمجلس التأسيسى الذى لم يكن يعبر عن الشعب السورى فى شىء بدليل أنه انقضَّ على جميع مكاسبه الاشتراكية وسلبها منه.

وأصدرت القيادة بيانها المشهور فى نفس اليوم.

فضحت فيه وقائع الاستغلال، وفضحت فيه المؤامرات على حقوق الشعب... فضحت فيه الرشوة وفضحت فيه استغلال الحكم لصالح الرجعية والانتهازية.. وفضحت دور الاستعمار فى ذلك كله وفى التمكين له.

وتصورت القيادة العسكرية أن الشعب هذه المرة سيتحرك.

والحق أن المحاولة كانت بالغة البراعة... وكانت قريبة من النجاح.

لأول مرة بدأ الشعب يهتم.

لأول مرة بدأ يتحرك... ويقترب، لكن القيادة العسكرية كشفت نفسها.

وفى رأيى أن القيادة العسكرية للانقلاب أقدمت على خطأين بارزين أظهرا المستور من خططها الخفية.

أولهما- قرارها بأن تبدأ بيانات الانقلاب الجديد برقم 26 استطراداً لما أصدرته من بيانات فى الانقلاب السابق.

وإذن فهذه المرة - باعتراف أصحابها - استمرار للمرة الأولى.

ثانيهما- أضافت قيادة الانقلاب إلى هذا الخطأ الأول خطأً ثانياً حين أصدرت فى اليوم التالى للانقلاب بياناً تشير فيه إلى أن الانقلاب الجديد ليس رجعة إلى وراء أو بعبارة أخرى...

ليس عودة إلى طريق الوحدة على أى شكل من أشكالها.

وهنا لم تسكت الجماهير!

قلت إن الجماهير كانت قد بدأت تتحرك فعلاً يوم 28 مارس، ولما صدمتها الأخطاء التى كشفت بها قيادة الانقلاب الجديد نفسها، كانت العودة إلى السكوت مستحيلة.

لقد راقبت الجماهير بما فيه الكفاية.

ودققت بما فيه الكفاية.

واكتشفت أيضاً بما فيه الكفاية.

واندفعت فى حركتها تحاول أن تكنس الجميع، المرتزقة والمتآمرين من العسكريين، والمرتشين والمحتكرين من المدنيين.

إن المعنى الحقيقى للمظاهرات الهائلة فى سوريا كلها هو أن الشعب السورى مزق الصمت الذى فرضته مفاجأة الانقلاب، ثم عززه الإرهاب الرجعى.

وسمع العالم كله صوت سوريا الحقيقى تطالب بالاشتراكية والوحدة، وكما سمع العالم كله... سمعت قيادات الجيش السورى التى لم تكن هى نفسها فى عزلة عن مشاعر الجماهير باعتبارها جزءاً من الشعب.

إن الجماهير السورية لم تكن تريد وحوش الليل الذى طال على سوريا ستة شهور كاملة.

لا تريد المرتزقة من العسكريين.

لا تريد المرتشين من السياسيين.

لا تريد المحتكرين من الإقطاعيين والرأسماليين.

لكنها فى نفس الوقت لا تريد المتآمرين الذين يريدون اليوم أن يفرضوا عليها حكماً عسكرياً يرضى أوهامهم التائهة فى خيالات السلطان والجبروت!

وفى هذا الجو كان مؤتمر حمص الذى اجتمع فيه قادة الوحدات العسكرية تحت ضغط مطالب الجماهير، وتحت ضغط احتمالات الفتنة، وتحت ضغط الخطر الخارجى.

وكانت قراراتهم التى لم تذع نصوصها حتى الآن، وإن كان قد تسرب منها إجماعهم على تنحية قيادة الانقلاب، والتمهيد لحكومة انتقالية، والاستعداد لاستفتاء شعبى.

وفى الساعة الأولى من صباح يوم الثلاثاء قامت من دمشق طائرة تحمل ضباط الانقلاب إلى سويسرا.

لقد اكتملت الحلقة.

- المتآمرون من العسكريين حاولوا أكل المرتزقة منهم...ولكن الشعب لم يكتفِ.

- المتآمرون من العسكريين حاولوا بعد ذلك أكل المرتشين من السياسيين المدنيين.. لكن الشعب لم يكتفِ.

- المتآمرون من العسكريين حاولوا -فى حركة مسرحية يائسة - أكل المحتكرين.

والمجىء بواجهة اشتراكية فى 28 مارس الأخير يسترون وراءها حكمهم العسكرى ولكن الشعب لم يقبل ولم يسكت وإنما هب ووراءه الجيش، فألحقوهم بمن سبقوهم من وحوش الليل المظلم الذى أطبق على سوريا بعد 28 سبتمبر الماضى.

هل انتهت القصة؟

هل انتهت المأساة بسقوط الشر وانتصار الخير فى دمشق؟

أقول:

- ليس بهذه البساطة تنتهى المآسى الكبرى فى الحياة!

إن النهايات السعيدة على هذا النحو القاطع تحدث فى خيال مؤلفى الروايات على المسرح تحت إلحاح الرغبة فى إرضاء الجماهير.

لكن الحياة لها أحكامها.

وليس فى الحياة هذا الخط الفاصل بين انهزام الشر وانتصار الخير، بحيث يمكن عبوره فى خطوة واحدة!

أقول ذلك وأنا أتابع آخر التحركات فى دمشق.

وأرى أن هناك من يحاول أن يلف ويدور من حول قرارات حمص، لكنى أثق أن فى سوريا شعباً يتحرك.. وفى سوريا جيشاً يملكه الشعب فى النهاية ويحركه.

ثم تبقى ملاحظة أخيرة:

- هل معنى ذلك أننى لا أتصور انتصار الخير إلا بعودة سوريا إلى الوحدة؟

وأقول على الفور:

لا... ذلك ليس هدفاً فى حد ذاته... وإنما النصر أن تعود إلى سوريا إرادتها، وبهذه الإرادة تستطيع سوريا بعد أن راقبت ودققت واكتشفت أن تقرر لنفسها ما تشاء دون خوف من وحوش الليل الطويل الذى نزل عليها بعد 28 سبتمبر... وحوش المرتزقة، والمرتشين، والمحتكرين، والمتآمرين من مغامرى الانقلابات العسكرية!




Ahmed eLmasrY
عضو ماسى

Egypt
2431 مشاركة

كتب فى :  - 03/12/2005 :  05:01:16  Show Profile
مشكووووورة عفريته على الموضيع الاكثر من مفيدة
تسلمى ياغاليه
اخوكى
احمد المصري
Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70883 مشاركة

كتب فى :  - 04/01/2006 :  01:18:05  Show Profile
شكرا اخى الرائع

دمت بكل الخير

Go to Top of Page

اسلام الرومانسى
عضو ماسى

Italy
44120 مشاركة

كتب فى :  - 29/04/2006 :  18:04:41  Show Profile
مشكورة ياغاليه على موضوعك

تحياتى لكى

Go to Top of Page

سبيدر مان
عضو برونزى

Egypt
605 مشاركة

كتب فى :  - 03/05/2006 :  19:15:05  Show Profile
مشكووووووووووووورة يا عسولة مش يا عفروتة

هههههههههههههههههههه

لكى تحياتى

Go to Top of Page

جاسي
عضو ماسى

Kuwait
16611 مشاركة

كتب فى :  - 16/05/2007 :  13:31:35  Show Profile
كل الشكر والتقدير لك يا خيتي على هذا الموضوع الرائع والمميز فعلا ننتظر جديدك دائما يا غاليتي
Go to Top of Page
  Previous Topic الموضوع Next Topic  
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share