Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


جروب شبيك لبيك
 المنتديات
 نافذة حول العالم
 مقالات وقضايا Talk Show
 مستقبل مصر بين التخريمة الحضارية ومأزق الكتابة
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic  

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70588 مشاركة

كتب فى :  - 23/03/2017 :  04:19:15  Show Profile





جروب شبيك لبيك

مستقبل مصر بين “التخريمة الحضارية” ومأزق الكتابة للورثة!

“كل يوم نطلب من أصدقائنا وأهالينا وأحبابنا أن ينسوا مرارة الماضي وقتامة الحاضر و”يبصّوا” لمستقبلهم، لكن المشكلة أن بلدنا نفسها التي يفترض أنها أقرب إلينا من أصدقائنا وأهالينا وأحبابنا لا تنظر لمستقبلها ولا ترغب في ذلك أصلا، بلادنا التي علمت العالم وروت عطش الدنيا وكتبت الحروف الأولى في ديوان الحضارة انتهكوها وسلبوها وأرهقوها، حتى جعلوها ذاهلة عن نفسها لا تعرف أمسًا من غد ولا تطلب من الله ما هو أكثر من الستر، وأن يعدي يومها على خير وبأقل الخسائر، في بلاد الله عادة ما يهرب خلق الله من قتامة حاضرهم وسواد ماضيهم إلى رحاب المستقبل، يتنسمون فيه غدًا أفضل وأحلى وأجمل، أما لدينا فالحديث عن المستقبل أمر خطير وغير مستحب؛ لأنه يعني الانزلاق في محيط المجهول؛ لأنه يعني أننا مطالبون بأن نواجه أسئلة مخيفة حول من سيحكمنا في المستقبل، وهل سيضربنا بالجزمة أم بالقبقاب فقط أم سيكتفي بمص دمائنا دون أن يمد يده علينا؟”.

من دواعي أسفي وأسايا، أنني كتبت هذا الكلام “الماسخ” الكئيب، في أيام كنت أحسبها الأسوأ والأسود على الإطلاق في عام 2006، بعد أن قرأت وقتها كتابًا للكاتب الكبير راجي عنايت، يتحدث فيه عن حصيلة تجربته في الكتابة عن المستقبليات طيلة ربع قرن، ومما يزيد من دواعي الأسف والأسى أن هذا الكلام لا يزال صالحا للنشر حتى الآن، وأن قراءة تجربة راجي عنايت القديمة مع مسئولي عهد مبارك، تظل قراءة مهمة الآن، ليس فقط بسبب الخفض القسري الباطش لسقوف حرية التعبير، ليصبح المطلوب توجيه النصح بألطف العبارات لسلطة السيسي، دون نقد ولا دعوة للحساب والعقاب، وهو ما كان يتم في عهد مبارك دون جدوى كما سنرى من خلال شهادة راجي عنايت، وإنما لأن قراءة هذه التجربة التي كتبها شخص لم يكن محسوبًا على المعارضة بأي شكل، تظل مهمة جدًا لإنعاش الذاكرة الوطنية، في ظل سعي وسائل الإعلام المملوكة لرجال أعمال عهد مبارك، لتبييض عهد وجهه الأسود، وتصويره أنه كان عهدًا زاهرًا مشرقًا، ليتم تكريس أحكام البراءات الفاجرة بصناعة ذاكرة مزيفة، تمحو عن حسني مبارك أخطر جرائمه، وهي مصادرته لمستقبل مصر، حتى ظل الشعار الذي يرفعه شعب بأكمله، بنخبته وجماهيره لأكثر من عشرين عامًا، هو شعار “يا خفي الألطاف نجّنا مما نخاف”، وفي حين كان العالم المتقدم يفكر في مستقبل كوكب الأرض والتحديات التي تواجه بقاءه، لم يكن المواطن المصري قادرًا على التفكير في مستقبله لو مات ساكن قصر العروبة، الذي ظن أن سحنته لن تبيد أبدًا، وحتى عندما غارت سحنته من قصر العروبة، ظل المواطن المصري يدفع آثار التجريف الكامل الذي مارسه مبارك بشخصه ونظامه في الحياة السياسية والإعلامية والثقافية، بحيث تحول مبارك من مجرد شخص إلى حالة فساد يتوارثها الحكام مع تغير أسمائهم وأشخاصهم، وتزيد من يقين الناس أن لا مكان لهم في المستقبل، وأن مكانهم الوحيد هو هناك في الماضي المباركي، فيه ولدوا وفيه يموتون، هم وأولادهم وأحفادهم، حتى يرث الله مصر ومن عليها.

في كتابه المهم (حكايتي مع المستقبل ـ أزمة مستقبل مصر)، يتحدث راجي عنايت عن دروس تجربته الشخصية في نصح مسئولي مصر تطوعًا لوجه الله، وكيف كانوا يشعرون دون استثناء بالخوف من أي كلام عن المستقبل، طالما تحول من كلام نظري إلى كلام عملي، يقول في ذلك الصدد: “لم تكن هناك مشكلة عند طرحي لأفكاري المستقبلية بشكل نظري، كان البعض يتحمس ويسعى إلى حوار خاص معي، كتابة أو في لقاء شخصي، وكنا نتفق ونختلف.. ولكن عندما انتقلت إلى تطبيق ما أفكر فيه على الواقع المصري، بدأت المشكلات والمخاطر… كانت الخصومة المحتدمة تأتي من السياسيين والمسئولين والحكام الذين يستفيدون من الواقع المصري الراهن، بكل ما فيه من سلبيات، بل إن هذه السلبيات قد تكون في بعض الأحيان السبيل إلى السيطرة والنفع المادي”.

الوقائع التي يرويها راجي عنايت في هذا الصدد تبدو مفزعة برغم بساطتها؛ لأنها ترسم صورة لتعامل ساسة بلادنا مع كل من يحاول أن يقدم رؤية مختلفة حتى لو لم يكن زاعق الصوت أو قليل الأدب أو تحريضيًا غوغائيًا كما يصفون معارضيهم عادة، خذ عندك على سبيل المثال تلك المرة التي انتقد راجي عنايت فيها رأيًا لوزير الكهرباء المهندس ماهر أباظة ـ أحد المعمرين في حكومات مبارك ـ قال فيه الوزير إن استخدام الطاقة النووية كمصدر للطاقة أكثر جدوى من أي بديل آخر. فرد عليه عنايت بأدب وإخلاص موضحا له أن آخر ما تحتاج إليه مصر هو مفاعلات الانشطار النووي ذات النفايات المشعة، وأن على مصر أن تختار بدائل الطاقة غير المركزية مثل الطاقة الشمسية. فرد عليه الوزير بكل غلظة ليصف كلامه بأنه “كلام فارغ”، ليصبح استمرار الحوار عبثًا لا طائل من ورائه، خصوصًا لدى من يحترم نفسه، وإن كنت ستعتبر تلك المقولة حوارًا راقيًا وبناءً، إذا قستها على اتهامات الخيانة والعمالة التي تلاحق كل من ينبه إلى خطورة خيار الطاقة النووية الذي يمكن أن يلبسه الشرق الأوسط على أيدينا.

في واقعة أخرى، وتعليقًا على الخطة الخمسية التي أعدها الدكتور كمال الجنزوري ـ الذي كان وقتها وزير تخطيط قبل أن يصبح رئيس وزراء مصر ـ كتب راجي عنايت مقالًا بعنوان “خطة خمسية أم برنامج ردود أفعال؟”، قال فيه إن “مشكلة هذه الخطة هي أنها تحاول أن ترسم حلًّا لكل مشكلة بقدر ما تسمح به الظروف ودون أن ترجع إلى رؤية شاملة تستنبط منها هذه الحلول، فتعطي لكل مشكلة حجمها الحقيقي بالنسبة للمشكلات الأخرى، ودون إدراك كامل للعلاقات متبادلة التأثير بين هذه المشكلات، إنها خطة ردود فعل نبعت من مكاتب الخبراء والمختصين والفنيين عند قمة الجهاز البيروقراطي. إن اللزمة المتكررة التي تتردد في مختلف بنود الخطة هي المزيد من كذا والمزيد من كيت، وهذا يعني أن واضع الخطة يتصور المستقبل وكأنه استمرار للماضي أو على أحسن الفروض المزيد مما هو حادث، وهذا خطأ أساسي وقاتل، قد يجوز في أحوال الاستقرار الحضاري الشامل، لكنه لا يجوز في ظل الظروف دائمة التغير التي تمر بها البلاد”. وبدلًا من أن توجه الحكومة مجتمعة الشكر للرجل؛ لأنه شخّص بكلمات قلائل سر استمرار مصر في معاناة المشكلات نفسها عامًا بعد عام دون أي تغيير، قامت الدنيا ولم تقعد ليس من أجل كلامه، بل على شخصه، يقول في وصف ذلك: “لم أكن أتصور أن تحدث هذه الكلمات القليلة ذلك الأثر الذي امتدت آثاره على شخصي لعدة سنوات، كان من حقي أن أتساءل: لماذا ثارت ثائرة الوزير على كلماتي المحدودة والجرائد والمجلات ومحطات الإذاعة وقنوات التليفزيون تحتشد كل يوم بتصريحات الجنزوري عن خطته الجديدة؟”.

جاء كمال الجنزوري بعدها إلى ندوة بمجلة “المصور” التي نشر فيها عنايت مقاله، وقال الجنزوري في حضور كُتَّاب المجلة بمن فيهم عنايت: “عندكم من يكتبون عن الخطة دون أن يقرأوها أو يفهموها”، رد عنايت ضمن مداخلته على ما قاله الجنزوري بهدوء شديد، وبعدها بأيام تلقى مكالمة من الدكتور يوسف والي دون سابق معرفة شخصية بينهما ليقول له: “نريد أن نصفي الخلاف الذي بينك وبين الأخ كمال وننهي هذه الخصومة”، حاول راجي أن يشرح له أن ما بينه وبين الجنزوري خلاف موضوعي وليست خصومة، لكن يوسف والي استأذنه في أن يطلبه الجنزوري تليفونيًا لإنهاء الموقف (!)، في اليوم التالي اتصل الجنزوري وكان حديثه ـ كما وصفه راجي ـ يفتقد رقة يوسف والي، قال لراجي: “أنا زعلان منك علشان أنت شتمتني”، رد راجي بهدوء: “أنا مؤدب ولا أشتم أحدًا وكل ما فعلته أنني علقت رافضًا إهانتك لي بعدم الفهم”، اتضح بعد طول بحث أن سبب توتر الجنزوري هو أن كلام راجي عنه جاء في وقت حساس كان مرشحًا فيه لرئاسة الوزراء، وأن الجنزوري اعتبر أن كلامه جاء رأس رمح في عملية نقد شاملة للجنزوري، جاءت بعاطف صدقي بديلًا عنه.

تجربة مريرة أخرى خاضها راجي عنايت هذه المرة، أثناء مؤتمر عن “مستقبل الطفولة في مصر”، عندما فوجئ بوزير السكان المرحوم الدكتور ماهر مهران يقول في ختام استماعه إلى كلام طويل عن المستقبل كما يراه خبراؤه: “أنا لايهمني شيء مما قيل عن المستقبل ومجتمع المعلومات، يهمني أكثر من هذا أن أنقذ الطفل المصري من الذباب الذي على وجهه”. ولم يرد أحد على الوزير إلا بهمهمات خفيضة. أما التجربة الأقسى فقد كان بطلها الدكتور حسين كامل بهاء الدين، الذي كان الكثير من المثقفين للأسف يصدرونه لقرائهم، بوصفه مفكرًا طليعيًا ورجلًا من رجال التنوير في مصر، بينما كلام راجي عنايت عنه يكشف أنه كان عكس ذلك تمامًا. سأكتفي مما ذكره راجي في صفحات مطولة من كتابه بقوله: “كلما كتبت شيئًا عن التعليم، كان الوزير يبادر بالشكوى لرئيس التحرير، وللحق كان رئيس التحرير الأستاذ مكرم محمد أحمد يستمع إلى الشكوى، ولا يبلغني بها في أغلب الأحيان، إلى أن واجهني رئيس التحرير ذات يوم، راجيًا سحب مقال لي عن التعليم في عصر المعلومات بدعوى أن الوزير قد توقف عن توقيع عقد طبع الكتب الملونة المخصصة لدار الهلال نتيجة لكتابتي عن التعليم… وأن الدار ستخسر ما يصل إلى 4 ملايين جنيه بعدم توقيع الوزير لذلك العقد، وطلب مني الأستاذ مكرم تأجيل تقديم الموضوع لما بعد توقيع العقد”.

سحب راجي مقاله واصلًا إلى قناعة أن الوزير “المستنير” ليس مستعدًا لسماع أية أفكار موضوعية عن مستقبل التعليم. وقرر ألا يعود إلى الكتابة عن مستقبل التعليم، لكي لا يزيد ملف المرفوضات من مقالاته على يد مكرم محمد أحمد.

قرر راجي أن يعود للكتابة بعد رؤيته لحلقة تليفزيونية من برنامج “واجه الصحافة” استضافت الوزير المستنير، كتب راجي بعدها مقالًا قال فيه إن المطلوب من د. بهاء الدين أن يخفف من اندفاعه تجاه العمل السياسي ويميل قليلًا إلى اتجاه الفكر، وأن يخفف من ترديده لتعبير توجيهات السيد الرئيس خاصة عندما يتحدث عن تنظيمات تفصيلية. “وقلت إن هذه ظاهرة سلبية متنامية. كل من يتحدث في الصحف أو الإذاعة أو التليفزيون ينسب الجهد الذي يدور الحديث حوله إلى رئيسه، الضابط الذي يقبض على هارب من العدالة لا بد أن يعدد أسماء الرؤساء الذين تم القبض على الهارب بفضل توجيهاتهم… أشك في أن هذا يتم بدافع الغيرية والإيثار، فهل هو نوع من النفاق أم محاولة للتهرب من المسئولية، فإذا ثبت أن قرار إضافة سنة إلى التعليم الابتدائي لم يكن صائبًا، فهل نعفي الوزير من مسئولية اتخاذ القرار باعتبار أنه كان من توجيهات السيد الرئيس، الذي أفهمه أن رئيس الدولة، أية دولة، لا يكون خبيرًا في الاقتصاد والتعليم والإدارة والصناعة والإعلام والصحة والمواصلات… وقد ابتدع نظام الحكومة والتمثيل النيابي لتوزيع مسئولية اتخاذ القرار في الدولة الحديثة التي يتضمن عملها قدرًا هائلًا من القرارات، وإذا كانت لرئيس الجمهورية توجيهات فهي في مجال السياسة العليا والاستراتيجيات والرؤى”.

تم نشر المقال دون رفض أو حذف، ربما لسفر رئيس التحرير طبقًا لتفسير ناجي، فتصاعدت شكاوى الوزير وكأن كارثة حدثت حين نقص عدد المطبلين والمهللين له واحدًا، وكان لا بد أن يتم غلق الباب الذي تأتي منه الريح، يقول راجي: “قال لي رئيس التحرير إن القراء سئموا من حديثي عن المستقبل ونصحني أن أكتب عن موضوعات أخرى كالتي كنت أكتب فيها قبل أن أركز اهتمامي على المستقبل، لم أقتنع بنصيحته لعلمي بدوافعه الحقيقية وواصلت كتابة مستقبليات، إلى أن فوجئت ذات يوم بموظف صغير في حسابات دار الهلال يخبرني بأن الأستاذ مكرم أنهى عقده معي، كانت دهشتي كبيرة لهذا التصرف من مكرم بعد عملي لأكثر من ربع قرن في دار الهلال… المهم أنني لم ألتق به منذ ذلك التاريخ حتى أناقش معه دوافعه. لقد أغلق الباب الذي تأتي منه الريح فاستراح وحظي برضا الوزير الغاضب دائمًا.. فهل بقي هو أو الوزير؟”.

….

أعترف بأنني وأنا أقرأ وقائع رحلة راجي عنايت مع الكتابة عن المستقبل في مصر، كنت أشعر بالغيظ لقدرته على الشعور الدائم بالتفاؤل وبأن “بكره أحلى من النهارده”، وهو ما وجدت أنه لفت انتباه صديقه الكاتب الراحل أحمد رجب، الذي سأله مرة: “أنت تكتب عن المستقبل منذ سنين وأعجب لمواصلتك هذا رغم ما تلقاه من استجابة ضعيفة، قل لي لمن تكتب؟”، فرد عليه راجي دون تفكير “أكتب للورثة”، واعتبر أحمد رجب الرد نكتة فضحك عاليًا، لكنني ربما بسبب “مزاجي الاكتئابي الانبساطي” اعتبرتها مجرد رد فعل عفوي لا ينطلق من موقف حقيقي، ثم عندما فكرت فيها مليًا مع مرور التجارب، وجدتها مدخلًا لراحة أي كاتب يجد عناء في التواصل مع الواقع الذي يرفض أن يتغير أبدًا، فيصبح عزاؤه الوحيد تصبير نفسه بأنه يكتب للورثة، ولا زلت منذ ذلك اليوم الذي قرأت فيه إجابة راجي عنايت، وأنا أجيب كل من يسألني عن جدوى الكتابة، بنفس الإجابة “أكتب للورثة”، دون أن أدري أن قيمة تلك الإجابة ستتضاعف كثيرًا، في هذه الأيام “اللي ما يعلم بيها إلا ربنا”.

على أية حال، لم يكتفِ راجي عنايت بأن يترك للورثة شكواه من زمانه المرير، فقد كتب لهم أيضًا رؤيته لتغيير مصر، وهي رؤية قدمها ودافع عنها منذ بداية التسعينيات وحتى قبل أن يصدر كتابه هذا بسنوات، معتبرًا أن تغيير مصر أمر ممكن، إذا تم التخلي عن الرؤى التقليدية التي تعتقد أن على مصر التركيز على التنمية الصناعية قبل أي شيء آخر، وأن الحل الملائم والمناسب لتحقيق نهضة لمصر هو التركيز على تحويلها إلى مجتمع للمعلومات؛ لأن التركيز على التنمية الصناعية سيستغرق سنوات طويلة، نكون قد تخلفنا فيها كثيرًا عن الدول التي تدخل حاليًا إلى مجتمع المعلومات، وأن من الأفضل أن نبدأ الدخول إلى قيم مجتمع المعلومات لكي نلحق بركب الحضارة، وهو ما علق عليه الدكتور إبراهيم حلمي عبدالرحمن قائلا له وقتها: “تريد لنا أن ندخل في تخريمة حضارية؟”، وبالطبع لم يكن ممكنًا أن تتم مقابلة اقتراح مثل هذا بجدية، في ظل إصرار مصر على أن تعيش في مجتمع القبيلة؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت كبير القبيلة الذي من حقه أن يذهب بالقبيلة إلى حيث شاء حتى لو كان ذاهبًا بها إلى ستين داهية، وهو ما عدنا إليه في ظل حكم السيسي، بعد أن كنا قد ظننا أن الثورة أطاحت بهذه الطريقة البالية في تقرير المصير والتفكير في المستقبل.

يؤكد راجي عنايت في كتابه أن فكرة التخريمة الحضارية ليست شطحة خيال أو حلم ليلة صيف، بل هي تجربة تحققت في واحدة من أهم دول العالم المتقدم هي اليابان، يروي راجي أنه التقى في بداية التسعينيات في مؤتمر بسالزبورج مفكرًا يابانيًا عجوزًا اسمه “يونيجي ماسودا”، أعجب بكلام راجي في المؤتمر عن المستقبل، فتقدم للتعرف عليه حاكيًا له عن تجربة قام بها هو ومجموعة من المفكرين اليابانيين الأعضاء في جمعية أهلية لتطوير استخدام الكمبيوتر؛ حيث أعدوا دراسة عام 1972 تحمل اسم “خطة لمجتمع المعلومات: هدف قومي لعام 2000#8243;، ترسم صورة لمجتمع معلومات مرغوب فيه يمكن تحقيقه في اليابان عند عام 85، كانت الخطة تتضمن خطة مضغوطة على المدى الأوسط تحتاج إلى استثمارات تبلغ 3 ملايين دولار بين عامي 72 و77، ثم خطة أساسية طويلة المدى تحتاج إلى استثمارات تبلغ 65 بليون دولار بين عامي 77 و85، اهتمت الحكومة بخطة الجمعية وراجعتها مع مختلف المصادر الداخلية والخارجية ورصدت الأموال الضرورية لها وبالفعل دخلت اليابان مجتمع المعلومات بفضل هذه الخطة، وتمكنت من عمل تخريمة حضارية تجاوزت بها الكبوة التي كانت تعيش آثارها منذ هزيمتها النكراء في الحرب العالمية الثانية.

قارن هذا بما فعلته الحكومة مع راجي عنايت نفسه الذي بذل محاولات مضنية لتشكيل جمعيات أهلية تفكر في المستقبل، سأتركك تقرأ تفاصيلها في كتابه، لكن يكفي أن أقول لك إنها انتهت بخطاب موجه إليه من محافظة القاهرة – إدارة شرق مدينة نصر الاجتماعية، تخبره برفض الحكومة استكمال إجراءات إشهار جمعية الأفق القادم، ما لم يتم استبعاد راجي عنايت من رئاسة الجمعية لاعتراض الأمن عليه، وهي رسالة يكفي نصها الكئيب لفهم الجريمة التي ارتكبها عصر مبارك في حق المستقبل، وهي ذات الجريمة التي يكررها عبدالفتاح السيسي من جديد، حين أعاد أجهزة الأمن لكي تعربد في البلاد من جديد، على أية حال، ربما كان خطأ راجي عنايت وقتها أنه لم يقم بتمرير مشروعه عبر منفذ لجنة سياسات جمال مبارك، والتي كان له فيها رأي سلبي واضح في كتابه حين وصفها بأنها “اعتمدت على بعض بقايا قيادات منظمة الشباب القديمة التي اكتسبت على مر العهود مقدرة على إرضاء الزبون، أو على أصحاب الأفكار البراجماتية (النفعية) من شباب الاقتصاديين… والذين لم تكن لديهم النية أو القدرة على الفهم الشامل الذي يسمح بوضع الرؤية المستقبلية المطلوبة، يعتمدون على قشور الأفكار دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الغوص إلى جوهرها”، ومع أن لجنة السياسات لم تعد موجودة الآن، إلا أن الطريق إلى أية رؤية مستقبلية أصبح يمر من خلال لجنة سياسات أخرى هي قيادة الجيش التي عادت ثانية لتصبح الآمر الناهي في شئون البلاد.

على أية حال، لم يكن تجاهل مشروع راجي عنايت وجمعيته، غريبًا على حكومات مبارك المتعاقبة التي حاربت مشروعات مهمة كثيرة لدراسة المستقبل، على رأسها مشروع سيناريوهات مستقبل مصر 2020، التي أعدها عدد كبير من العلماء على رأسهم الراحل الدكتور إسماعيل صبري عبدالله، الذي لو كان مطبلاتيًا في لجنة السياسات لكلفت الحكومة نفسها عناء قراءة المجهود المذهل الذي قام به هو وزملاؤه من خيرة عقول مصر، لكن لأنه كان معارضًا يساريًا فقد ذهبت جهوده هو وزملاؤه أدراج الرياح، وهو ما حدث أيضًا مع مئات التصورات المستقبلية المدروسة والموزونة التي ظهرت عقب الإطاحة بمبارك ولجنة سياساته، فقد تم التعامل معها بتجاهل كامل، لو قارنته بطريقة التعامل التي حدثت مع المشروع الياباني الذي حدثنا عنه راجي عنايت، لاكتشفت أن التخريمة الحضارية التي يهتم بها أي مسئول يصل إلى الحكم في بلادنا، هي التخريمة التي تكفل له الحضور على الكرسي أطول فترة ممكنة دون حساب ولا عقاب ولا انصراف، ولذلك لم يتم إعلان أي مشروع مستقبلي حتى الآن، إلا وكان هدفه الحقيقي هدفًا سياسيًا قصير المدى، لا يهدف لضمان مستقبل مصر، بل لضمان أمرين: الأول إطالة بقاء معلنة على كرسي الحكم، والثاني تبرير كل العك الدموي الذي يتسبب فيه بقراراته الطائشة، لا فرق في ذلك بين مشروع النهضة ومشروع تنمية قناة السويس، أو مشروع المائة يوم أو مشروع عربيات الخضار، كلها مشروعات على اختلاف أحجامها وتوقيتاتها، لا علاقة لها بفلسفة المستقبليات كما كتب عنها راجي عنايت وغيره من المتخصصين فيها، ولذلك فهي تصلح للمكايدة والتراشق الإعلامي والسياسي، أكثر من صلاحيتها لدفع المجتمع بكل اختلافاته نحو أمل صادق في مستقبل مختلف مهما كانت صعوبته.

يختم راجي عنايت تشخيصه للواقع المصري وقت صدور كتابه بعبارات جامعة مانعة، لا تزال قادرة على أن تصف واقعنا كما هو الآن، حين يقول :”معظم المشكلات التي تواجهنا في مصر ناتجة عن عدم قدرتنا على توقع المشكلات القادمة في وقت مناسب، والاضطرار إلى انتظار المشكلة حتى تحل ثم محاولة التصدي لها بما يتوافر لدينا في ذلك من حلول غير متكاملة، كما أننا في محاولتنا لحل المشكلة الهابطة علينا أن نلجأ إلى الأدوات السلفية في غياب الفكر الجديد، والسلفية التي نعانيها لا تقتصر على السلفية الدينية، وتصور إمكان التعامل مع الواقع الجديد بأدوات تاريخية قديمة، السلفي الذي أتحدث عنه ليس هو فقط مطلق اللحية ومرتدي الجلباب، لكنه ذلك النمط الشائع في أعلى المواقع السياسية والتشريعية والتنفيذية، وتوجد نماذجه بوفرة بين عدد من أساتذة الجامعات وأصحاب الأقلام…. لقد أصبح كل واحد منا يعيش في فقاعة منطقية خاصة به، كل واحد منا يعتمد على مفاهيمه ومداركه الخاصة المستمدة من الواقع القديم ويصنع منها فقاعة تحيط بعقله ويتحرك بها إلى كل مجال. داخل هذا الفقاعة يتصرف الشخص بطريقة منطقية متوافقة تمامًا، لكن إذا ما كانت المفاهيم والمدارك التي اعتمد عليها محدودة أو خاطئة، فالأرجح أن يقود هذا إلى أن تكون أفكاره وأعماله غير سليمة… وهذا هو أحد أسباب حالة الضياع وعدم الجدوى التي تتسم بها مجالسنا ومؤتمراتنا واجتماعاتنا، وهذا هو مصدر حالة الرضا عن الذات التي يغرق فيها مفكرونا، والتي تمنعهم من تبين أهمية النظر إلى مفاهيمهم ومداركهم بعين جديدة على أساس الواقع المستجد للحياة. هؤلاء هم السعداء بمهاراتهم الفكرية الذين يتصورون أن هدف التفكير هو إثبات أنك على حق، من أجل إرضاء وإنعاش ذاتك، هؤلاء الذين يرفضون الخروج من فقاعاتهم المنطقية أو يعجزون عن ذلك نتيجة لافتقادهم القدرة على ممارسة التفكير الابتكاري وعدم توصلهم إلى أدوات وتقنيات الابتكار…. والمطلوب من كل قائد سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي حاليًا أن يتخلى عن فقاعته المنطقية الخاصة به، وأن يفهم أن التصدي للمشكلات الحالية غير المسبوقة يقتضي رسم خريطة جديدة للتفكير تقوم على افتراضات ومدارك ومفاهيم جديدة يمكن رسم طريق الحلول عليها، وهذا هو مايقودنا للوصول إلى القرار السليم في الوقت المناسب”.

المؤسف أن ما طلبه راجي عنايت في ختام كتابه، كان ممكنًا ومتاحًا ومطلوبًا وفي متناول اليد قبل ثورة يناير وحتى بعد قيامها بفترة وقبل أن تدخل مصر في دائرة الدم العبثية، أما في أيام كهذه، تتعرض فيها العيون للفقء والمرارات للفقع والدماء للسفك والأعراض للهتك، سيكون من الصعب جدًا أن تطلب من المواطن المصري الاختلاء بفقاعته المنطقية لفقعها، والبدء من جديد على ميه بيضا، وإلى أن يصير المناخ مناسبًا لذلك، لا يبقى أمامنا إلا أن نسأل الله السلامة وأن يقر أعيننا برؤية الأيام التي نبلغ فيها التخريمة الحضارية بأقل خسائر ممكنة.

بقلم : بـــلال فـــضـــل




مــطر
عضو ماسى

Saudi Arabia
8557 مشاركة

كتب فى :  - 23/03/2017 :  11:48:54  Show Profile


( حقيقــــــــه بلال فضل )


كاتب سيناريو يمني- مصري


واسمه الكامل بلال محمد ناصر فضل بابريك من مواليد سبتمبر سنة 1974م ولد بمدينة حدة باليمن
وظل في اليمن حتى تخرجه من الثانوية العامة عام 1991 .. وحصل على الجنسية المصرية عام 2000م


والده هو محمد ناصر فضل بابريك القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح ( الإخوان المسلمون ) وعضو مجلس شورى الحزب

كاتب وسينارست معروف وله العديد من الإبداعات في الكتابة السينمائية وناشط سياسي صعد نجمه مع مؤمرة 25 يناير


( الســــــؤال الذى يطرح تفسه .. لماذا لا يوجه الاستاذ بلال فضل انتقاداته و هجومه الدائم الى النظام فى اليمن ؟ .... اليس اهل مكه ادرى بشعابها !!!! عذرا سيد ( بلال ) نحن لا نريدك محامى عن الشعب المصرى .. فالشعب المصرى ادرى منك بشؤنه ... و نصيحه اشغل تفسك ببلدك الام ( الى مالوش خير فى اصله .. مالوش خير فى حد ) و سيبك من حكايه الجنسيه دى .



أيمــــــــ مطر ـــــــــــن
Go to Top of Page

مــطر
عضو ماسى

Saudi Arabia
8557 مشاركة

كتب فى :  - 23/03/2017 :  12:17:39  Show Profile


والمشكلة ليست في كونه يمنيا الاصل ولكن في إنتماءاته الشيطانية الاخوانيه ؟؟؟


فمن مبادئ البنا وجماعته الارهابية

أنه إذا كان الاب اخوانيا فعليه جعل الاسرة بأكملها اخوانيه من الاولاد والزوجة وإن كان هذا الكلام غير مضبوط فأتوا لي بأسم لأب أخواني وأحد اولاده ليس اخواني !!

وإذا تزوج اخواني لفتاة ليست اخوانيه فعليه جعلها اخوانيه وإن لم يستطع فسيتم التفريق بينهما وهذا في شرع البنا وجماعته !!!


وأقول لمن ينقل لهؤلاء السفه أو يسطر بقلمة الحاقد علي هذا الوطن لينشر الامه ليتغنوا بها ولكي ينشروا فتنتهم التي وكلوا بها من اربابهم !!!


أن الله سبحانه وتعالى حامي هذا الوطن وكما غسله من قاذوراتكم أنه سيتعافى من كبواته الاقتصادية بإذنه وكرمه سبحانه وتعالى

وادعوا الله سبحانه وتعالى أن يطيل في عمركم حتى تروا رفعة هذا الوطن على يد من تدعوهم الانقلابيين فتكون حسرتكم حسرتين


أيمــــــــ مطر ـــــــــــن
Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70588 مشاركة

كتب فى :  - 24/03/2017 :  06:04:04  Show Profile
لا تعليق
لك الحق ان تقول رأيك ... ولغيرك الحق أيضاً

ولك أن ترى كل من هو ليس على رأيك أخوانياً .. لا يهم

ولى الحق أن أنقل ما أريد وأكتب ما أريد

أتهمنى كما تشاء بنشر الفتن

فانا لا أبالى بما تقوله ولم أكتب لأنادى بمحرقة أو أويد مجزرة


ودوماً وأبداً تحياتى استاذ مطر




على مر الزمان ... سأبقى عفروتة شبيك لبيك وسيظل شبيك عالمى
ستظل مواضيعى تاريخى
سيظل اسمك بقلبى ما حييت

شبــــــيــــــــــك لبيـــــــــــــــــك

Go to Top of Page

مــطر
عضو ماسى

Saudi Arabia
8557 مشاركة

كتب فى :  - 25/03/2017 :  19:55:27  Show Profile

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين


جميلة الدنيا بهذه الحرية وهذا الحق المزعوم في فمن حقي أنقل ما أشاء وأكتب ما أشاء وأفعل ما أشاء دون ضوابط تحكم هذه الحريه


فهذه دعوة لكل شواذ الامة لفعل ما يحلوا لهم تحت بند الحرية

فمن حق السارق أن يسرق

ومن حق القاتل أن يقتل ويسفك الدماء

ومن حق الارهابي أن يرهب

ومن حق صاحب الفتنة أن ينشر فتنته

ومن حق .....ومن حق ............ومن حق ..........

قال تعالى
(ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)


فانقلي ما تشائيين من كل الأخبار المراد بها الفتنة ومن كل تويتات جميع الهاربين ومقالات اخوان الشياطين وتغني برابعة وسمي جيش بلدك العسكر والقتلة والانقلابيين وإهملي أخبار من يستشهدون منهم على يد الافاقين وإهملي كل طاقة نور فتحت في عهد الانقلابيين وأنشري أخبار الفاسدين والمفسدين كيفما تشائين فإنها
(((( الحرية التي خربت أوطان وصار أهلها مهجرين ولاجئين))))


نحن بشر نحكم على الاخرين بالافعال
قال رسول الله صل الله عليه وسلم
( إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان )
حتي ولو كان ضعيفاً


فالغرض من سرده وهي الافعال هي حكمنا علي الاخرين وهذا ما نملكه وكل مواضيعك لا تحمل الي نشر كل ما هو يسئ ونشر الفتنة نحن في غني عنها ووطن مهلهل كان على وشك الانهيار على يد هؤلاء الافاقين


ولا املك الا الدعاء بإنارة بصيرتنا للحق ويرزقنا اتباعه


امييييين يارب العالمين


أيمــــــــ مطر ـــــــــــن
Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70588 مشاركة

كتب فى :  - 02/04/2017 :  13:20:54  Show Profile
انا كل دة ؟؟

جزاك الله خيراً ... ولن أزيد ولن أرد على أتهاماتك ولن أدافع

ولن أجرجر الى ساحة الجدال والأثارة ونصول ونجول فى صراع أجوف

اللهم أنر بصيرتنا .. اللهم أمين

Go to Top of Page
  Previous Topic الموضوع Next Topic  
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share