Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


دردشة شبيك لبيك
 المنتديات
 أســــــريات
 الطفل - عالم الطفل والمراهقة
 موسوعة الطفل - 50 سؤال وجواب
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
Previous Page
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70936 مشاركة

كتب فى :  - 07/11/2012 :  00:27:32  Show Profile
موسوعة تربية الطفل ( ملف كامل من الف الي الياء في التربية)



التربية الإيمانية للطفل

1ـ سنة الأذان في أذن المولود


ويستحب حين الولادة أن يقوم الوالد بالأذان في أذن المولود اليمنى ويقيم في اليسرى، وذلك ليكون أول شيء يصل إلى المولود من أمور الحياة بعد الهواء هو التوحيد المنافي للشرك، فلا ينبغي إهمال هذه السنة المباركة بحجة أن الطفل لا يعي ذلك لصغر سنه، فإن واعية الطفل تحفظ نبرات وتقطيعات الأذان إلى جانب أن الشيطان الذي يحضر عادة ولادة المولود يهرب من سماع الأذان كما ورد ذلك في السنة، ولو لم يكن في هذا العمل كله سوى الاقتداء بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام لكفانا ذلك حجة للقيام به، فقد أورد الحاكم في المستدرك عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه رضي الله عنه قال: ((رأيت رسول الله r أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة رضي الله عنها))، وبهذه السنة يحفظ المولود -بإذن الله تعالى- عند أول خروجه إلى الحياة من الشيطان، ويقع في نفسه التوحيد الموافق للفطرة المركوزة فيه أصلاً فيكون ذلك له خيراً عند كبره وبلوغه بإذن الله تعالى.

2ـ سنة العقيقة عن المولود الجديد


العقيقة تعني في اللغة القطع، وفي الاصطلاح الشرعي تعني: ذبح شاه عن المولود يوم سابعه، وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، قال عليه الصلاة والسلام: ((عن الغلام شاتان مكافيتان وعن الجارية شاة))، وعند الإمام مالك رحمه الله عن الذكر شاة واحدة كالأنثى، مراعياً أن تكون من أفضل النعم، غير عوراء، أوعرجاء، أو مريضة، ولا يبيع شيئاً من لحمها أو جلدها، إنما يأكل الأهل منها ويتصدقون ببعضها. كما كره رحمه الله أن يجمع عليها الناس فتكون كالوليمة، بل أمر بطبخها والأكل منها والإهداء، ولا يصح إشراك مولودين في شاة واحدة، بل لكل مولود شاة.

والسنة في الذبح أن يقول: ((بسم الله، اللهم لك وإليك، هذه عقيقة فلان))، ولا يكسر عظمها بل تفصل الأعضاء من عند المفاصل دون كسر.

ويستحب أن تذبح العقيقة يوم السابع، أوفي اليوم الرابع عشر، أو في اليوم الحادي والعشرين، فإن لم يتمكن عق عنه بعد ذلك في أي يوم دون اعتبار الأسابيع.

وعلى الوالد أن يراعي تطبيق السنة، ويشرف بنفسه على ذلك، وأن يجنب المولود الجديد البدع المحدثة في هذا المجال مثل تلطيخ رأس المولود بدم العقيقة كما يفعل أهل الجاهلية، بل يستعاض عن ذلك بالزعفران.

كما ينبغي له أن يحترس ممَّا أحدثه بعض الناس في ليلة السابع من وضع المصحف ورغيف وسكر عند رأس المولود، فإن هذا لم يرد فيه دليل، بل هو من البدع المحدثة، فالسنة أولى بالاتباع، فإن وجد الوالد بعض العنت من أهله وأقربائه، فإن سلامة المولود وحفظه من المحدثات والبدع أنفع له من إرضاء الناس.

3ـ التأكيد على الفطرة في نفوس الأطفال


ورد ذكر الفطرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة. ففي القرآن قوله جل وعلا: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30].

أما ذكرها في السنة، فقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تُنْتَجُ البهيمة هل ترى فيها من جدعاء؟)). وقد اختلف العلماء على أقوال في تفسير معنى الفطرة، فمنهم من رأى أنها الإسلام مثل مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.

ومنهم من رأى أنها الإقرار بمعرفة الله U، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني وغيرهم.

وقد ذهب ابن حزم، والزجاج، وغيرهما إلى القول بأنها الإيمان، وأقوال العلماء في الفطرة كثيرة، ولكن مدار مذهبهم وتفسيراتهم يتضمن صلاحها وأنها خيرة، فقد أجمع العلماء على هذا.

وعلى هذا المفهوم يتيقن الأب أن الإيمان بالله، والإقرار بربوبيته، والعلم بوجوده يعتبر قضية مسلمة في نفس الولد وعقله، فلا تحتاج إلى دليل لإثباتها. كما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ((وضع في النفس أن المصنوع لا بد له من صانع))، أي: إن هذه المسألة مما اطمأنت إليها النفس واستقرت فيها.

ولا تقتصر الفطرة على الإقرار والإيمان بالله فحسب، بل تميل بطبعها إلى الخير وتحبه، وتصدق بالحق وتحبه، وتبغض الشر والباطل وتكذب به وترفضه، فإذا كان الأمر على هذا النحو، فإنه من السهل توجيه الولد، وتركيز وتأصيل ذلك المفهوم الحسن في نفسه، فيتأكد عنده بأن الله هو الذي خلقنا، ورزقنا، ووهب لنا هذا الخير والوجود، وغير ذلك من فضائل الرب U. ولا شك ان الطفل في كل هذا يكون قابلاً مذعناً مستجيباً -بدافع فطرته- إلى هذه المعاني، وما على الأب إلا أن يعمل جاهداً على تعميقها وتركيزها في نفسه.

ويستغل الأب الفرص المناسبة وخلوات الولد معه، كما فعل رسول الله e مع ابن عباس عندما كان رديفه على الدابة حيث علمه معاني من الأخلاق مع الله، ومراقبته، وحسن التوكل عليه. فإذا خرج الأب مع ولده في نزهة على البحر، أو في حديقة، أو في الصحراء، وجه ولده للنظر إلى السماء الجميلة ذات البروج، والنجوم المضيئة اللامعة، وإلى الأرض المزهرة والماء، ثم يسأله: ((يا بني من خلق هذا ؟ من أسبغ على هذا الكون ذلك الجمال الباهر؟ من حفظ الكواكب والنجوم في مداراتها دون اختلاط ؟)). فتثار في نفس الولد رهبة نحو هذا الكون وما وراءه مما لا يراه.

وربما اندفع الولد في بعض الأوقات يطرح الأسئلة على والده، فيسأل عن خالق الكون وموجده سبحانه وتعالى، وعن طبيعة الأشياء، ولماذا وجدت على هذا النسق، وعلى هذه الهيئة، ولا يكون لدى الأب من جواب سوى: ((الله)). أي أن الله هو الذي أعطى هذه المخلوقات تلك الصفات والهيئات.

وهذه الأوقات التي يكون فيها الولد متطلعاً لأجوبة والده تعد أفضل الأوقات وأحسنها لتوجيه الولد وتركيز معاني الفطرة في نفسه، ولا ينبغي إهمال أسئلة الولد - خاصة المتعلقة منها بالعقيدة - ظناً بأنه صغير لا يعقل، أو لا يدرك هذه المعاني العليا المجردة، فإن الفطرة تتيقظ لربها وخالقها في مرحلة مبكرة جداً من عمر الطفل.

ولا يلتفت الأب إلى آراء بعض رجال التربية أمثال "روسو" الذي يُنقل عنه النهي عن تعليم الطفل شيئاً عن الله حتى يبلغ الثامنة عشر، وذلك زعماً منه أن الطفل لا يدرك هذه المعاني، وخشية أن تصبح هذه القضايا والمفاهيم في ذهنه أوهاماً لا يعقلها ولا يفهمها. وهذا رأي مردود لما تقدمت الإشارة إليه من استقرار الفطرة في نفس الطفل، وتيقظها المبكر، وأن السنوات الأولى من عمر الطفل تتحدد وتتكون فيها نواة شخصيته الأولى، وله قدرة فائقة على التعلم.

وقد أشار الغزالي رحمه الله إلى إمكانية التوجيه في مرحلة الطفولة، إذ إن قلب الطفل قابل للنقش، ومائل إلى كل ما يؤخذ به من خير أو شر.

ويمكن للأب أن يستفيد من طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في جانب تركيز التوحيد في ذهن الولد. حيث ألف كتاب "تعليم الصبيان التوحيد" بأسلوب فريد، معتمداً على طريقة السؤال والجواب، فيضع السؤال ويتبعه بالجواب، وجميع الأسئلة تدور حول توحيد الله U. فلو استغل الأب هذا المنهج مستعيناً بهذا الكتاب سهل عليه تعليم أولاده التوحيد، خاصة إذا كان الأب من قليلي العلم والاطلاع، فإن لم يكن كذلك وكان متخصصاً، أو لديه ثقافة جيدة، وعلم بالكتب والمؤلفات، وطرق استخلاص المعلومات منها، فإنه يفضل أن يقوم بنفسه فيضع منهج التوحيد، جامعاً مادته من كتب العقائد، والتوحيد ومايتعلق بها من شروح. فعلى سبيل المثال كتاب "الإيمان" لابن تيمية، وكتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، وكتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" لعبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، وكتاب "تيسيرالعزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد" لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وكتاب "العقيدة في الله" لعمر الأشقر، وغيرها من كتب العقيدة النافعة.

فيبين من خلال هذه المراجع الأدلة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، موضحاً كماله وجلاله، واستحقاقه العبودية والخضوع وتمام الحب والذل، مبيناً الغرض من خلق الإنسان وإيجاده، ومفهوم العبادة الشاملة، وأنواع التوحيد، وغير ذلك من القضايا العقائدية المهمة، مراعياً في كل هذا قدرات الولد العقلية وحدود فهمه حسب سنه مستعملاً الأسلوب السهل الميسر، والصياغة الواضحة المفهومة، والإثارة والجذب ومتجنباً الجدل العقائدي، وأساليب الفلاسفة وأهل الكلام وطرقهم العقيمة في إثبات الصانع سبحانه وتعالى. ويحذركل الحذر من التعرض للفرق الضالة المنتسبة للإسلام أو غيرها إلا عند الضرورة، فإنه لا حاجة لمعرفتها قبل معرفة الحق المبين والمفاهيم الصحيحة. فقد يتعلم الولد الشبهة دون أن يعرف الرد عليها، وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله على أنه لا ينبغي تعليم عامة الناس إلا ما ينفعهم مباشرة في أمور دنيهم، دون التعمق في القضايا الدقيقة التي تخص العلماء والمتخصصين، فإذا كان هذا مع العامة من المسلمين فكيف بالولد الصغير قليل الفهم والإدراك؟ فلا شك أن تعليمه هذه الأموريعيق تفكيره، ويشتت ذهنه، ويقسي قلبه.بل ينهج الأب أسلوب التربية الأسلامية الصحيح في البدء بالعقيدة الصححية وإظهار معانيها ومتطلباتها، فإذا عرفها الولد وفهمها -حسب قدرته - أنكر غيرها من العقائد، وما خالفها من المفاهيم والتصورات.فلا بد أن يبدأ مع الولد بالقضايا الهامة والكلية التي تكون أنفع له وأفضل. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "ومن الحكمة، الدعوة بالعلم، لا بالجهل، والبدأة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين".


4ـ تعريف الطفل بنعم الله تعالى

التعريف بنعم الله عز وجل على الإنسان، وما حباه من الفضائل وأنواع الطيبات ضروري في التربية ؛ وذلك ليقع في نفس الولد تعظيم الله سبحانه وتعالى من خلال الشعور بالتقصير تجاه شكره على هذه النعم الكثيرة.

والإنسان بطبعه يميل ويحب من يكرمه ويحسن إليه، فيحس نحوه بواجب الشكر والاعتراف بالجميل، فإذا كان هذا حاصلا مع الناس، فكيف برب الناس، الذي سخرهم لنفعه وعونه وإسداء المعروف له؟

ولاشك أن الإنسان إذا عرف هذه النعم، وسابق كرم الله بإيجاده، والصبر على أخطائه وتقصيره، فإنه يحس بالحياء من الله عز وجل لما يراه في نفسه، وواقعه من التقصير في حقه سبحانه وتعالى.

فمن هذا المنطلق يستغل الأب هذه الطبيعة الإنسانية في الكيان البشري، فيبين فضل الله ونعمه على الولد، وما سخره له من الطعام، والشراب، والمركب، والمسكن، وما وهبه من نعمة البصر، والسمع، والشم، والتذوق. ويقرب إلى مخيلة الولد العنت، والشقاء، الذي يمكن أن يحدث إذا فقدت نعمة من هذه النعم، فيلفت نظره إلى فقدان الطعام - مثلا - وما يحدثه من المجاعات المفزعة، المفضية إلى الهلاك والدمار، أو فقدان البصر، وما يحدثه من جهد وعنت للأعمى، أو فقدان الوالدين وكيف يمكن للولد أن يعيش بغيرهما.

وفي كل جانب من جوانب الكون وحياة الإنسان، يجد الأب مجالا خصبا للتذكير بنعم الله عز وجل. يقول ابن تيمية رحمه الله مؤكدا هذا المعنى: "ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده، يحمد عليه حمد شكر، وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمدا يستحقه لذاته".

ويلاحظ الأب أن الولد الصغير لا يدرك الأمور المتعلقة بالدين بمعانيها المجردة، فإن أفكاره مرتبطة بالبيئة من حوله، فيحدثه عن آثار نعم الله من خلال مخلوقاته في الكون، كأن يلفت نظره إلى البيئة من حوله فينظر إلى الأشجار والأزهار، والجبال، والسهول، والسماء، وغيرها مما حوله من أمور البيئة، فيدرك الولد جمال ما حوله من الطبيعة في جميع مظاهرها فيقدرها، ويستمتع بها، ويحس بالعلاقة بينه وبين هذا الكون، فتتأثر نفسه بآثار طيبة تعد رصيدا جيدا لمزيد من الشكر، والثناء لواهب هذا الوجود عز وجل.

ويعد الاستمتاع بهذا الكون، وما بث فيه من عجائب المخلوقات جزءاً أصيلا في منهج التربية الإسلامية، فقد احتوى القرآن الكريم على آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى التربوي، وتلفت النظر إلى نعم الله على عباده بما سخره لهم من أنواع الطيبات، والملذات، والاستقرار، ليستمتعوا بها، ويشكروا ربهم عليها، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20]، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 3]، وقال سبحانه وتعالى في موضع آخر من كتابه العزيز: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:14]، وقوله: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تتحدث عن نعم الله عز وجل التي خلقها للإنسان ووهبه إياها.

وهذا الأسلوب القرآني في التربية من خلال الإشعار بنعم الله وفضله. يستغله الأب مع ولده فيختار ألصق هذه النعم، وأهمها عند الولد موضحا فضل الله عليه فيها، كأن يشعر الولد بنعمة الوالدين، وكيف أنهما يحبانه، ويسهران على راحته، ويتألمان لألمه، ويسعدان بسعادته، مبينا الخطر الذي يمكن أن يحدث له إذا ذهبا عنه، ثم يشعره بأن الوالدين نعمة من نعم الله سخرها للأولاد حتى يكبروا ويصبحوا قادرين على القيام بأنفسهم.

والتذكير بنعمة الوالدين له في نفس الولد أثر بالغ لعظم النفع الذي يتلقاه منهما، وعدم استطاعته الاستغناء عنهما، فهنا يشعر الولد بنعمة الله عز وجل متجسدة أمامه، فيحس بشعور يغمر قلبه تجاه الله عز وجل كأنه يريد أن يخاطبه ويشكره على ما أنعم به عليه. وهنا يكون دور الوالد في توجيه الولد إلى الطريق الصحيح لشكر الله عز وجل، وهو الاجتهاد في الاستقامة على منهجه، ولزوم الصراط المستقيم.

وبهذا الأسلوب يمكن للأب أن يشير إلى أي نعمة من النعم التي يدركها الولد، ويعرف أبعادها، فيبين فضل الله وكرمه، ثم يوجه الولد لشكرها، وحمد الله عليها من خلال القيام بالعمل الصالح، فيتعلم الولد بهذا الأسلوب طريقة الأخذ والعطاء، ومعرفة الجميل وأهله، وكيف يكون الشكر والحمد.

وعندما يقدم الأب لولده الصغير قبل سن التمييز برتقالة مثلا، فإنه وقبل أن يعطيه إياها يقول له: "يابني هذه من عند الله"، ويشير إلى السماء، فإذا لم يسترسل الولد معه في أسئلة حول الموضوع، كأن يقول: "كيف جاءت من عند الله؟"، أو "هل هو أعطاك إياها؟"، فإن الأب يكتفي بما أشار به من أن هذه البرتقالة من عند الله، ولاريب أن حافظة الولد تسجل هذه المعلومة وتختزنها، ومع التكرار والتعويد تتركز المعاني وتترسخ في نفسه وقلبه.

أما الولد الأكبر سناً، أو الأكثر ذكاءً وفهماً والذي يحاول أن يعرف كيف وصلت هذه البرتقالة إليه ؟ وعن أي طريق ؟ فإن الأب يبين له بعبارة سهلة ميسرة التسلسل المنطقي في مسيرة البرتقالة من كونها بذرة صغيرة لاقيمة لها، حتى وصولها إلى الولد ثمرة حلوة لذيذة، ويحاول الأب من خلال شرحه وبيانه أن يبرز ويشير إلى قدرة الله عز وجل ولطفه ورحمته من وراء هذه النعمة.

فيبين الأب لولده أن الفلاح وضع البذرة في الأرض الخصبة، ثم سقاها بالماء الذي أنزله الله من السماء، وأشرقت عليها الشمس بأمر الله عز وجل لتدفع فيها الحياة والنشاط، حتى كبرت وأصبحت شجرة بعد أن كانت بذرة صغيرة، ثم بدأت بعد ذلك تثمر برتقالاً حلو المذاق، ثم جاء الفلاح واقتطف هذه البرتقالات من الشجرة، وغسلها، ثم وضعها في صندوق، وخرج بها إلى السوق ليبيعها للناس، فاشتريت البرتقالات منه بالمال الذي آتانيه الله، وقدمت بها إلى البيت، وهاهي البرتقالة الجميلة بين يديك، ثم يعقب على هذا السرد الطويل بقوله: "أرأيت يابني كيف أن الله يحبك ؟ سخر لك الفلاح، والماء، والشمس، والأرض، وسخرني لك لأجلب هذه الثمرة إليك لتأكلها".

وبهذا الأسلوب يكون الوالد قد بذر في نفس ولده بذرة التأمل والتفكر في نعم الله من حوله، فإن كان هذا حاصلا في البرتقالة، فإنه حاصل أيضا مع باقي الفواكه والخضار، فيعمم الولد هذه القضية على باقي الأطعمة خاصة التي تنبت من الأرض لتشابهها بقصة البرتقالة.

ويختلف أسلوب الأب مع الولد المميز، الذي قد حصل عن طريق المدرسة على شرح عملية الإنبات والتمثيل الضوئي، وهنا يبدأ معه بصورة مباشرة فيسأله مثلا عن عملية التمثيل الضوئي وكيف تتم ؟ فيسترسل الولد ذاكراً ما تعلمه في المدرسة - وغالبا ما يكون تعليما جافا- من التفاعلات الكيميائية المختلفة التي تصاحب عملية الإنبات، من اشتراك الأرض، والماء، والشمس وغيرها في هذه العملية.

وهنا يحاول الأب أن يبرز جانب الغيب في هذه العملية، ويد الله التي تجلت في كل حركة من حركات هذا الكون، فيقول له: "يابني أرأيت لو أن الله قطع عنا المطر أيمكن أن يحدث تمثيل ضوئي؟"، فيقول الولد: "لا"، فيقول له: "ألم تعلم أن الله إذا غضب على الناس منعهم القطر، وحرمهم الماء"؟ "فما الذي يجب أن يفعله الناس مع ربهم يابني؟"، فيجيبه الولد: "يجب عليهم أن يطيعوه ولايغضبوه"، وهنا حيث وصل الأب إلى ما يريده من إحساس الولد بأهمية طاعة الله وشكره لتدوم نعمه وفضائله، يعقب على ذلك ببيان سبل إرضاء الله، والحصول على مغفرته ورضوانه من خلال التزام منهجه، وأوامره، واجتناب نواهيه، وما يسخطه. فإن سأله الولد على سبب إغداق النعم على غير المسلمين رغم عصيانهم لله ومخالفتهم لمنهجه، فإنه يبين له أن هذا من سنن الله عز وجل مع الناس الذين لاخلاق لهم في الآخرة، فإن الله يمدهم بالنعم في الدنيا حتى إذا فرحوا بها جاءهم الهلاك العام والدمار والخسف في الدنيا والآخرة، ويتلوعليه قوله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44].

وبهذا البيان المستمر يكون الأب قد ركز في نفس ولده معرفة نعم الله U، وواجبه تجاه الله بالشكر والحمد والإستقامة، ورد شبهة كانت يمكن أن تشوش عليه يقينه وثقته بربه سبحانه وتعالى.

ويستعين الأب ببعض الكتب الجيدة المؤلفة في هذا الجانب فيقوم بتلخيص بعض موضوعاتها، ثم يعرضها على الأولاد بعبارة سهلة من وقت لآخر، ومن هذه الكتب: "التبيان في علوم القرآن" لابن القيم، وكتابه أيضا "مفتاح دار السعادة" حيث تحدث في بعض أجزاء هذين الكتابين عن عجائب خلق الإنسان، والحيوان، والكون، مبينا بأسلوبه الفريد فضل الله ونعمه على خلقه، وعظيم قدرته. والأب يستفيد من هذين الكتابين وغيرهما من الكتب في هذا المجال، ويحاول أن يبسط هذه المفاهيم والتصورات لولده ليستفيد منها.

5ـ إحياء المراقبة لله تعالى في نفس الطفل

جانب مهم من جوانب التربية الإسلامية، وضرورة من ضرورياتها التربوية، هو جانب مراقبة الله، واستشعار معيته، وإحاطته بالإنسان وأعماله، حيث تعتبر هذه المراقبة ثمرة من ثمرات معرفة نعم الله الكثيرة على الإنسان، لما يقع في النفس من الشعور بالتقصير، والانكسار، والعجز عن كمال الشكر والحمد للمنعم، مما يولد عند المؤمن الإحساس بالمراقبة لله عز وجل، ومحاولة الاجتهاد في الحمد والشكر بدوام الاستقامة على المنهج القويم.

وقد ركز منهج الإسلام في التربية على إثراء جانب المراقبة لله عز وجل في النفس الإنسانية، فقد تضمن القرآن الكريم كثيراً من الآيات المشيرة إلى هذا المعنى يقول الله سبحانه وتعالى حاكيا عن لقمان الذي أرشد ولده إلى هذه المراقبة: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16]، ويقول أيضاً: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [قّ:16]، فحتى الخواطر، والخطرات التى ترد على النفس يعلمها الله ويحيط بها، ويقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد:4]، أي: أن الله سبحانه وتعالى مع الإنسان أين ما كان بعلمه وقدرته وكمال إحاطته بخلقه.

وفي الحديث عندما كان عبدالله بن عباس رضى الله عنه رديف النبي r على دابة حيث أراد عليه الصلاة والسلام أن يذكي في نفس ابن عمه الصغير هذا الجانب الهام فقال له: (( يا غلام أو ياغليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت: بلى فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعاُ أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدرواعليه)).

بهذا الأسلوب القرآني والنبوي، يتعلق الولد بالله عز وجل، ويقطع جميع العلائق دون الله، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يسأل إلا الله، فيحفظ الله في خلواته، وعند قوته بتمام الاستقامة على منهجه، فيكون دائم المراقبة لله في الرخاء والشدة.

وبهذا المنهج تربى الطفل في عصر النبوة تربية راسخة، جعلته قوة فعالة ثابتة، وأمثلة واقعية تفوق الخيال، فلا يكاد يفرق بين الرجل الكبير والولد الصغير، فالكل كبار بأفعالهم وأعمالهم الحميدة.

فهذا علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه يؤمن بالرسول r قبل أن يبلغ وهو ابن عشر سنين، ويتبعه رغم الآلام والخسائر والمعاناه التى يلقاها المؤمنون في ذلك الوقت في مكة، فلم يمنعه كل هذا - مع صغر سنه - من اتباع الحق، والتمييز بينه وبين الباطل، واختيار الطريق، وتقرير المصير.

وهذا أسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وغيرهم كثير، يعرضون أنفسهم على رسول الله r رجاء أن يسمح لهم بالمشاركة في قتال الكفار في غزوة أحد، فيردهم لصغر سنهم.

وفي يوم تلا رسول الله r قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم:6]، فإذا بفتى يسقط مغشياً عليه من وقع التلاوة على قلبه، فيضع رسول الله r يده الشريفة على صدره ويقول له: ((يا فتى قل لا إله إلا الله)) فقالها فبشره بالجنة، وصبيان آخرون في سن السابعة تقريباً يأتون رسول الله r يبايعونه مع الكبار، فيبسط يده ويبايعهم.

هؤلاء الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، ولم تصقل خبراتهم بعد، ولم يتعلموا الكثيرمن العلوم عرفوا معنى الحياة وحقيقتها، وأنها فانية، فقد كان دور الأسرة في ذلك الوقت دوراً رائداً ورئيسياً في إيجاد هذا الشعور العجيب في قلوب الصغار نحو الله عز وجل، واستشعار معيته ومراقبته لهم مما دفعهم إلى مزيد من التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى.

وهذا هو النوع من الشعور الذي يطالب الأب المسلم بغرسه في نفوس أولاده الصغار، وتربيتهم عليه، حتى تتعلق قلوبهم وأرواحهم بالله عز وجل، فتكون جميع حركاتهم وسكناتهم موافقة لمنهج الله عز وجل، فإذا نجح في هذه المهمة في طفولتهم فقد ضمن دوام استقامتهم وسلامتهم من الانحرافات في مستقبل حياتهم إن شاء الله تعالى.

ومن أهم العوامل المساعدة على تنمية هذا الشعور عند الولد إشعاره بالانتماء إلى الله ورسوله r، فالأطفال يحبون هذا الشعور، ويرغبون في شىء يعتقدون ويعملون من أجله ليشعروا بمعنى الحياة وقيمتها، فإذا وجههم الأب إلى هذا النوع من الانتماء فقد أشبع في نفوسهم هذا الميل الفطري، الذي لا يشبعه إلا هذا الانتماء العظيم.

والأب يسعى دائماً بإشعار الولد بمراقبة الله له في كل وقت وفي كل مكان، ويوقظ عنده المسؤولية أمام الله، ويشعره بواجبه تجاهه سبحانه وتعالى. وهذا يمكن تحقيقه خاصة مع الولد في سن التمييز، إذ يمكنه أن يفكر بصورة مجردة، ويفهم ويدرك تلك المعاني.

ويستخدم الأب أسلوب الترغيب والترهيب لينمي في ولده الرغبة والحب لله من جهة، والخشية والخوف من جهة أخرى، فيعيش بين الخوف والرجاء. ويلاحظ الأب عدم الإكثار من تخويف الولد بعذاب الله بصفة مستمرة، خاصة إن لم يكن هناك مبررلذلك، أو مناسبة للتذكير، بل يركز قدر الإمكان على جانب الترغيب ويعلق قلب الولد بجانب الرجاء فهو أكثر حاجة إليه ورغبة فيه. وإن احتاج إلى الترهيب الذي لا بد منه في بعض الأوقات، فعليه أن يستخدمه بأسلوب غير مباشر، فإذا قام الولد بعمل حسن محمود قال له: "إن الله سيحبه من أجل هذا العمل ويدخله الجنة، وإنه ليس كالأولاد الأخرين الذين يعملون السيئات، والذين سيعذبهم الله بالنار"، وبهذا الأسلوب يكون الأب قد أثاب ولده على الفعل المحمود، وفي نفس الوقت حذره بصورة غير مباشرة من الفعل القبيح المذموم.

وفي مجال الترغيب والترهيب يمكن للأب أن يعرض على ولده الآيات والأحاديث في وصف الجنة والنار ففيها العبرة كلها، والموعظة البالغة التي تنمي في النفس الخشية من الله U، والرغبة فيما عنده، ويستعين في هذا المجال بكتاب "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري رحمه الله، فقد جمع فيه أحاديث كثيرة في هذا الباب، فينتقي الأب منها أحاديث متنوعة، سهلة العبارة ومفهومة المعنى، فيقرأها على الولد في أوقات متفاوتة ومختلفة، مراعياً أن لا يكون ذهن الولد منشغلاً عنه بشاغل، بل يتحين الفرص المناسبة التي يكون فيها الإبن مقبلاً عليه، فارغ الذهن من الملهيات واللعب، فيعرض عليه هذه الآيات والأحاديث موضحاً وشارحاً لها بأسلوب حسن سهل، مقتدياً في ذلك بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام في توجيهه لابن عباس في الحديث المتقدم.

وينهج الأب مع ولده أسلوب التذكير الدائم برقابة الله له، وعلمه سبحانه وتعالى بجميع أفعاله وأقواله مستخدماً في ذلك طرقاً متنوعة، فإذا حدثه الولد - وهو في سن التمييز - حديثاً، أو نقل إليه خبراً ما، قال له: "يا بني إن كنت صادقاً فإن الله سيحبك، ويجزيك على صدقك أجراً، وسوف أحبك أنا أيضاً، أما إن كنت كاذباً فإن الله لن يحبك، وسوف يعاقبك، ولن أحبك أنا أيضاً".

وإذا ترك الأب الولد الصغير في غرفته منفرداً، أو في أي مكان بعيداً عن مراقبة الوالد وأهله، ذكـَّره بمراقبة الله له، كأن يقول له: "يا بني أتعرف أن الله يراك؟"، فيجيبه الولد: "نعم يا أبي"، فيقول له الأب: "إذاً فماذا عليك أن تفعل؟"، فيرد عليه الولد: "لا أفعل شيئاً يغضبه". وهنا يحتضنه الأب، ويقبله مشعراً له برضاه عن مقالته الحسنة.

وبهذه الطريقة من التذكير الدائم بالأساليب المتنوعة تحصل لنفس الطفل شفافية وحساسية مرهفة، تنصدع خشية لله عندما تسمع ذكره، أو تستحضر وجوده، كما قال تعالى واصفاً هذا الصنف من الناس: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2].

أما الولد الكبير الذي قارب البلوغ، وأصبحت قدرته أكبر على فهم الأمور المجردة، وإدراك القضايا الغيبية بصورة أعمق، فإن الأب ينتهج معه منهجاً آخر، فيسلك معه الأسلوب المباشر فيخاطبه بالآيات المباركات التي تركز على جانب مراقبة الله U، فيتلوها عليه مختاراً الأوقات المناسبة، خاصة بعد صلاة الفجر، حيث صفاء الذهن، ورقة الإحساس، وقلة الملهيات والشواغل، فيتلو بعضاً من آيات الذكر الحكيم كأن يختار آيات من سورة "الأعراف"، أو خاتمة سورة "المؤمنون"، أو سورة "ق"، أو يختار بعض السور من الجزئين التاسع والعشرين والثلاثين من المصحف الشريف، مراعياً في تلاوته الخشوع والبكاء، فإن أثر التلاوة الخاشعة المصاحبة للبكاء أعظم في نفس الولد، وأكبر وقعاً من مجرد التلاوة الجافة، فلا بأس أن يحسن الأب صوته بالتلاوة في خشوع، فقد روي عن رسول الله r أنه قال: ((إن هذا القرآن نزل بحزن. فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)). والمقصود هو إظهار الخشوع والحزن والبكاء عند التلاوة ليكون وقعها على النفس أشد فتتأثر وتنصدع، وقد كان ابن الجوزي رحمه الله عندما كان صغيراً يتأثر ببكاء بعض شيوخه أكثر من تأثره بعلمهم.

والولد الذي يشاهد هذا التأثر على أبيه لا شك يتأثر، وكأن لسان حاله يقول: "إن هذا الأمر الذي يبكي والدي له أمر عظيم". وسوف يبقى في نفس الولد أثر هذا الخشوع، ويرتسم في مخيلته، حتى يكبر وينضج، فيتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الخشوع، فيكون ذلك مدعاة لدوام استقامته، وتمام توفيقه وسداده.

ويضيف الأب إلى آيات القرآن الكريم بعضاً من الأحاديث النبوية التي تركز على هذا الجانب، وتقويه في نفس المؤمن، ومن هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان)). أي إن علامة الطاعة، أو المعصية التي عملت في الخفاء بعيداً عن رقابة الناس يظهرها الله على صاحبها في سلوكه وتصرفاته بين الناس، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي حديث آخر يكشف رسول الله r للناس حقيقة من حقائق عالم الغيب التي يهتز لها الوجدان، وينخلع لها القلب، عند تخيل حقيقتها وطبيعتها حيث يقول: ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)).

وهذه الآيات والأحاديث لا شك أن لها أثرها على نفس الولد، حتى وإن لم يظهر ذلك في بادئ الأمر، فإنه يختزن في ذاكرته، ويُنقش في قلبه، ويظهر أثره عند مقاربة البلوغ وبعده على صورة رغبة وميل نحو التدين والتزام الإسلام.

وقد كان بعض السلف يعلم أولاده كيف يستحضرون رقابة الله عليهم عن طريق ذكر الله بالقلب، فيعلم ولده أن يقول: "الله معي، الله يراني، الله ناظري"، ويكرر ذلك مراراً دون تلفظ. وهذا الأسلوب إن استمر عليه الولد مكَّنه ذلك من استحضار مشاهدة الله له، ومراقبته له.

6ـ أدب الطفل مع الملائكة


الملائكة عباد لله تعالى خلقهم من نور، وأوكل إليهم أعمالاً يقومون بها في هذا الكون، فالتسبيح والتمجيد لله U من أعظم أعمالهم، فهم العابدون لله دون ملل أو كسل كما وصفهم الله U في كتابه المنزل بقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الانبياء:19-20]، فهم دائمو التسبيح لله U لا يملون من ذلك، فالتسبيح عندهم كالتنفس عند البشر.

ومسؤولية الأب في هذا الجانب هي تعميق حقيقة وجود الملائكة في نفس الولد، وإكسابه يقيناً بوجود هذه المخلوقات العظيمة. ويكون نهج الأب في تعميق هذه الحقيقة هو الاعتماد على القرآن الكريم، والآثار الواردة عن رسول الله r في هذا الجانب الغيبي، فليس هناك طريق آخر لمعرفة هذه القضايا الغيبية سوى طريق الوحي المبارك من عند الله U.

ويبدأ الأب ببيان حب الملائكة للمؤمنين، وأنها تستغفر لهم، كما أخبر بذلك الله U حيث قال: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى:5]، فيُشعر ولده بحب الملائكة له، وأنهم يدعون له، ويطلبون له النجاة والفوز بالجنة، كما يخبره أنهم يحمونه مما يؤذيه، ومن كل ما يمكن أن يضره، فقد قال الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11]، فالمعقبات هم الملائكة الذين يتعاقبون على الناس بالليل والنهار، يحفظونهم بأمر الله U مما لم يكتب عليهم.

ويبين الأب لولده أن الملائكة هم الذين ينزلون بالوحي الذي تحيا به القلوب، ويهتدي به الناس، فكل أعمالهم لخير الناس وصلاحهم، وبهذا البيان يقع في نفس الولد حب الملائكة وموالاتهم، لما لهم من فضل وإحسان.

ويشير الأب معلماً ولده أعمال الملائكة، خاصة المتعلقة بأحوال الناس، فيبين له أن الملائكة لا تفارق الإنسان إلا في أحوال خاصة، بل تلازمه طول حياته منذ كونه نطفة في رحم أمه حتى دخول الجنة أوالنار، ويحصون كل أعمال العباد من خير أوشر، ويحثونه على فعل الخيرات بما يوقعونه في نفس الإنسان من عمل الفضيلة ونبذ الرذيلة.

وإذا علم الولد أن كل حركاته وسكناته مسجلة عليه محصاة بصحائف الملائكة، وأنهم يرونه ويشاهدونه ويعاشرونه، فإنه إذا استشعرهذا الموقف شعر بضرورة الأدب مع هؤلاء الملائكة، والخجل من اقتراف المعصية أو الخطيئة، فيكون إيمانه بالملائكة حافزاً له لعمل الخير وترك الشر، وحصناً في خلواته من الوقوع في المنكر.

ولا بأس أن يصف الأب لولده المميز طبيعة خلْق الملائكة وعظم أجسامهم، وشدة قوتهم، فقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام قوله: ((أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)). أما في وصف قوتهم فيقول عليه الصلاة والسلام: ((إن لله ملكاً لو قيل له التقم السموات والأرضين السبع بلقمة لفعل تسبيحه سبحانك حيث كنت))، وأما وصف عددهم وكثرتهم فيقول عليه الصلاة والسلام)) أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)).

هذه الحقائق عن طبيعة خلق الملائكة وعظم أجسامهم، وشدة قوتهم، وكثرة عددهم، إذا استقرت في نفس الولد وتيقن بها، أحدثت في نفسه شفافية خاصة، وإحساسا مرهفا نحو عالم الغيب، فيستحضر من وقت لآخر تلك التصورات التي يتلقاها من والده عن عالم الملائكة، فيذهب فكره من وقت لآخر متخيلا هذه الحقائق الكونية الكبرى، فيسأل أباه في بعض الأحيان عما يثقل عليه إدراكه وتصوره، أو يسأله عن ورود فكرة أو خاطرة ما على ذهنه عن طبيعة هذه المخلوقات الجبارة، ويمكن للأب أن يجيب ولده عن الأسئلة بالاستزادة من المعلومات حول الملائكة، فيمكن الرجوع إلى كتاب "الحبائك في اخبار الملائك" للإمام السيوطي، أو كتاب "عالم الملائكة الأبرار" لعمر الأشقر، ففيها الكفاية إن شاء الله، فقد جُمع فيهما عن أحوال الملائكة وطبيعتهم، وأعمالهم، ما تفرق في الكتب الأخرى.

والأب يشعر ولده من وقت لآخر بوجود الملائكة، فإن تركه في غرفته أو في مكان ما وحيداً، ذكَّـره برفقة الملائكة له، وأنهم يحصون عليه أعماله، ويدونونها، وإذا شعر الولد خوفاً من الظلام، أو الوحدة، ذكـَّره بوجود الملائكة المحبين للمؤمنين يحفظونه ويحمونه مما يؤذيه، فيشعر الولد بالأنس والاطمئنان.


يتبع ....

Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70936 مشاركة

كتب فى :  - 07/11/2012 :  00:28:54  Show Profile

7ـ ترغيب الطفل في حب الأنبياء

إن أحب خلق الله إلى الله هم الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام. فهم أولياؤه وخاصته وخيرته من خلقه اصطفاهم واختارهم من بين جميع خلقه، قال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:75]، وقد هدد الله سبحانه وتعالى من يعاديهم، فقال: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:98]، فمن عاداهم وصف بالكفر والجحود، كما أن من أحبهم ووالاهم وصف بالإيمان والإسلام ؛ بل إن معاداة نبي من الأنبياء هو كفر بالجميع ومعاداة للجميع. يقول ابن كثير رحمه الله: ((فمن عادى رسولاً فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، كما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل)).

ولما كان حب الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام من أعظم القربات إلى الله U، فإن مسؤولية الأب تتجسد في تركيز حبهم وموالاتهم في صدور الأولاد مستغلاً بيان فضلهم، ومنزلتهم، وكمالهم، فتتعلق قلوب الأولاد بهم حباً وولاءً.

يعرف الأب أولاده بالأنبياء الكرام عليهم السلام، وبمهامهم التي كلفهم الله القيام بها، مبيناً طبيعة شخصياتهم، وأنهم أكمل الناس خُلُقاً وخَلْقاً، فيحدث أولاده عن جمالهم، وكمالهم، وحسن صورهم، وطيب ريحهم، وكرمهم، وصبرهم على سوء خلق الناس وأذاهم.

ويعرض عليهم بعض قصصهم مع أقوامهم، وكيف لاقوا العنت، والتكذيب، رغم وضوح الأدلة وقيام الحجة، ويعرض الأب هذه القصص عرضاً شيقاً جذاباً، مراعياً سن الولد ؛فإن كان صغيراً قبل التمييز اختار له القصص القصيرة الموجزة، وإن كان كبيراً مميزاً بسط له القصة وأطال سردها، مراعياً في كل هذا إبراز شخصيات الأنبياء في أكمل صورة، متجنباً الروايات الإسرائيلية الغريبة، والمنقولات غير الصحيحة، والتي يمكن أن تحمل معاني لا تليق بمقام الأنبياء الكرام، ومراعياً أيضاً إبراز الصراع الدائر في هذه القصص بين الحق والباطل، مبيناً أن الأنبياء إنما أرسلوا لإقرار عقيدة التوحيد، والخلوص من الشرك بكل صوره، مشيراً إلى انقسام أقوامهم بين مكذب ومصدق، مؤمن وكافر، ثم يقر الحقيقة الكبرى، والسنة الجارية، في نهاية المطاف، بعد طول صبر وعناء، حيث يهلك المكذبون، وهم الأكثر، وينجو وينتصرالمؤمنون وهم القلة، موضحا أن الحق لا يعرف بكثرة الناس أو قلتهم، بل يعرف بموافقته للوحي المنزل من الله عز وجل.

ويستعين الأب في عرضه لقصص الأنبياء بكتاب "قصص الأنبياء" لابن كثير، وكتابه "البداية والنهاية" كتاب "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، وكتاب "الرسل والرسالات" لعمر الأشقر، وكتاب "حياة وأخلاق الأنبياء" لأحمد الصباحي عوض الله، وغيرها من الكتب. ويكون أسلوب الأب في العرض عن طريق تلخيص القصة من هذه الكتب أو من أحدها، ثم عرضها على الأولاد. ولا تقرأ مباشرة من المرجع، لصعوبة الأسلوب خاصة الكتب القديمة.

ولا بأس بتزويد الولد القادر على القراءة ببعض قصص الأنبياء المؤلفة للصغار ككتاب "قصص النبيين" لأبي الحسن الندوي، وكتاب "أنبياء الله" لأحمد بهجت، وغيرهما، ومن وقت لآخر يناقش الأب ولده فيما قرأ، ليتأكد أنه فهمه الفهم المطلوب، وتوصل إلى الهدف المنشود، والعبرة من القصة.


8ـ تشرب الطفل محبة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

يخص الأب سيرة رسول الله r، وأحداث دعوته بالإهتمام الأكبر، فالحاجة لمعرفتها أعظم من الحاجة لمعرفة غيرها من السير والأحداث، لأن الناس مأمورون بالاقتداء به، واتباعه، وهذا لا يتم إلا من خلال معرفة سيرته، ودراستها.

وإرسال الرسول محمد r من أعظم منن الله عز وجل على عباده، فهو أفضل الرسل، وأحبهم إلى الله، وشريعته أكمل الشرائع، يقول الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164]، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، فبعثته أعظم رحمة على البشرية، وأكبر منة لله عز وجل على الناس، لهذا كان حبه وطاعته والأدب معه من أهم القضايا والأمور التي يهتم بها المربون، ويسعون لإيجادها في نفوس أولادهم.

إن من المسَّلم به أنه إذا عُرفت شخصية الرسول r، وفضائله، وشمائله، فإن القلب يصبح أسير حبه، فيتعلق به تعلقا عظيما، ويفديه بالأهل، والمال، والولد، وهذا هو الذي حدث للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد ملك حب رسول الله r شغاف قلوبهم، فأصبح أحدهم يشتاق إليه وهو عنده، وظهر حب الصحابة له في مواقف كثيرة ومن أعظمها في موقعة أحد التي هزم فيها المسلمون، فكان أحدهم يقف درعا واقيا لرسول الله r من سهام المشركين، فيتلقى السهام بصدره أو ظهره.

وكما أن حبه عليه الصلاة و السلام ملك قلوب الصحابة، فكذلك التابعين، فهذا ثابت البناني التابعي الجليل يقول لأنس بن مالك رضي الله عنه: "أعطني عينيك التي رأيت بهما رسول الله r حتى أقبلهما".

ولايكمل إيمان المسلم إلا بحبه عليه الصلاة والسلام، فقد قال))لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)).

وحبه عليه الصلاة والسلام من حب الله عز وجل، فمن أحبه فقد أحب الله، لأن الله يحبه وأمر بحبه. يقول ابن القيم رحمه الله: "وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رسوله وتعظيمه، فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويبجلونه لإجلال الله له، فهي محبة لله من موجبات محبة الله".

وقد أمر الرسول r الآباء بأن يربوا أولادهم على حبه، فقال: ((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن)).

ولما كان الأمر بحبه على هذه الدرجة من الأهمية فإن واجب الأب أن يوقع في نفوس أولاده حبه وتعظيمه، ولعل أفضل الوسائل إلى ذلك سيرته، المتضمنة وصفه، وشخصيته، وشمائله، وفضائله، التي ما يكاد يطلع عليها أحد إلا وتؤثر فيه، وتمتلك قلبه.

فيحاول الأب أن يُعرف أولاده بسيرته عليه الصلاة والسلام مستعينا بالكتب المؤلفة في هذا الجانب، ككتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم، وكتاب "السيرة النبوية" لابن هشام، وكذلك كتب الحديث، وبعض الكتب الحديثة التأليف، فيحضر الأب من بعض هذه الكتب موضوعات متعلقة بشخصه عليه السلام، من التي تبرز خلقه، وفضله، وصبره على الناس، وعفوه عنهم، ويضاف إلى ذلك جوانب من سيرته في مكة والمدينة، والأحداث التي تخللت حياته، ويكون عرض الأب ملخصا دون سرد ودون قراءة مباشرة من المرجع، ويعلق على المواقف الهامة، مبرزا جوانب شخصيته عليه الصلاة والسلام حتى تتعلق قلوب الأولاد به ويحبوه.

ويشجع الأب أولاده على حفظ بعض الأحاديث النبوية القصيرة والواضحة المعنى، والمتضمنة لبعض الأخلاق، والآداب النافعة للصغار، ويكافئ من أجاد الحفظ بهدية، أو نقود، فلا حرج في ذلك، فقد كان بعض السلف رضوان الله عليهم يعطون الأولاد بعض النقود، ليشجعوهم على سماع الحديث.

ويقص الأب عليهم بعض الروايات التي تبين حب الرسول r للأطفال الصغار، وكيف كان يعاملهم ؟ خاصة ماورد عنه في حبه للحسن والحسين رضي الله عنهما، فيتعلق قلب الولد بسيرته، وما نقل عنه، فيحاول أن يعرف كل شئ عنه، ويسعى ليقتدي به في سلوكه وأخلاقه عليه الصلاة والسلام.

9ـ أدب الطفل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم


من ضروريات التخلُّق مع رسول الله r: الأدب بحضرته في حياته، ومع سنته وعند ذكر اسمه بعد وفاته، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} الحجرات:2]، وقال أيضاً: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} [النور:63]، أي: لا يُنادى عليه الصلاة والسلام باسمه، بل يُنادى بأدب النبوة فيقال: يا رسول الله، أو يا نبي الله، وهكذا.

ويعود الأب ولده على هذا الأدب القرآني العظيم، فإذا سمع حديث رسول الله r يقرأ من كتاب، أو في المذياع، أمر الأب الجميع بالصمت والإنصات لسماع الحديث، فيستشعر الولد منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام عند المسلمين.

ويعود الولد على الصلاة والسلام عليه كلَّما ذكر اسمه، ويكون الأب القدوة لولده في ذلك، فإذا سمع اسمه بادر بالصلاة والسلام عليه رافعاً بذلك صوته ليسمع الأولاد، ويتعلموا منه، وعليه أن يلاحظهم بعد ذلك فإذا أهمل أحدهم الصلاة والسلام على الرسول r نبهه، وبين له أن هذا فعل البخلاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ))، ويوضح له أمر الله U في هذا، فيذكِّره بقول الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً}.

ويحث أولاده على الإكثار من الصلاة والسلام عليه خاصة يوم الجمعة، والليلة التي قبلها، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً)). ولا بأس أن يكافئ المكثر من الصلاة والسلام عليه من الأولاد فيثني عليه، ويعطيه هديةً أو نقوداً.

وبهذا التعظيم والإجلال لشخص رسول r، والتأدب معه يوقع في نفس الولد شعوراً خاصاً نحوه، فيتعود الأدب مع سنته، ويظهر تعظيمه لها واتباعها إذا كبر واشتد عوده


10ـ إلزام الطفل طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم

من ثمار حب الرسول r والأدب معه: طاعته في أوامره، واتباع سنته اقتداءً به، فهو عليه الصلاة والسلام المثل والقدوة الواقعية للبشر في جميع المجالات والجوانب الحياتية المختلفة، وهو أكمل شخصية بشرية سارت على الأرض. قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21]، وأمر الله U بطاعته طاعة مطلقة، فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، وقال أيضاً: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران:32]، وقال عليه الصلاة والسلام محذراً من عصاه: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من عصاني فقد أبى))، فطاعته واجبة على كل الناس لا مناص للانفلات منها.

ولا تقتصر طاعته على ما ورد في القرآن الكريم من نصوص وأحكام وتوجيهات، بل لا بد من طاعته في أوامره التي لم ترد في القرآن الكريم، والتي اصطلح على تسميتها بالسنة، وهي وحي من الله أيضاً. وقد فسر كثير من العلماء الحكمة التي ورد ذكرها في القرآن بأنها السنة، وذلك في قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة:129]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((أوتيت الكتاب وما يعدله))، يعني مثله، فسنته المتضمنة لأفعاله، وأقواله، وتقريراته يطالب بها المسلم، ويؤمر باتباعها وعدم إهمالها، فإن مضمون شهادة "أن محمداً رسول الله" هو: "العلم والتصديق والاعتقاد الجازم بأن محمداً r رسول الله، وإعلان ذلك وإظهاره وبيانه بالقول والعمل، أما بالقول: فبالنطق بهذه الشهادة، وأما بالعمل: فيكون بإقامة سلوك الإنسان وجميع تصرفاته القولية والعملية وفق ما جاء به محمد r من ربه على وجه الاتباع له والقبول منه باعتباره رسول الله".

فلا يكون المهمل للسنة المعرض عنها مقراً إقراراً صحيحاً بأن محمداً رسول الله ؛ بل يكون إيمانه بهذه الشهادة ضعيفاً هزيلاً.

والأب المسلم يقيم حياته كلها على السنة المطهرة، فصلاته وصيامه وحجه وكل عبادته على منهج السنة النبوية، وتصرفاته في المأكل والمشرب والملبس أيضاً على السنة، وأخلاقه ومعاملاته مع أولاده والناس توافق أيضاً طريق الرسول r، فلا يكاد الولد يسأل عن عمل يقوم به الأب، أو طريقة انتهجها الأب، في عبادة، أو معاملة، أو دعاء، أو غير ذلك إلا ويكون جوابه: "هكذا كان يفعل رسول الله r يا بني"، فيشعر الولد ويتيقن بأنه أيضاً مطالب بهذه السنة، وأن حياته لا بد أن تقوم على اتباع الرسول في طريقته ومنهجه، فيثمر ذلك حماسة في نفسه للاقتداء، خاصة وهو يجد أمام عينيه القدوة الصالحة في سيرة والده وسلوكه، فلا يكون اتباعه للسنة صعباً شاقاً.

ويحذر الأب كل الحذر من مخالفة القول للعمل، ومن إهمال تطبيق السنة، خاصة إذا تعلم الأولاد سنة من سنن الرسول r نظرياً، فإن الأب مطالب باتباعها شرعاً وعقلاً، وإلا أحدث في نفس الأولاد خلخلة كبيرة، وتناقضاً عظيماً لا يستطيع الولد أن يفهمه أو يدركه.

ومثال ذلك عادة حلق اللحى التي تفشت بين الرجال المسلمين في هذا الزمن، حيث ميَّز الله الرجال عن النساء والصبيان باللحى، وجعل لهم بها مهابة لا توجد على من لا لحية له، فلو اعتاد الأب هذه العادة الذميمة، وخالف بها أمر رسول الله r الذي يقول: ((خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، واحفوا الشوارب))، فإنه من الصعوبة بمكان أن يذكر لهم ويعلمهم سنن الفطرة التي من بينها إطلاق اللحية، كما أنه بفعله هذا يكون لهم قدوة سيئة في حب الصالحين من العلماء، والدعاة، الذين تزينوا بإطلاق اللحى مقتدين بالرسول r، إلى جانب أنه يجرؤهم مستقبلاً على حلقها فيوقعهم في الإثم والمعصية، خاصة وقد أجمع أصحاب المذاهب الأربعة على حرمة حلقها، فقد نقل بعض علماء العصر الحديث إجماعهم على ذلك، بعد أن انتشرت هذه الظاهرة بين الرجال، فلا ينبغي للأب أن يلتفت لكثرة المخالفين، فالحق أحق أن يتبع.

ويقاس على هذا المثال جميع القضايا التي وردت في السنة المطهرة، خاصة التي يفهم منها الوجوب، فلا يهملها الأب، أو يقصر في اتباعها ؛ بل يأخذ بها متبعاً ومقتدياً بالرسول r، فيكون قدوة صالحة لأولاده.

ونظراً لضعف الوازع الديني، وضعف استشعار القدوة في رسول الله r أظهر بعض أبناء المسلمين الحب والولاء والاقتداء بغير شخص رسول الله r فأصبح بعضهم يقتدي بالرياضيين، أو الممثلين، أو غيرهم، دون أن يستحضر أحدهم الخطأ الفادح في اختيار القدوة، وظهر هذا واضحاً في دراسة أجريت في كلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض حول المثل الأعلى والقدوة عند الطلاب، فأسفرت النتائج أن أكثر قدوات الشباب من عينة الدراسة تركزت في المجال الرياضي بالدرجة الأولى، ثم في مجال الأسرة، ثم في المجال الديني. مما يدل على سوء التوجيه الأسري، وضعف المفاهيم المتعلقة بحسن اختيار القدوة، وضعف حب الرسول r في نفوس بعض الشباب، وعدم استحضار شخصه الكريم عند إجابة الاستبيان. وهذه النتائج تدل على ضعف مفهوم الدين لدى بعض الشباب حيث تأتي القدوة الدينية في المرتبة الأخيرة.

لهذا فإن الجهد الملقى على عاتق الأب المسلم، وجميع المربين خاصة في هذا الزمن جهد مضاعف، يحتاج معه إلى عون الله U، والصبر والثبات.

11ـ تقريب عقيدة القضاء والقدر للأطفال


من أعظم الخُلُق مع الله، والتأدب معه سبحانه وتعالى، الإيمان والتصديق بقضائه وقدره، والرضا بما كتبه على العبد في الأزل، دون اعتراض و تسخط. والناس في موضوع القضاء والقدر بين مكذب ومصدق، جاحد ومؤمن، يحاول البعض أن يدركوا بعقولهم القاصرة، وأفهامهم المحدودة كنهه وأبعاده، وهذا لا يمكن، فإن "القدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل"، وقد كان الرسول r ينهى عن الخوض فيه، فقد روى أنه خرج على أصحابه ذات مرة وهم يختصمون في القضاء والقدر، فغضب غضباً شديداً، وقال لهم: "بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم"، فالخوض في هذا الموضوع بأسلوب التنازع، والتعارض أمر مذموم منهي عنه.

أما البحث فيه بالمنهج العلمي الصحيح المبني على توجيهات القرآن والسنة، من باب البيان والتوضيح، وكشف الشبهات، وإظهار الحقائق، فهو غير مذموم، بل يندب إليه ويستحب.

وقد تضمن القرآن الكريم آيات كثيرة توضح وتبين هذا الركن العظيم، مشيرة إلى أن ما يحدث في الكون عموماً من حركات، وإرادات، وأعمال، وخلق، وموت، وغيرها كل ذلك يحدث بمشيئة الله U، وعلمه السابق، وتقديره لهذه الحوادث قبل وقوعها. قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2]، وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} [الأحزاب:38]، وقال عز من قائل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]، " أي إنا خلقنا كل شيء بتقدير سابق لخلقنا له، وذلك بكتابته في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض، فهو كما كتب كمية وصورة وزماناً ومكاناً لا يتخلف في شيء من ذلك "، وفي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: ((كتب الله مقاديرالخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة))، فكل صغيرة وكبيرة قد دونت، وسجلت، ومحال منع حدوث ما قدر، أو إحداث ما لم يقدر ويكتب، فقد فُرِغ من ذلك.

ولا يفهم من سابق التقدير والكتابة أن العباد مجبرون على أعمالهم وأفعالهم، وليس لهم خيار في ذلك، فلو صح هذا - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - لكان عذاب الله للعصاة ظلماً بغير حق، وبغير جرم اقترفوه، فهم قد سيروا إلى معاصيهم دون إرادة أو قصد، كما أن هذا التصور يستلزم الاعتقاد بأن إرسال الرسل، وإنزال الكتب من العبث، كما أن الوعظ، والتذكير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك من العبث والباطل الذي لا حاجة ولا نفع من ورائه، ولا يمكن أن يقول بهذا عاقل.

والصحيح الذي يجب اعتقاده، والإيمان به: "أن الإسلام يثبت قضاء الله وقدره، وسيطرة الله مع علمه السابق على كل شيء، خلقاً وتدبيراً وتنظيماً، مع إثباته حرية الإنسان، ومسؤوليته التامة عن أفعاله الاختيارية واستحقاقه للثواب"، وغير هذا الاعتقاد ضلال وزيغ فإما الجبرية، وإما القدرية.

يقول الله سبحانه وتعالى مثبتاً مشيئة الإنسان ومسؤوليته عن أعماله وأفعاله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الاسراء:13-14]، ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر من كتابه العزيز: {فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يّـس:54]، ويقول أيضاً: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10]، فالإنسان مخير بين الخير والشر، وبين ما يأتي وما يذر، ولكن اختياره هذا لا يتم فرضاً على الله، أو بعيداً عن إرادته سبحانه وتعالى ومشيئته النافذة في خلقه، بل يفعل الإنسان الخير أو الشر، بعلم الله السابق للحوادث، وتقديره وقضائه في الأزل، يقول الإمام البغوي رحمه الله موضحاً هذه المسألة من جانب آخر ليكمل بيانها: "الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خلق أعمال العباد، خيرها وشرها، كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم … فالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، كلها بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة، ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب".

فإذا فهم هذا الركن من أركان الإيمان على هذا النحو الصحيح، فإن مسؤولية الإنسان فيه زيادة الجهد، والعمل على التزام الطاعة، وحسن التوكل على الله، ودوام التضرع إليه والطلب منه، والرجاء منه أن يوفقه إلى مرضاته، وأن يجعله من السعداء، فيكون الإيمان بالقدر حافزاً لمزيد من الجهد والعبادة، والإستقامة، لا مثبطاً عن الخدمة في الطاعة والتزام الصراط المستقيم.

هذا الاعتقاد بهذا المفهوم والتصور هو الذي يجب أن يعتقده الأب المسلم في نفسه، ويبثه في روع أولاده الكبار في مرحلة الطفولة المتأخرة الذين تشغلهم هذه المفاهيم، فيبسطها لهم، ويقرِّبها إلى أفهامهم ومداركهم.

ويوضح الشيخ محمد الغزالي قضية القضاء والقدر، ويقربها إلى الأذهان بضرب مثل المرآة التي تصف ما يقف أمامها من الأشكال والمناظر دون أن يكون لها دخل في ذلك، فالحسن تظهره حسناً، والقبيح تظهره قبيحاً، ثم يقول: "كذلك صفحات العلم الإلهي ومرائيه لا تتصل بالأعمال اتصال تصريف وتحريك، ولكنه اتصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل".

ويتجنب الأب خوض هذه المفاهيم مع صغار الأولاد، أو مع الأولاد الذين لم تشغلهم هذه القضايا، ولم يسألوا عنها ؛ لأن هذه المسألة من المسائل الشائكة، التي حارت فيها عقول الجهابذة من بعض متقدمي العلماء، وحاروا في فهمها وإدراكها.

فإن شغلت هذه المسألة أحد الأولاد، واشتبهت عليه مفاهيمها وسأل عنها، وجب على الأب أن يوضحها حسب المفاهيم المتقدمة، وعلى قدر ما يستوعبه الولد ويدركه.

ولعل أكثر الأسئلة في هذا الجانب تكون حول مسألة " الجبر" طالما أن الرب سبحانه وتعالى قد كتب في الأزل أن شخصاً ما يخطئ ويضل - وهذا لا بد واقع - فإنه لا ذنب لهذا الشخص فقد كتب عليه الضلال والضياع، فلماذا يعاقب على ذنب قد أجبر عليه ؟.

ورد هذه الشبهة عن ذهن الولد تحصل بطريقة علمية، كأن يضع الأب بين يدي الولد كأساً زجاجياً، ويقول له: هل تستطيع أن تلقي بهذا الكأس على الأرض فتكسره؟، فيجيب الولد بنعم، فيقول الأب: وما الذي يمنعك من ذلك ؟، فيرد عليه بأن هذا خطأ لا ينبغي فعله، فيعلق الأب على هذا الموقف: "إن الله علم في الأزل البعيد أنك لن تكسر هذا الكأس، وعلم أيضاً أن الولد الشقي سوف يكسر الكأس، فكتب سبحانه وتعالى كل هذا عنده ؛ فهل منعك أحد يا بني عن إلقائك للكأس على الأرض؟، وهل أجبر أحد ذلك الولد الشقي على أن يكسر الكأس"، وقطعاً سوف يكون جواب الولد "بلا"، فيعقب الأب بقوله: "وكذلك يا ولدي الهداية والضلال، والخير والشر، كل إنسان يختار لنفسه أحد الطريقين، والله سبحانه وتعالى يعلم بالتفصيل كل شخص ماذا يختار، وأي طريق يسلك، فييسر لكل طريقه وما خلق له".

ثم يبين له أن الله خلق الناس ليبتليهم، ويختبرهم، فليس من الحكمة أن يهديهم جميعاً، كما أنه ليس من الحكمة أن يضلهم جميعاً، لأن ذلك يبطل الاختبار، وكذلك الأستاذ مع تلاميذه فلو أراد أن لا يرسب أحد، فعليه أن يلغي الاختبار بالكلية. ولكن لا بد من التمحيص والابتلاء ؛ ليعلم الصالح من غير الصالح، والمجتهد من الكسول، والمجاهد من القاعد.

ومسؤولية الأب هي تركيز هذا المفهوم الصحيح حول القضاء والقدر في نفس الولد ؛ ليشعر بالاطمئنان إلى قضاء الله وقدره، فترتاح نفسه ولا ينشغل باله بالمخاوف والوساوس حول المستقبل ؛ لعلمه بأن الله حكيم عليم، لا يصدر عنه شيء إلا على مقتضى الحكمة والعلم، فتبعد عن الولد المخاوف، والقلق والرعب، ويكون صبره على الحوادث والمصائب التي تصيب الأسرة أكبر وأقوى.

ولقد أشار بعض علماء النفس من الغربيين إلى أن الإيمان يزيد من صبر الإنسان على المصائب والنوازل، وأن معظم حالات المرض النفسي ترجع إلى فقدان الثقة بالله، "وأن الدين الحق يمنح الإنسان الشعور بالأمن، ويحول ضعفه إلى قوة، وخوفه إلى ثقة ويقين". فإذا كان هذا الكلام عن الدين يقوله أصحاب الدين الباطل، فكيف بأصحاب الدين الحق؟

ولا بد أن يدرك الولد أن الناس خلقوا في هذه الدنيا للابتلاء، فقد قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2]، فالغاية من وجود الناس هي ابتلاؤهم واختبارهم في هذه الحياة الدنيا ؛ لهذا "فإن حياة الإنسان ليست سوى سلسلة من التجارب الابتلائية لا يكاد يفرغ من واحدة حتى تتبعها أخرى، وهكذا حتى نهاية عمره". فإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن ما يحدث للولد وأسرته من المصائب والنكبات المتنوعة من فقر، أو مرض، أو موت، أو ما يحدث في الكون من الحوادث والكوارث الطبيعية، أو غيرها فإنما يحدث كل ذلك بقضاء من الله وقدر سابق وحكمة وتدبير.

فالأسرة التي تعيش في فقر، ويظهر على الولد فيها علامات اليأس، والملل والضيق، لقلة ذات اليد، فإن الأب يستغل مفهوم القضاء والقدر؛ ليدخل الرضا والطمأنينة على نفس الولد ؛ ليحفظه من الانحراف، فيذكره بقول الله تعالى، حاكياً عن لقمان وهو ينصح ولده: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17]، وقوله عليه الصلاة والسلام مبشراً الفقراء من أصحابه، فيقول لهم: ((ليبشر فقراء المهاجرين بما يسر وجوههم فإنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاماً))، فيطمئن الولد لقضاء الله فيهم بأن يكونوا من الفقراء، فلا يتطلع إلى غيره من أبناء الأغنياء، ولا تنقبض نفسه، بل يكون إيجابياً مقبلاً راضياً بما قسم الله.

ولا يعني هذا سلبية الأب، وتركه الأخذ بأسباب الغنى، بل عليه السعي ليحمي نفسه وأسرته من الفقر الذي يكاد أن يكون كفراً، ويحمي أولاده من أسباب الانحراف، فإن انخفاض مستوى المعيشة يهيئ الجو لانحراف الأولاد، ووقوعهم تحت طائلة العقاب.

ومن القضايا التي تؤثر على الولد أيضاً، ولها علاقة بالقضاء والقدر: مسألة الموت الذي تحار فيه العقول: ولا يصل إلى كنهه أحد. والولد في العادة يخاف من الموت، لما يراه على أهله من الوحشة والكآبة عند وفاة أحد الأقارب، أو الجيران.

ويمكن تطمين الولد في هذا الجانب بإشعاره أن الموت خير له، وأنه إذا مات كان في الجنة مع أبيه إبراهيم عليه السلام، فقد قال رسول الله r: ((إن ذراري المؤمنين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام)).

ونقرب له فكرة الموت بالنوم، فقد قرب لقمان لابنه مفهوم الموت بالنوم، فقال: "يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام كذلك تموت"، فيدرك الولد بذلك بعض القضايا المتعلقة بالموت، ولا ينبغي الكذب عليه في مسائل الموت، ولا إغفال أسئلته، بل يجاب عنها بما يمكنه أن يدركه بعقله الصغير.

ويُستغل مفهوم القضاء والقدر أيضاً في تخفيف حدة الشعور بالنقص عند الولد المصاب بعاهة جسدية تعيقه، كالشلل، أو الكسر، أو التشوه، أو غيرها،، فيُبين له أن ذلك بقضاء وقدر من الله ليجزيه على صبره أجراً، ويدخله الجنة، ويُبين له ما فيه من المميزات الأخرى كالذكاء، وسرعة الفهم، والقدرة على الحفظ، وغيرها، ويُحفظ من إخوته، وأقاربه، وجيرانه، الذين يمكن أن يسخروا منه، فيزيدوه هماًّ وغمـًّا، ويكلؤه الأب بالحنان، والرعاية، ومزيد من العطف والشفقة.

ومسألة أخرى متعلقة بالقضاء والقدر، وهي الكوارث والحوادث الطبيعية، والحروب وغيرها. حيث لا بد أن يدرك الولد أنها تحدث بقضاء وقدر من الله U، وتقدير سابق لوقوعها، وأنها بعيدة كل البعد عن مجال الصدفة والحظ، وإنما أنزلها الله وقدرها عقاباً وجزاء لعباده بسبب ما اقترفته أيديهم.

ولا بد أن يشار للولد دائماً إلى تقدير الله U خلف هذه الحوادث كالزلازل، والبراكين، والحرائق، والحروب، وغيرها، فهي تحدث إما عقاباً للعصاة المفرطين، أو ابتلاء للمؤمنين الصادقين لرفع درجاتهم وحط خطاياهم، فليس كل ما يحدث من الكوارث والنكبات ضاراً بالناس، بل ربما ضرَّ بعضهم ونفع آخرين، ولله في كل ذلك الحكمة البالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.

12ـ تربية الطفل على الحب في الله والبغض فيه

إن من أعظم مظاهر الإيمان بالله وبرسوله والانقياد لهذا الدين تحقيق معاني الولاء والبراء ومتطلباتهما من الحب في الله، والبغض في الله، وقد تضمن القرآن الكريم، والسنة المطهرة توجيهات مباركة حول هذا الأصل العظيم من أصول الدين الحنيف، ومن هذه التوجيهات قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:144]، وقول الله تعالى في حق أهل الكتاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]، هاتان الآيتان، وغيرهما كثير توجبان على المؤمنين معاداة الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وتوجبان أيضا بغضهم وكرههم، وتحذرمن موالاتهم والركون إليهم، فإن هذا الدين يدور حول هذا المعنى من الحب والبغض، وإلى ذلك أشار عليه الصلاة والسلام حيث قال: ((وهل الدين إلا الحب والبغض)).

والولاية ضد العداوة، وأصلها المحبة والقرب، أما العداوة فأصلها البغض والبعد، ولهذا فإن تحقيق التوحيد هو: "البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم"، ومن جهة أخرى حب المؤمنين وموالاتهم، فمن زعم الإيمان، ومحبة الله عز وجل، ومحبة رسوله r، طولب ببغض الكفار، وحب المسلمين، فإن من أحب لسبب لابد أن يبغض لضده، وفي هذا يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "إن كل من يحب في الله لابد أن يبغض في الله … ومن أحب بسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان متلازمان لاينفصل أحدهما عن الآخر".

وإذا علم هذا المبدأ العظيم، وعرفت معالمه وحدوده، فإنه لابد أن تتأصل في النشء الجديد معانيه ومتطلباته، وهذا دور الآباء الذين يدركون أهمية هذه القضية وأبعادها، وخطر التفريط في تحقيق متطلباتها وشروطها.

وقد تفطن أعداء الإسلام من المنصرين وغيرهم، إلى خطورة هذا المبدأ الإسلامي العظيم، فحاولوا جاهدين إشعار المسلمين أن النصارى ليسوا أعداء لهم، وأنهم يمكن أن يكونوا أصدقاء لهم. وبالغش والخداع يمكن أن يقتنع البسطاء من المسلمين الذين لم يدركوا أهداف أعداء الإسلام، ولم يدركوا مفاهيم دين الإسلام وبدهياته. ولاشك أن هذا يعود سببه إلى انحراف منهج التربية الذي تلقوه منذ الصغر ونشؤوا عليه.

ولهذا فإن تعريف الولد بمن يجب عليه حبهم، ومن يجب عليه بغضهم يكون من خلال آيات الله في كتابه الكريم، ومن خلال السنة المطهرة، والواقع الذي يعيشه الكفار يعتبرهوالطريق الوحيد والأمثل لتركيز هذه المعاني في نفس الولد.

ويتحقق هذا من خلال تعريف الولد بأحوالهم، وما هم عليه من الشرك، إذ أنهم يعبدون مع الله غيره، وينسبون إليه الولد والشريك، ويقولون على الله الكذب. وفي بيان هذا الموضوع يحاول الأب أن يعرض على ولده تلك الآيات وبعض الأحاديث في هذا الجانب، مع شرح وجيز لها ليقف الولد على حقيقة هذا الأمر ويدركه إدراكاً جيدًا.

ويضيف الأب في هذا الجانب تعريف الولد بمظاهر انحراف الكفار في السلوك، والأخلاق، والآداب العامة، فيبين له ماهم عليه من التفكك الأسري، وكيف أن الأب الكافر لايحب أولاده، بل يبغضهم ويطردهم، وكيف أن الأب المسلم على عكس ذلك يحب أولاده، ويرعاهم، ويقدمهم على نفسه، ويحافظ عليهم، ويشير أيضًا إلى انحرافاتهم في الجانب السلوكي وانتشار الفواحش بينهم، وشرب الخمور، وتسلط بعضهم على بعض، وكثرة السرقات بينهم، وغير ذلك من أعمالهم ومخازيهم حتى يقع في نفس الولد كرههم وبغضهم وعداوتهم.

ومن خلال القصص ينقل الأب إلى ولده صورة حية لطبيعة عداوتهم للمسلمين وانحرافهم، ومن هذه القصص ماورد في سيرة الرسول r مع اليهود، وكيف أنهم خانوه وآذوه وتآمروا على قتله، رغم العهود والمواثيق، ففي هذه القصص كفاية لإظهار قبح طبعهم وخسة نفوسهم.

ولا يغفل الأب عن تعريف الولد ببغض الله لهم وأنهم أعداؤه، وأن أولياءه هم المتقون، الذين يقومون على حدود الله، يفعلون ما أمروا به، وينتهون عن المحرمات. ويصف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله أولياء الله وأعداءه، فيقول: "أولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور، وتركوا المحظور، وصبروا على المقدور، فأحبهم وأحبوه، ورضي عنهم ورضوا عنه، وأعداؤه أولياء الشيطان، وإن كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم ويغضب عليهم ويلعنهم ويعاديهم"، وبهذا البيان من شيخ الإسلام يتضح الميزان الذي يقيس ويفرق بين أولياء الله وأعدائه، فمن قام على حدود الله وعمل بالأوامر وانتهى عن المنهيات والمحرمات كان من أولياء الله، ومن وقع في الشرك والمحرمات وخالف المأمورات فهو من أعداء الله الذين يلعنهم ويبغضهم.

وهذا الحب للطاعات وأهلها، والبغض للمحرمات وأهلها لابد من وجوده في قلب المسلم، فإنه بقدر ما يضعف الحب والبغض في القلب بقدر ما يضعف الإيمان ويضمحل، ويحدد هذا المفهوم ويشرحه ابن تيمية فيقول: "وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي يوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا لم يكن معه إيمان أصلا".

وإذا عرف الأب خطورة هذه القضية، وأهمية الحب والبغض، وأنها من الإيمان وجب عليه أن يجاهد في توعية ولده بهذه المسألة، وأن يركز في نفسه وقلبه حب الخير وأهله، وبغض الشر وأهله، مستغلا كل الوسائل المشروعة في هذا المجال.


13ـ تعريف الطفل بكيد الكفار


لابد للأب المسلم أن يحيط أولاده علماً بما يحيكه أعداء الإسلام ضد المسلمين، ويحاول أن يبسط لهم الأفكار حسب أعمارهم وسعة إدراكهم، مستعيناً في ذلك بما ورد عن الله عز وجل وعن رسوله r في فضحهم وتعريتهم، فمما ورد عن الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة:109]، وفي بيان شدة عداوتهم للمسلمين يقول الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة:82]، وفي بيان هدفهم من السعي في تهويد المسلمين، أو تنصيرهم، ليكونوا على ملتهم وطريقتهم، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120]. هذه الآيات وغيرها كثير تفضح في الجملة أهداف الكفار من أهل الكتاب، وغيرهم من المشركين، وتبين سعيهم الحثيث ورغبتهم الأكيدة في إضلال المسلمين ومن ثم الفتك بهم والتداعي عليهم. أما ما ورد عن رسول الله r في بيان أحوالهم، وكيدهم، ففي أحداث السيرة النبوية شواهد ووقائع كثيرة تبين وتعري أهدافهم وأساليبهم الخبيثة.

ويبين الأب لأولاده واقع أكثر المسلمين اليوم، وما هم عليه من الانحراف والبعد عن حقيقة الإسلام، وكيف أن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم كانوا وراء هذا الواقع الأليم، ويبين تسلطهم على رقاب المسلمين في كثيرمن البلدان، وفي مقدمتها فلسطين المحتلة، وأفغانستان والهند، وفي أرتيريا، وغيرها من بلاد المسلمين التى تسلط عليها الأعداء بالاستعمار أو الغزو الفكري، ويبين لهم ما يعانونه من الآلام، وما يتجرعونه من أصناف العذاب، وكيف أنه تحققت فيهم نبوءة رسول الله صلى الله علبه وسلم إذ قال فيما رواه عنه ثوبان رضى الله تعالى عنه: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يؤمئذ ؟ قالَ بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت". وهذاالذي وقع بالفعل في قلوب المسلمين فلم يعودوا يرغبون في الآخرة كما كان أسلافهم، وأصبح حب الدنيا يعمر صدورهم.فتسلط عليهم الأعداء من كل صوب، حتى إن أضعف الدول الكافرة أصبح لها نفوذ وسلطة في بعض ديار المسلمين.

وليس ثمة حل لهذه المعضلة التى تعيشها الأمة سوى تربية جيل صالح متشبع بالإيمان اعتقاداً وعملاً، لايهاب الموت في سبيل الله، ولا يكرهه، بل يرغب فيه ويطلبه، وهذا ما يوقع المخافة في صدور الأعداء ويزلزلهم ؛ وهذا لا يحصل إلا بالتربية الإسلامية، والمتابعة للأولاد، وتوعيتهم بأحوال المسلمين، وإشعال الحماسة في صدروهم، وإظهار الحزن والأسى على أحوال المسلمين، فإن الاهتمام بأمر المسلمين من الواجبات، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)).

ويمكن توعية الأولاد الكبار بهذه القضية من خلال المجلات الإسلامية المختلفة التى تهتم بشؤون المسلمين في العالم وتعرف بأحوالهم واحتياجاتهم، مثل مجلتي "الدعوة" و"الأمة" السعوديتين، ومجلة "المجتمع" الكويتية، ومجلة "أخبار العالم الإسلامي" التى تصدر عن رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وغيرها من المجلات الإسلامية المهتمة بواقع الأمة ومشكلاتها.

ويسعى الأب للاشتراك في بعض هذه المجلات لتصل بصفة منتظمة إلى صندوق بريده، أو إلى المنزل، فلا يحتاج إلى تذكر شرائها، ويضع هذه المجلات أمام أولاده ويشجعهم على قراءتها، ومن حين لآخر يسأل أولاده الكبار عن موضوعاتها ليعطوه ملخصا عما اطلعوا عليه من موضوعات، وليتأكد أنهم مروا على هذه المجلات أو بعضها.

أما الأولاد الصغار فيبلور لهم الأحداث التي تقع على بعض المسلمين في العالم الإسلامي بصورة سهلة يمكن للصغير إدراكها، كأن يقول: "هل تعرفون يا أولاد ماذا حدث لإخوانكم الصغار وآبائهم في أفغانستان وفي البوسنة يوغسلافيا؟ لقد جاءهم الكفار وهجموا على ديارهم وهدموا البيوت وأخرجوا الأطفال الصغار أمثالكم وضربوهم وقتلوا بعضهم"، فيسأله الأولاد: "لماذا فعلوا هذا"، فيجيبهم: "لأنهم كفار لا يحبون المسلمين ويريدونهم ألا يكونوا مسلمين"، ويلهب حماسهم بهذا الأسلوب ويدفعهم إلى التبرع والدعاء لهم ليكون ذلك أدل على تأثرهم بالأحداث والوقائع.

ولمزيد من التوعية للأولاد الكبار يضع الأب بين أيديهم بعض الكتب الإسلامية التي تتحدث عن الغزو الفكري، ومدى تغلغل الأعداء في أجهزة المسلمين وإدارتهم، ويساعدهم على فهمها وقراءتها، وذلك ليقف الولد على صورة حية متكاملة للواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الإسلامية، ومن ثم يعرف واجبه ومسؤولياته تجاه هذا الواقع، وكيفية التغيير إلى الأفضل، والأحسن، ومن هذه الكتب: كتاب "الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام" للدكتور عبد الستار فتح الله سعيد، وكتاب "الغارة على العالم الإسلامي" لشاتليه، وكتاب "أفيقوا أيها المسلون" للدكتور عبد الودود شلبي، وكتاب "حصوننا مهددة من داخلها" للأستاذ محمد محمد حسين، وكتاب "وسائل مقاومة الغزو الفكري للعالم الإسلامي" حسان محمد حسان، وغيرها من الكتب المؤلفة في هذا المجال.

ولا يكتفي الأب ويقتصر في توعية أولاده على جانب الكتب والمجلات والمعلومات التي يخبرهم بها، بل يسارع في اصطحاب أولاده الكبار خاصة إلى المحاضرات والندوات العامة التي تقيمها بعض الإدارات والهيئات الإسلامية في المساجد، أو الأندية الثقافية، أو قاعات المحاضرات الكبرى في المدينة، حيث يلتقي الولد وعن كثب يشاهد ويسمع بأذنه من علمائه المسلمين العاملين، ويعيش في جو من الألفة مع المحاضرين، ويتزود بزاد العلم، ويقف على أخبار وأحوال المسلمين في العالم، وحضور الأولاد في مثل هذه المنتديات الفكرية يلهب في نفوسهم الحماس، ويشعرهم أنهم ليسوا الوحيدين المهتمين بأمور المسلمين في العالم، بل هناك غيرهم كثير يمكن أن يتكاتفوا معهم ويكونوا يدا واحدة على أعداء الإسلام، فتثلج بذلك صدورهم، وتنبعث في نفوسهم الآمال، ويعلمون أن في الأمة خيرا يمكن أن ينمو ويغير الواقع المر إلى ماهو خير وأفضل.

كما يمكن للأب أن يكون لديه في البيت مكتبة صوتية صغيرة بجانب المكتبة الخاصة بالكتب والمجلات الإسلامية، فيضع أمام الأولاد تشكيلة من الأشرطة المسجلة التي تفضح خطط الأعداء، وتعري أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، وبذلك تكمل توعية الأولاد بكيد الكفار وأساليبهم الخبيثة.


14ـ تنفير الطفل من التشبه بالكفار


من المعروف والمسلم به أن الأمم المغلوبة على أمرها، والمهزومة في بلادها والمنكسرة في نفسها، تتشبه بالأمم المسيطرة وتقتدي بها، ويقرر هذه القضية ابن خلدون رحمه الله إذ يقول: "ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه وفي اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله".

وسبب ذلك يعود إلى عدم وجود ذلك الاستعلاء الإيماني الذي يعد أفضل عزاء للمسلم رغم انهزامه وسيطرة الكفار على بلاده، حيث يحجزه هذا الإيمان ويعصمه من مسايرة الكفار، أو التشبه بهم، أو اتخاذهم قدوة ونبراساً.

وقد تواتر عن رسول الله r وجوب مخالفة المشركين من اليهود، والنصارى، والمجوس، وكل من هو على غير دين الإسلام في جميع الشؤون، تمييزا للفئة المسلمة، وحفاظا عليها من التميع، وإظهارا لشعار الإسلام.

ورغم ورود النصوص الواضحة في وجوب مخالفة المشركين وجد من بين المسلمين - إن لم يكن الأكثر - من يتشبه بالنصارى في أعيادهم ويحتفل هو وأولاده وأهل بيته بهذه الأعياد، كعيد رأس السنة الميلادية، أو عيد النيروز الفارسي، أو الاحتفال بأعياد الميلاد، وإشعال الشموع، وشراء الكعك، وجمع الأقارب والأهل في هذه المناسبات غير الشرعية. وقد كان من شروط الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة أن لا يظهروا شعائرهم وأعيادهم في بلاد المسلمين بل يخفوها، فكيف بمن فعلها من المسلمين، واحتفل بها، وأقامها ؟ فإن هذا بلا شك أعظم جرما وأكبر حرمة، بل ولا يجوز حتى إجابة الدعوة إليها وحضورها فضلا عن إقامتها والانشراح بذلك وإظهارالسروروالسعادة.

والأب المسلم يواجه في هذا الجانب، خاصة في أعياد الميلاد التي يحتفل بها بعض الأسر المسلمة، والتي يبتهج بها الأطفال لسذاجتهم وضعف إدراكهم، يواجه الأب في ذلك ضغطا اجتماعيا كبيرا، إذ يطالبه أولاده بأن يقيم لهم عيد ميلاد عند بلوغ أحدهم سن الخامسة، أو السابعة أو نحو ذلك، فيعيش الأب نوعا من الصراع بين الاستجابة للأولاد وإدخال السرور عليهم، وبين شعوره بتأنيب الضمير وعلمه بأن هذا مخالف لمفاهيم الدين الإسلامي، وتشبه بالكفار.

والذي ينبغي للأب عمله هو أن يلتزم دينه وعقيدته ولا يبالي بالمخالفين وكثرة الهالكين، ويسعى جاهدا في إقناع أولاده بأن هذا مخالف للدين، وأن الله لا يحب ذلك. ويبدأ في استئصال هذه القضية من جذورها عن طريق إغفال وقت ولادة الطفل، وعدم الاهتمام بهذا الموعد وإعطائه هالة من الجلال والاهتمام، وإذا أحس الأب من ولده اهتماماً بموعد ميلاده، أشغله في ذلك الموعد بقضايا جانبية سارة حتى يمر ذلك اليوم والولد غافل عنه ناس له.

ومن أعظم الوسائل في كف الولد عن الاهتمام بهذا العيد المزعوم: عدم السماح له بحضور أعياد الميلاد التي تقيمها الأسر عالمة أو جاهلة بحكمها، وبهذا لايرى الطفل هذه الأعياد، وابتهاج الأطفال فيها، وحصولهم على الهدايا والألعاب المرغبة في إقامتها.

ولا يعني هذا أن يعيش الأب مع أولاده حالة من الرتابة دون تغيير أو تجديد، بل يسعى جاهدا في إدخال السرور على أولاده، وتعويضهم هذا الأنس في الأعياد المشروعة كعيد الأضحى، وعيد الفطر، وفي المناسبات الشرعية مثل عقود النكاح والزواجات وحفلات العقائق وغيرها، ولا يكتفي بذلك بل يقيم لهم حفلات في غير هذه المناسبات أيضا دون تقييدها بزمن معين، ودون أن يكون لها أصل يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، كأن يقيم حفلا بمناسبة حفظ الولد للقرآن الكريم، أو لبعض أجزائه، أو لإتمامه حفظ "الأربعين النووية"، أو يقيم له حفلاً بمناسبة ابتداء قيامه بالتزام الصلاة في المسجد، أو يقيم الحفل لغير مناسبة مطلقا، كأن يطلب منه دعوة بعض زملائه وأقربائه من الأطفال لتناول طعام الغداء، أو العشاء، أو نحو ذلك، فيكون الأب بهذه الوسائل المتنوعة قد كفى ولده الاحتفالات المخالفة للشرع بالاحتفالات المباحة، أو المستحبة، ويحاول في هذه الاحتفالات أن يدخل عليهم المحبة والسرور، فيوسع عليهم في المأكل والمشرب، ويجلب لهم ما يشتهونه من أنواع الأطعمة والحلوى، مع مراعاة الاعتدال في الإنفاق، وتجنب التبذير والإسراف.

ولا يقتصر التشبه بالكفار على قضية الأعياد والاحتفالات بل يدخل في قضية الملبس والهيئة أيضا، إذ إن ماهو خاص بهم من الملابس لايجوز ارتداؤه. كلبس القسس، أو الرهبان، كما لا يجوز لبس ماهو علامة لهم ودليل عليهم أو على بعض مشاهيرهم، كلبس القميص، أو ما يسمى "البنطلون" بطريقة معينة وتفصيل معين، بحيث يعرف الرائي أن هذا اللبس للمغني الفلاني أو الراقص الفلاني، فهذا النوع لا يجوز لما فيه من التشبه والتقليد.

أما لبس "البنطلون" والقميص بالصورة المعتادة، مع مراعاة الشروط العامة لستر العورة فلا بأس به إن شاء الله، خاصة وأنه لم يعد من خصوصيات الكفار، ولا هو علامة لهم لشيوع لبسه بين المسلمين، فليس في لبسه تشبه بهم إذا روعيت الشروط العامة للباس.

كما أنه لا يجوز أيضا تقليدهم في طريقة تصفيف الشعر وقصه، فقد ابتلي بعض شباب المسلمين وافتتنوا ببعض الساقطين من المغنين الغربيين وقلدوهم في قص الشعور واللبس، وهذا لا شك في حرمته وعدم جوازه.

وهذا الميل إلى التقليد الأعمى لهؤلاء المنحرفين من شباب أوروبا وأمريكا، وغيرهم ما كان ليحدث ويصدر من شباب المسلمين الذين افترض فيهم أن يؤثروا في غيرهم لا أن يتأثروا بغيرهم، ولكن لما نضبت منابع التربية الإسلامية الصحيحة، ولم يعد هناك توجيه إسلامي واضح المعالم، إلى جانب فقدان القدوة الصالحة في أكثر الآباء، والمعلمين، أصبح الشباب الإسلامي بلا هوية، ولا كيان، تتقاذفهم الأهواء، والتصورات المنحرفة، ولم تعد لديهم تلك المناعة ضد هذا الداء الفتاك، وهذا ما ينبغي أن يتنبه إليه الأب المسلم، فيجعل لدى أولاده المناعة ضد ما يلقى إليهم من أفكار، وتصورات، وعادات، وتقاليد، وذلك لا يحصل إلا بربط الولد بالقدوة الصالحة في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وصحبه الكرام من السلف الصالح، وأن يكون الأب هو أيضا قدوة له في ذلك، إلى جانب إيجاد الصحب والرفاق من الصالحين، فينخرط معهم ويعايشهم مستعلين جميعا بإيمانهم، لا يأبهون بالمخالفين لهم، مع حمايتهم من منابع هذه التصورات والأعمال القبيحة، ومن مصادرها الخبيثة، وهذا يحتاج إلى جهد وتربية واستعانة بالله عز وجل الذي يقول في كتابه العزيز: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].

ويدخل في موضوع التشبه بالكفار قضية استعمال اللغة الأجنبية غير العربية والتندر بها، والافتخار بالقدرة على التحدث بها، واستعمالها في غير حاجة، فهذا لا ينبغي لأن اللغة تعد أعظم شعائر الأمم التي يتميزون بها عن غيرهم، واللغة العربية هي شعار المسلمين الذي لا ينبغي العدول عنه والنطق بغيرها.

أما تعلم لغة الأعاجم - أيا كانوا - للحاجة خاصة في هذا العصر، وشدة حاجة الناس للغة الإنجليزية خاصة فلا بأس به للاستفادة من العلوم المختلفة، إلى جانب كشف خطط الأعداء ومعرفة مكائدهم من خلال ما يكتبونه ويبثونه بلغاتهم المختلفة، فهذا التعلم جائز للحاجة. فلا بأس على الأب من السماح لابنه أن يتعلم لغة أجنبية ويتقنها لوجود هذه الملابسات الشرعية في هذا العصر، بشرط أن يكون قد أتقن لغته العربية، وتمكن منها وأجادها، وغالباً ما يكون هذا بعد المرحلة الابتدائية.


يتبع ...

Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70936 مشاركة

كتب فى :  - 07/11/2012 :  00:34:29  Show Profile

التربية التعبدية للطفل


1ـ تعليم الطفل الوضوء

استعداداً لأداء الصلاة صحيحة على الوجه المطلوب يدرب الأب ولده في السابعة من عمره، أو قبل ذلك بقليل، على إتقان الوضوء، والطهارة، فيعلمه كيف يتطهر وينظف أعضاءه الظاهرة والباطنة، فيأمره بتطهير أعضائه الباطنة ويستنجي بالماء، ويسمي له تلك الأعضاء بأسمائها المعروفة في الشرع دون تكنية، ثم يُدربه على الوضوء عن طريق المشاهدة، فيتوضأ أمامه عدة مرات ببطء حتى يدرك الولد الترتيب، ويستعمل الأب الماء الفاتر بين البارد والساخن ؛ لئلا ينفر الولد من حرارته أو برودته، ولو بدأ تعليمه الوضوء في الصيف كان ذلك أرغب للولد لميله إلى التبرد لسخونة الطقس، ويمكن تزويد الولد ببعض الكتيبات المدعمة بالصور، والمخصصة لتعليم الأولاد الصغار طريقة الوضوء.

ويعطي الأب ولده الفرصة للتطبيق العملي أمامه، فإن أخطأ علمه ووجهه، دون تعنيف أو قسوة، فإذا أصاب وأحسن الوضوء مدحه واحتضنه وقبله مشعراً له برضاه عنه.

ولا يكتفي الأب بمجرد تعليم الولد طريقة الوضوء وسننه فحسب، بل يوجهه إلى الجانب المعنوي الهام في أداء الوضوء ذلك أن الله أمر به، والرسول r هو الذي علمنا الطريقة، فالمسلم يقتدي به في الطريقة والترتيب، ويبين للولد فضل الوضوء ليرسخ في نفسه حبه والميل إليه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفوراً له ), فيتعلم الولد الجانب المعنوي في الوضوء، ويعرف أنه طهارة للبدن والنفس معاً.


2ـ تعليم الطفل أداء الصلاة


أول ما يبدأ به الأب في تعليم ولده الصلاة: عن طريق المشاهدة دون التوجيه المباشر، وهذا يكون في مرحلة متقدمة جداً من عمر الولد قبل أن يميز، وذلك من خلال أداء الأب صلاة النافلة، والسنن الرواتب في المنزل على مشهد من الأولاد، ومن المعروف أن صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا), وقال أيضاً:(صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة), فهذه الأحاديث واضحة في الحث على أداء النوافل في البيت، ولا شك أن البركة تحصل في البيت بسبب هذه الصلاة، إلى جانب مضاعفة الأجر والمثوبة عند الله، ويحصل بها تربية قوية وراسخة للأولاد الصغار ؛ إذ يشاهدون والدهم يمرغ وجهه في الأرض ساجداً لله U، قائماً خاشعاً، لا يلتفت إلى من حوله، قد انهمك في العبادة، هذا المنظرالذي يتكرر أمام الأولاد الصغار يومياً يغرس في نفوسهم عظمة الله U، ومكانته I، إلى جانب أنه يحببهم في الصلاة لإقبال الأب عليها، كما أنهم يتعودون رؤية المصلي، ويتعرفون على أعمال الصلاة من تكبير وركوع وسجود وقيام.

وكثيراً ما يندفع الولد الصغير برغبة يقلد أباه، فيقف بجواره يقتدي به في قيامه وركوعه وسجوده، دون وعي منه أو إدراك، ولا شك أن تكرار هذا المشهد يومياً أمام الولد يجعل أمر الصلاة في حسه أمراً عادياً ليس بغريب، فلا يبلغ سن التمييز إلا وقد سهل عليه أداؤها على وجه حسن برغبة وتطلع، وهذا الأسلوب يسمى "أسلوب التربية بالعادة"، وهو من الأساليب التربوية المعروفة، والتي يمكن أن يمارسها الأب لتعويد ولده أمراً من الأمور، وتعليم الصلاة بهذا النوع من التربية يعد من أفضل تطبيقاته التربوية العملية.

وإذا أكمل الولد السابعة من عمره أمر بالصلاة ورغب فيها لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طـه:132]، وقوله عليه الصلاة والسلام :(علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر), ويكون أمره بها إذا أتم السابعة فأكملها وليس قبل ذلك، بل يكتفي قبل السابعة بالممارسة العملية أمامه دون أمر ؛ اتباعاً للسنة والهدي النبوي في ذلك، ومراعاة لطبيعة الطفل الصغير وكرهه للتقيد، والالتزام، ورغبته في الانفلات والانطلاق، بخلاف ابن السابعة فإنه أملك لنفسه، وأقدر على الالتزام والتقيد إلى حد لا بأس به، وكلما كبر الولد كان انضباطه أفضل وأحسن.

وتعليم الأب ولده الصلاة في سن السابعة من واجبات الأب الشرعية، وليست من باب المستحبات، فقد نقل ابن قدامة رحمه الله عن أحد الفقهاء قوله: (يجب على ولي الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة إذا بلغ سبع سنين ويأمره بها), ويفهم من هذا أن الأحاديث والروايات الواردة في تعليم الأولاد الصلاة في السابعة وضربهم عليها في العاشرة تفيد الوجوب لا الاستحباب، فلا بد للأب أن يدرك هذه القضية ويعرف واجباته الشرعية في هذا الجانب.

ويعود الأب ولده المميز الوضوء والطهارة، ويلزمه بهما فلا يتركه يصلي إلا طاهراً، ساتراً عورته، حتى يتعود على ذلك ويألفه ؛ لأنه صائر إليه، ولا يلتفت الأب إلى بعض الأقوال الفقهية التي تجيز صلاة الصبي بعد التمييز ساتراً القبل والدبر فقط دون سائر البدن، وذلك ليتعود الولد على الطهارة وستر العورة من الصغر، فلا يبلغ العاشرة إلا وقد ألف الصلاة ساتراً كامل عورته، وملتزماً بالطهارة والوضوء، وقد نص صاحب المغني رحمه الله على أن صلاة الصبي يشترط لها ما يشترط لصلاة البالغ، فإذا كان الأمر كذلك أصبح تعويده في السابعة على ستر عورته، وتمام الطهارة واجباً على الأب.

أما الولد الصغير دون سن التمييز، والذي لا يعقل من أمر الصلاة سوى تقليد الأب في القيام والركوع والسجود، فإن الأب لا يشتد معه في أمر الطهارة، وستر العورة ؛ بل يتركه على حاله، ولا يزجره، ولا يكفه عن التقليد ؛ لأن زجره، وتعنيفه والشدة معه في هذا السن وهو غير مكلف ينفره من الصلاة، ويكرهه فيها.

وتعتبر (الصلاة أهم حدث ديني واجتماعي وأخلاقي وتربوي ؛ بل وتاريخي في حياة الطفل … فيجب أن لا ندعها تمر في حياة الطفل مروراً عابرا), لهذا يقترح تعميق هذا الحدث الهام في نفس الولد من خلال إعلامه بقرب موعد تكليفه الصلاة، فإذا أتم السابعة وصلى أول فرض: جمع له أبوه بعض أصدقائه، وإخوته، وعمل حفلاً صغيراً ابتهاجاً بهذه المناسبة الطيبة، ويقدم له ساعة يد هدية بهذه المناسبة الهامة، فهي أفضل هدية تقدم للطفل في هذا السن ؛ لتكون حافزاً له على أداء الصلاة في أوقاتها.

وإذا بدأ الولد بعد السابعة الصلاة بانتظام، وجب على الأب متابعته وتذكيره بها من وقت لآخر، فلا يغفل عنه ؛ بل يكرر عليه الأمر مراراً وتكراراً ولا يمل من ذلك، فإن كان الأب في سفر، أو شغله شاغل عن الولد، وكَّل من يقوم مقامه من أهل البيت ليقوم بالتذكير والمتابعة ؛ وذلك لئلا يتجرأ الولد على تركها بعد أن بدأ في أدائها، فيسوقه ذلك إلى التهاون بها بعد العاشرة، فقد أوجب بعض العلماء على ابن العاشرة أن يعيد الفروض التي تركها.

وينصح ابن مسعود رضي الله عنه الأباء، ويذكرهم بواجبهم نحو الأبناء في موضوع الصلاة، فيقول :(حافظوا على أبنائكم في الصلاة وعودوهم الخير فإن الخير عادة), ولا بأس - في بعض الأحيان - أن يعطي الأب ولده مكافأة تشجيعية على التزامه أداء الصلاة ؛ ترغيباً له في الاستمرار عليها، فقد كان بعض السلف رضوان الله عليهم يفعل ذلك، ولكن يلاحظ عدم تعويده على المكافأة دائماً ؛ لئلا يعتاد عليها، فلا يصلي إلا إذا أعطي شيئاً، ولكن يعطيه في أوقات، ويمنعه في أوقات، وينوع المكافآت فمرة مادية كلعبة، أو حلوى، أو نقود، ومرة معنوية، وهكذا.

ويحاول الأب أن يقرن الأمور المحببة بالصلاة، فإذا أراد أن يصطحب الأولاد في نزهة وقّت ذلك مثلاً بأداء صلاة العصر، أو صلاة المغرب، أو نحو ذلك، فيتحفز الأولاد لأداء تلك الصلاة في وقتها، ولا ينسونها ؛ لاقترانها بمحبب، فيجتهد الأب في ترتيب جميع مواعيده مع الأولاد بأوقات الصلوات، فيتعلم الأولاد تنظيم الوقت، وتوزيعه بناء على أوقات الصلاة إلى جانب أن هذه المواعيد تذكرهم بأدائها في وقتها.

ومن وقت لآخر يخاطب الأب أولاده بالآيات والأحاديث التي تحث على أداء الصلاة، وترغب فيها، حتى يتكون التصور الفكري لدى الولد عن منزلة الصلاة، وأهميتها في الإسلام، ويفضل أن يراجع الأب إلى جانب القرآن الكريم كتب الحديث مثل(صحيح البخاري), و(صحيح مسلم) وكتب السنن، وغيرها، فيتزود بالجانب النظري في فضل الصلاة والحث عليها، وينتقي من الآيات والأحاديث السهل منها، والمناسب لمدارك الأولاد، فيقرأها عليهم ويعلق عليها بما يفتح الله عليه من البيان.

ويعود الولد، خاصة إذا بلغ العاشرة على أداء السنن الرواتب مع الصلوات المفروضة، كسنة الفجر والظهر والمغرب والعشاء، ويعوده صلاة الوتر وشيئاً من قيام الليل، فيأخذه الأب إلى جانبه يصلي في الليل، اقتداء بالرسول r مع ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فقد كان يقوم بجانب الرسول r بعض الليل إذا نام عند خالته ميمونة رضي الله تعالى عنها، وربما أخذ رسول الله r بأذنه إذا نعس لينشطه للصلاة.

ويبدأ الأب بتعويد ولده الصلاة في الليل بأن يبدأ معهم بأداء شيء منها في البيت بعد صلاة العشاء مباشرة، ثم يتدرج بهم شيئاً فشيئاً حتى يمكنهم من أداء الوتر في جوف الليل، فيعلن بينهم أنه سوف يقوم ليصلي في الليل وقت كذا وكذا، ويترك الأولاد ليتنافسوا في الاستيقاظ في ذلك الوقت، دون أن يوقظهم ؛ ليتعودوا الاعتماد على النفس، وتقوية الإرادة، فإن الولد إذا اجتهد في أداء النافلة وحرص عليها، فإنه على أداء الفرض ألزم.

ويلاحظ الأب إذا قام بأولاده في الصلاة أن لا يطيل؛ بل يخفف ترغيباً لهم على الاستمرار وصرفاً للملل عنهم، فإن نعس أحدهم أمره بالنوم رفقاً به.

وإذا قصر الولد في أداء الصلاة المفروضة بعد بلوغه العاشرة، وجب على الأب وعظه وتذكيره بها، وإقناعه بأمر الله U، ورسوله r، وإقامة الحجة عليه، فإن استمر في إهماله لها أغلظ له في القول، وعنفه وهجره فلا يكلمه ولا يخالطه، ولا يمازحه، ويحرمه من بعض الأشياء المحببة إليه، وهذا النوع من العقوبات النفسية له فعالية قوية وأكيدة في نفس الولد، فكثير من الأولاد تكفيهم عن العقوبات البدنية، والأب لا يستعمل العقاب البدني إلا بعد إخفاقه فيما دونه من العقوبات، فلا بأس بالضرب غير المبرح في بعض الأوقات ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الصبي إذا بلغ العاشرة ولم يصل:(واضربوه عليها ابن عشر), ولا يصح استعمال العقاب البدني مع ولد لم يعوده أبوه الصلاة منذ السابعة، فإن الطفل لا يتعود الالتزام بمجرد الأمر ؛ بل يحتاج من التربية، والتدريب، والتعويد، ما يؤهله لالتزام الأمر، والتعود عليه، فإن قصر الأب في تعليم ولده الصلاة منذ السابعة وجب عليه أن يسلك معه أسلوب التدرج والتمرين والتعويد من جديد، ولا يهمل هذه المراحل، حتى وإن تعدى الولد سن العاشرة ؛ إذ لا بد من مرحلة التدريب والتمرين، فمن الخطأ أن يُظنَّ بإمكانية قيام الولد بأداء الصلاة عن طواعية في سن العاشرة، بل وحتى بعد البلوغ دون أن يكون قد حصل على قسط من التربية والتدريب والتعويد عليها من قبل ذلك، فلا بد للأب أن يلاحظ هذه المسألة، ويراعي أولاده منذ الصغر فيحافظ عليهم في الصلاة ولا يهملهم، أو يقصر في حقوقهم عليه، فإن الله سائله عنهم.



3ـ تعويد الطفل على صلاة الجماعة في المسجد

إذا اجتهد الأب في تعليم ولده الوضوء، وأداء الصلاة، فإنه يرغبه في الصلاة مع الجماعة، فإن المساجد تعد من أهم المؤسسات التربوية في المجتمع، ففيها تقام أعظم شعائر الإسلام، وقد أثنى الله I على عمـَّارها بقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ} [التوبة:18]، وهذه شهادة صريحة لعمَّار المساجد بالإيمان، وقد قال بعض السلف:( إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فأحسنوا به الظن),

وقد ورد عن رسول الله r الترغيب في صلاة الجماعة في المساجد، فقال:(صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة ), وقد ورد عنه أيضاً الهمُّ بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة بغير عذر لولا خوفه على النساء والأطفال.

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الرجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يحضر الجمعة ولا الجماعة، فقال:(هو في النار), ونقل عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم أنه لا صلاة لمن سمع النداء ولم يجب من غير عذر.

وبناء على ما تقدم يظهر للأب وجوب أداء الصلوات المكتوبة في المساجد مع جماعة المسلمين، ولا يجوز التهاون في ذلك، أو التقصير، خاصة وأن الولد لن يتعلق بالمسجد من تلقاء نفسه دون أن يكون للأب دور في ترغيبه وتعويده عليه.

ومن خلال مشاركة الولد في صلاة الجماعة يتعود تجمعات المسلمين، ويتعرف على علمائهم الأجلاء، ويتعلم أدب الإصغاء إلى مواعظهم وخطبهم، فيتزود بالغذاء الروحي، إلى جانب تعوده أداء الصلاة نفسها.

والطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة يميل بطبعه إلى مشاركة الكبار في أداء الشعائر التعبدية، ويحب مرافقتهم إلى دور العبادة، فيستغل الأب هذا الميل، وينميه بالوسائل التربوية المتنوعة.

ولا ينبغي أن يهمل الأب في اصطحاب أولاده إلى المسجد، خاصة أبناء السابعة متذرعاً بما روى عن رسول الله r أنه قال:(جنبوا مساجدكم صبيانكم), فهذا الحديث ضعيف لا يؤخذ به، كما أنه يعارض الأحاديث الصحيحة والكثيرة الواردة في جواز ذلك، فقد كان عليه الصلاة والسلام يأتي المسجد حاملاً الحسن أو الحسين، وربما أطال صلاته بسبب صعود أحدهما على ظهره الشريف، وقد وصف أبو مالك الأشعري رضى الله عنه صفوف مسجد رسول الله r، فقال:(ويجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان), أي: إنه كان للصبيان مكانهم المخصص لهم في المسجد، مما يدل على جواز حضورهم صلاة الجماعة.

ولو افترض صحة الحديث فإنه يحمل على الصغار الذين لا يدركون حرمة المسجد، ولا ينضبطون فيه، وهولاء يجب أن يمنعوا من المساجد، يقول ابن تيمية رحمة الله :(يصان المسجد عما يؤذيه، ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم لحصره، ونحو ذلك، لا سيما إن كان وقت الصلاة، فإن ذلك من عظيم المنكرات),

ومن أهم الوسائل التى يتخذها الأب لتعويد ولده المسجد اختيار المسكن، فهي أول خطوة في هذا المجال، فيختار الأب مسكنه بجوار مسجد من المساجد ؛ ليكون ذلك أدعى لأداء الصلاة في جماعة، فإن كان مسكنه بعيداً عن المسجد انتقل إلى جواره، فإن لم يتمكن اجتهد في إقامة مسجد في الحي عن طريق وزارة الأوقاف في البلد، أو جمع التبرعات من أهل الحي، فإن عجز عن كل هذا ألزم نفسه وأولاده الذهاب بالسيارة إلى أقرب مسجد لأداء الصلاة في الجماعة.

وإذا بلغ ولده السابعة وقرر الأب اصطحابه إلى المسجد، فإنه يحاول أن يهيء الولد لذلك قبل الموعد بفترة، فيخبره أنه سوف يأخذه إلى المسجد، ويقرب إلى ذهنه طبيعة المسجد، ليكون الولد على دراية بما سوف يشاهده فلا يفاجأ بشيء.

ويكثر الأب من ذكر المسجد عند الولد، ويحاول أن يقرن كل جميل بالمسجد، فإذا أتى الولد بلعبة أو حلوى قال:(اشتريتها لك من قرب المسجد), وإذا مر بسيارته من جوار المسجد قال:(انظر إلى هذا البناء الجميل يا بني، إنه المسجد، وسوف آخذك قربياً لتصلي معي فيه), وهكذا يرغبه من وقت لآخر في المسجد ويهيئه للالتزم بالصلاة فيه.

وفي اليوم الذي يتم الولد سن السابعة، ويكون الأب قد قرر أخذه في ذلك اليوم إلى المسجد يفضل أن يهيئ جو المسجد لاستقبال الولد، فيتفق مع الإمام والمؤذن وبعض المصلين من الجيران وأولادهم بأن يحتفلوا بالولد، ويرحبوا به، ويلاطفوه، ليحس الولد بالأنس فيطمئن لأهل المسجد وروَّاده، كما أن حفَّ هذه المناسبة بكل هذا الآهتمام يوقع في نفس الولد أهمية هذه الشعيرة الدينية وعظمتها، إلى جانب تخليد هذه الذكرى الحسنة في نفسه وذاكرته فلا ينساها طول حياته، فتكون له دافعا للمحافظة على الصلاة في المساجد.

ويحرص الأب، خاصة في بدء ذهاب الولد إلى المسجد أن يرعاه من كل ما من شأنه تنفيره من المسجد، فإذا كان الإمام ممن يطيل في الصلاة إطالة تخالف السنة، نبهه على ذلك وأرشده إلى التوسط، والأخذ بالسنة، وذكره بقوله عليه الصلاة والسلام:(يا أيها الناس إن منكم منفرين، فمن أمَّ الناس فليوجز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة), وفي رواية:(تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والبعيد وذا الحاجة), فذكر عليه الصلاة والسلام حتى الصغير مراعاة لحاله، وطبيعته التي تميل إلى الانفلات وعدم التقيد، إلى جانب عدم تنفيره من المساجد، وجماعة المسلمين.

ويفضل أن يكون صوت الإمام في القراءة حسناً مراعياً أحكام التجويد، فإن الصوت الحسن محبب إلى النفس، وأدعى إلى الخشوع وتذوق القرآن، فإن كان إمام الحي حسن الصوت، صحيح القراءة التزم الأب وأولاده بالصلاة خلفه، وإن لم يكن كذلك، اجتهد الأب في أخذ أولاده في بعض الأوقات إلى مساجد أخرى، يسمعون فيها القرآن ممن هم أندى صوتاً، وأخشع تلاوة.

وإذا ألف الولد المسجد، وأخذ يرتاده دون عناء يمكن للأب أن يزيد من ارتباط الولد بالمسجد من خلال تعليمه إتقان الأذان والإقامة، فيؤذن نيابة عن مؤذن المسجد في بعض الأوقات، خاصة إن انشغل المؤذن الراتب، أو سافر، ويُرغَّب الولد في ذلك من خلال إعطائه الثقة بنفسه، وأنه قادر على أداء الأذان، وصوته حسن، كما يرغب فيه من خلال بيان فضله، والأجر والمثوبة عند الله للمؤذنين، وليس في أذان الولد قبل البلوغ محظور شرعي، فقد أجاز ذلك بعض السلف رضوان الله عليهم، والطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة بعد التاسعة يدرك الزمن، ويعرفه، فيمكن بناء على ذلك الوثوق به في موضوع الأذان، فيزيد بذلك ارتباطه وتعلقه بالمسجد.

أما إمامة الصبي في الصلاة المفروضة فهي من أعظم الروابط التى تقيد الولد بالمسجد، وتحليه بحلية الإيمان والوقار، وقد اختلف السلف في جوازها، فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، فإن كان الولد قريباً من البلوغ حافظاً، متقناً للقراءة فلا بأس بإمامته في بعض الصلوات نيابة عن الإمام الراتب - إن لم يوجد من هو أفضل منه - أخذاً بقول من أجاز ذلك، واقتداء بالصحابي عمر بن سلمة رضى الله عنه حيث كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين، أو ثمان سنين، فإن لم يتيسر ذلك في الصلوات المكتوبة، مكنه من إمامة الناس في صلاة التراويح خاصة إن كان الولد حافظاً للقرآن أو بعض أجزائه بإتقان، وقد روت السيدة عائشة رضى الله عنها أنهم كانوا يأخذون الصبيان من الكتاب ليقوموا بهم في رمضان، ويرغبونهم في ذلك عن طريق الأطعمة الشهية، وهذا يدل على أنهم كانوا صغاراً تستهويهم الأطعمة الشهية، ويدرسون في الكتَّاب، فليس في إمامة الولد العاقل محظور شرعي، خاصة في صلاة النافلة، فيحرص الأب خاصة في شهر رمضان أن يقيد ولده بمسجد الحي، أو غيره ليصلي بالناس طول الشهر، فيخرج من رمضان بزاد روحي عظيم، وأدب حسن، حياء من الاجتراء على المعاصي، والأخطاء بعد أن كان قدوة يصلى الناس بصلاته، فيرزق وقار ومهابة الإمامة، والسكينة والاتزان.

ومن خلال تردد الأب على مسجد الحي يحاول أن يتعرف على جيرانه من أهل المنطقة التي يعيش فيها، ويعرف أولاده على أولادهم، ويكوِّن بين الجميع علاقات وأواصر محبة، فإن المساجد في هذا العصر فقدت دروها التربوي، وأصحبت -فقط-(مكاناً يؤدي فيه المسلمون الصلاة ثم ينصرفون، يدخل المصلون في صمت، ويخرجون في صمت، لايتعارفون، ولا يتناصحون), لهذا يعمل الأب جاهداً على إكساب مسجد الحي طابعاً آخر، يحيى فيه جانب التعارف والتآخي بين الجيران الكبار منهم والصغار، فيتعرف عليهم، ويزورهم في بيوتهم مصطحباً بعض أولاده، ويدعو بعضهم عنده لتناول طعام الغداء أو العشاء، فتتكون علاقات وصلات بين أهل الحي.

وبالتعاون مع إمام المسجد والجيران يكوِّن الأب حلقة لحفظ القرآن الكريم، وتعلم التجويد، يتولى الإمام الإشراف عليها، ويسعى في تكوين مكتبة علمية في المسجد بالتعاون مع الجهات المختصه في البلد، أو عن طريق جمع تبرعات من أهل الحي، فيتولى هو أو أحد رجال الحي المثقفين الإشراف على شؤون المكتبة وتنظيم كتبها، وعمل بعض الدروس البسيطة للأولاد مرة كل أسبوع، مع تنظيم مسابقات في حفظ القرآن الكريم، والحديث، والعلوم العامة بين الأولاد في المسجد، وتقديم بعض الهدايا العينية والمادية للفائزين منهم تشجيعاً لهم.

ومن خلال هذه الصداقات والصلات بين أبناء الحي، والمشاركة في النشاطات المختلفة، تتكون بينهم علاقات قوية متينة، وصداقات حميمة، فينشؤون معاً في جو من العبادة، والصلاح، والرفقة الطيبة، إلى جانب زيادة حبهم، وتعلقهم بالمسجد الذي أصبح مكان تجمعهم، ونشاطهم، وبذلك يكون الأب قد وضع ابنه على الطريق الصحيح أملاً في صلاحه، واستقامته في حياته إذا كبر وبلغ.


4ـ ترغيب الطفل في صلاة الجمعة


يهتم الأب بتعويد ولده وترغيبه في أداء صلاة الجمعة مع المسلمين، وذلك إضافة إلى ما تقدم من تعويده ارتياد المسجد في الصلوات الخمس المكتوبة، فيوم الجمعة يوم عظيم، وهو أفضل الأيام ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:(خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها).

ويُظهر الأب لأولاده الاهتمام بهذا اليوم، وتعظيمه، وإعطاءه هالة من الوقار، والإجلال، حتى يقع في نفوسهم حبه، وتقديره حق قدره.

ويبدأ الأب ذلك اليوم بصلاة الفجر مع أولاده في المسجد، فإذا أشرقت الشمس صلوا الضحى بما تيسر من الركعات، ثم يأمرهم بأن يستفيدوا من وقتهم بأي عمل مفيد، أو يناموا بعض الوقت استعداداً لصلاة الجمعة، ثم يوقظهم قبل موعد الصلاة بوقت كافٍ، ويأمرهم بالاغتسال والتطهر والنظافة، فيبدأ بأكبر الأولاد سناً، ويأمرهم بلبس أحسن الثياب، والتطيب ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:(من اغتسل يوم الجمعة، واستاك، ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس حتى ركع ما شاء الله أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإمام، فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها),

وتعويد الأولاد الصغار على صلاة الجمعة من واجبات الأب ومهامه، ومن المعروف أنها ليست واجبة على الأطفال الصغار شرعاً، ولكن التعويد عليها يبدأ من مرحلة الطفولة.

ولا بد للأب من الحكمة، وتقدير طبيعة الطفل، فلا يشتد مع الولد دون سن العاشرة، بل يسلك معه أسلوب الترغيب والتشويق، ويحاول أن يعرف سبب إحجامه عن الذهاب إلى الجمعة، فإن كان بسبب طول الخطبة وعدم قدرته على امتلاك نفسه، وحاجته إلى قضاء الحاجة، حاول الأب اختيار مسجد آخر يوجز إمامه في خطبته، ولا بأس أن يتعاهد ولده في المسجد قبل الخطبة إن كان محتاجاً إلى قضاء الحاجة أم لا ؟، أما إن كان سبب زهد الولد في حضور الجمعة راجعاً إلى التبكير في الخروج إليها، فلا بأس أن يتأخر الأب، فيذهب قبل بدء الخطبة بوقت قصير، أو يكلف غيره اصطحاب الولد إلى المسجد قبل الخطبة بقليل، أو يخرج الأب من المسجد ليأتي به قبل الخطبة إن كان المسجد قريباً، فإن كان الولد قادراً على الخروج بنفسه تركه وشأنه في اختيار وقت الحضور للصلاة.

أما إذا أبدى الولد عدم رغبته في حضورالجمعة لغير سبب معروف سوى الميل إلى اللعب، أو نحو ذلك، فليس على الأب محظور في تركه مرفهاً حتى يكبر ويبلغ العاشرة، ويدرك فضل الجمعة، ويقدم بنفسه عليها راغباً فيها، وهذا ما ذهب إليه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذ كان يميل إلى ترك الولد الصغير وشأنه، فلا يشتد معه في حضور صلاة الجمعة، فقد روي أنه دخل مرة المسجد يوم الجمعة فوجد غلاماً فقال له:(يا غلام اذهب العب، قال: إنما جئت إلى المسجد، قال يا غلام إذهب العب، قال إنما جئت إلى المسجد، قال: فتقعد حتى يخرج الإمام، قال: نعم), ففي هذه الرواية فقه لأبي هريرة، وبعد نظر، حيث لا يرى تحميل الولد ما لا يطيق من الصبر على الطهارة، والجلوس طويلاً دون لعب حتى يخرج الإمام، ثم الاستماع إلى الخطبة وأداء الصلاة، فالولد الصغير غير مكلف شرعاً، والقسوة عليه، وإلزامه بها وهو عنها عاجز، يكرِّهه فيها، فإذا كبر صعب عليه أداؤها على الوجه المطلوب، فالأب يقتدي بعلماء السلف في هذا، فلا يوجب صلاة الجمعة على ولده دون سن العاشرة، بل ينتهج معه أسلوب الترغيب دون الترهيب، فإن أقبل وإلا تركه وشأنه مرفهاً حتى يبلغ العاشرة أو ما قبلها بقليل فيبدأ معه بالإلزام.

ويتخَّير الأب من المساجد أفضلها وأحسنها لحضور الجمعة، فإن كان يعيش في إحدى مدن المساجد الثلاثة المفضلة قدمها على غيرها طلباً للأجر والمثوبة، وإن كان في غيرها من المدن والبلاد، اختار أكبرها، وأشهرها، وأكثرها جماعة، مع الاجتهاد في اختيار أفضل الخطباء، وأعلمهم، وأكثرهم رقة وخشوعاً، إذ إن للخطبة دوراً هاماً في التأثير على أخلاق الأولاد، خاصةً إذا فهموها وعقلوها، فإن لم يعقلها بعضهم لصغر السن، فإن انفعالات الخطيب، ونبرات صوته، وصدق عباراته، وتأثر المصلين بخطبته، كل ذلك يؤثر في نفس الولد الصغير، ويظهر هذا التأثير إذا كبر وعقل، وقد أشار ابن الجوزي رحمه الله إلى هذا المعنى - كما تقدم - فحدَّث عن نفسه وهو صغير كيف كان يتأثر بخشوع وبكاء بعض مشايخه فكان يحدث ذلك في نفسه تأثيراً بالغاً.

ويحاول الأب بعد الخروج من المسجد وأداء صلاة الجمعة أن يسأل أولاده عن موضوع الخطبة، وما يمكن أن يستخلصوه من الفوائد، وذلك ليعرف مدى استفادتهم وتركيزهم مع الخطيب، فإن وجد منهم غفلة وعدم تركيز نبههم وحثهم على الفهم والإنصات، ولا بأس أن يحثهم قبل الدخول إلى المسجد على حسن الإنصات، وأنه سوف يسألهم عن مضمون الخطبة إذا خرجوا بعد الصلاة، فيكون ذلك أدعى لهم لكمال الالتفات إلى كلام الخطيب، والتركيز أثناء الخطبة.


5ـ تدريب الطفل على الصيام

نُقل عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أنهم كانوا يدربون أبناءهم الصغار على الصيام، ويعودونهم عليه، وأقرهم على ذلك رسول الله r، فقد روى البخاري في صحيحه عن الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ قالت:(أرسل النبي r غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار), وجيء بسكران في رمضان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال موبخاً وزاجراً:(في رمضان ويلك وصبياننا صيام), فهذا دليل على أن صيام الصبيان على عهد الصحابة رضوان الله عليهم كان معروفاً غير مستنكر أو مستهجن، كما آل إليه الحال عند بعض الأسر في هذا الزمان من استنكار صيام الصيام واعتباره من التشدد والقسوة.

ولا يعني تدريب الأولاد على الصيام افتراضه عليهم، فإن جمهور العلماء يفتون بأن الصيام غير واجب على من هو دون البلوغ ؛ لكن المقصود من هذه الأحاديث مشروعية تمرين الصبيان على الصيام وتعويدهم عليه.

وأعجب من هذا ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام عندما كان صيام عاشوراء مفروضاً، حيث " كان يعظمه، ويدعو برضعائه ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهن ألا يرضعن إلى الليل "، فإذا كان الرضع يشاركون المسلمين في صيام ذلك اليوم المفضل حرمةً وتعظيماً له، وتدريباً على الصوم، فإن الأطفال الكبار دون البلوغ أولى بهذا التمرين، خاصةً إذا قاربوا الحلم، حيث يكونون أقدر على تحمُّل الصوم ومشقته.

وقد كان بعض السلف رضوان الله عليهم يُوقِّتون بداية أمر الصبي بالصيام إذا أطاقه وهذا منقول عن ابن سيرين وقتادة والزهري وعروة بن الزبير رحمهم الله.

والأب يقدر بخبرته طاقة ولده ومقدرته على الصوم، فإن رأى فيه قوة عليه، ورغبة فيه، أمره به وحثه عليه مبيناً فضل الصيام وأجره عند الله، ولا يتقيد في ذلك بسن معينة.

كما يمكنه أن يُقسم النهار إلى أجزاء، فليس من الضروري أن يصوم الولد كامل النهار - خاصة الولد الصغير - فيكون الجزء الأول مثلاً من صلاة الفجر حتى صلاة الظهر، والجزء الثاني من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، والجزء الثالث من صلاة العصر حتى صلاة المغرب، والولد يصوم من هذه الأجزاء حسب طاقته وقدرته دون إجبار، فيحثه الأب على الصوم ويكافئه على ذلك، مع مراعاة عدم إضرار الصيام به.

كما يمكن للأب أن يقدم لأولاده اللُّعب المختلفة، عند الحاجة ليلهيهم بها عن طلب الطعام، اقتداء بالسلف الصالح، ولا بأس أن يخرج بهم للنزهة أو المسجد إذا احتاج الأمر، فإن بعض السلف كانوا يأخذون الأولاد إلى المسجد في يوم عاشوراء، ويجعلون لهم الألعاب من الصوف ليلتهوا بها عن طلب الطعام.

Go to Top of Page

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
70936 مشاركة

كتب فى :  - 07/11/2012 :  00:35:33  Show Profile
يتبع ... أنتظرونا وباقى نواحى تربية الأطفال
Go to Top of Page
Previous Topic الموضوع Next Topic  
صفحة سابقة
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share