Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


جروب شبيك لبيك
 المنتديات
 صالون الثقافة والادب
 (( بصــراحــة مع هيكل ))
 5 _(2) مقدمة فى الحديث عن الاتحاد الاشتراكى
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic  

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
81249 مشاركة

كتب فى :  - 24/11/2010 :  01:19:55  Show Profile





جروب شبيك لبيك

(2) مقدمة فى الحديث عن الاتحاد الاشتراكى


التاريخ :
8/2/1963


المصدر : الأهرام

كان الحكم فى مصر لطبقة واحدة

وفى العالم العربى لازال الحكم حتى الآن...لطبقة واحدة أيضاً

كانت مصر - قبل الثورة - تعيش تحت حكم الطبقة الواحدة.

قلة من الناس، يسيطرون وحدهم على الجزء الأكبر من وسائل الإنتاج، بالملكية المباشرة لها، ثم يسيطرون بالتالى وبنفس المقدار على جهاز الدولة، لتكون السلطة السياسية تحت كل الظروف، فى خدمة المصالح الاقتصادية القائمة، ولضمانها، ومن أجل تدعيمها.

وذلك - على أى حال- هو الوضع الطبيعى والمنطقى، فإن سلطة الدولة، لا يمكن أن تكون شيئاً آخر، إلا مجرد شكل سياسى، أو تعبير سياسى عن واقع القوى المسيطرة على الثروة الاقتصادية والمالكة لها.

ولسوف نعود إلى ذلك كله بالتفصيل فيما بعد، حينما ننتقل من الحديث عن تقرير وجود طبقة واحدة مالكة، إلى متابعة تأثيرها السياسى، لتكون مالكةً، وحاكمةً فى الوقت ذاته.

وفى تقرير وجود طبقة واحدة مالكة، أو كانت مالكة، للثروة فى مصر فلا أظننا فى حاجة إلى أكثر من مراجعة سريعة لبعض الأرقام التى لا سبيل إلى الطعن فى سلامتها أو الشك فيها.

- إذا ما ذكرنا مثلاً تقرير المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة سنة 1950، والذى أشار بطريقة دبلوماسية مهذبة إلى أن نصفاً فى المائة من السكان فى مصر يحصلون وحدهم على خمسين فى المائة من مجموع الدخل القومى كله، وكان الذى لفت نظرى إلى هذه الحقيقة هو الدكتور محمود عزمى - يرحمه الله- -وكان بنفسه وقتها رئيس المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة، ممثلاً لمصر، بوصفه أحد أعضاء وفدها إلى الأمم المتحدة!

- وإذا ما ذكرنا مثلاً، أن قوانين الإصلاح، التى تعرضت لملكية الأرض حتى سنة 1961- أثرت فى أقل من ثلاثة آلاف شخص، كانوا يملكون قبل الثورة اثنين ونصف مليون فدان، أى ما يقرب من نصف مساحة الرقعة الزراعية كلها، وأن هؤلاء الثلاثة آلاف شخص ينتمون فى الواقع إلى ما لا يزيد عن مائتى عائلة.

- بل لعل الصورة أن تبدو كاملة الوضوح من إحصاء رسمى أعدته إدارة التعبئة العامة عن الذين انطبقت عليهم كل القوانين الاشتراكية التى تعرضت لأسهم الشركات المالية والصناعية.

نتيجة هذا الإحصاء، مثيرة إلى أبعد حد، خصوصاً وأنها -لأول مرة- ترسم بالأرقام الجامدة وحدها صورة دقيقة.. ومفزعة للحقيقة!

يقول الإحصاء: "إن عدد الذين انطبقت عليهم هذه القوانين بأى مبلغ من المبالغ حتى ولوكان قرشاً واحداً هو:

54627 شخصاً، منهم 47246 شخصاً ممن كان التأثير عليهم فى ألف جنيه أو أقل، وهؤلاء بنص القانون أعيد لهم ثمن ما كانوا يملكون نقداً رغبةً فى صيانة مصالح المدخرين الصغار، ومن ثم فإن هؤلاء جميعاً خارج الحساب، ولا تبقى ممن انطبقت عليهم كل هذه القوانين إلا:

7383 يملكون ما قيمته ألف جنيه وأكثر.

لكن الإحصائية المثيرة تمضى بعد ذلك إلى مزيد من التفاصيل.

تقول الإحصائية: "إن توزيع هؤلاء الذين يملكون من الأسهم التى انطبقت عليها القوانين الاشتراكية، فيما هو فوق ألف جنيه وأكثر، والذين يبلغ عددهم 7383 فرداً، هو على النحو التـالى:

5174 فرداً منهم يملكون من فوق ألف إلى تحت خمسة آلاف جنيه.

673 فرداً منهم يملكون من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه.

1536 فرداً منهم يملكون فوق عشرة آلاف جنيه.

والصورة تزيد فى وضوحها إذا ما ذكرنا، أن مجموع ما انتقلت ملكيته إلى القطاع العام، بالتأميم من أسهم هذه الشركات المالية والاقتصادية، بمقتضى القوانين الاشتراكية سنة 1961 - يقدر بما قيمته ثلاثمائة مليون جنيه.

بل إن الوضوح يصل إلى أن يكون توهجاً ساطعاً، إذا ما ذكرنا أن معظم الذين أثر فيهم الإصلاح الزراعى، هم نفس الذين وصل إليهم تأثير قوانين التأميم فى المجال المالى والصناعى.

من هذه اللمحات التى تومض بها الأرقام - ولست أريد أن أشرد إلى رَصِّ مجموعات منها حتى لا يبدو الحديث وكأنه نشرة من نشرات مصلحة الجمارك- فإن تقرير وجود قلة مالكة للجزء الأكبر من الثروة فى مصر قبل الثورة، يصبح أمراً واقعاً.

هى إذن طبقة واحدة، تسيطر على الاقتصاد بملكيتها المباشرة لوسائل الإنتاج.

وتلك نتيجة نستطيع فى البحث - أن نطمئن إليها - وأن نبدأ منها - ماشين على أرض صـلبة... صلابة الحقيقة ذاتها لا تلتوى ولا تتعرج!

والسؤال الذى يواجهنا بعد ذلك منطقيا هو:

- مَنْ هى هذه الطبقة المالكة وكيف تكونت؟

وقبل أن أستطرد فى الحديث، فإنى أريد إبداء ملاحظتين:

الملاحظة الأولى: هى أننى ما زلت أريد أن يكون هذا الحديث عن الاتحاد الاشتراكى العربى - والذى قادنا وسوف يقودنا إلى دروب فرعية عديدة - موصولا بالأحداث فى العالم العربى، وذلك أمر أشرت إليه فى مقدمة الحديث فى الأسبوع الماضى.

ومن هنا فإنى عند هذه النقطة أتوقف لأقول، إن حكم الطبقة الواحدة، موجود فى كل بلد عربى يمارس سطوته حتى الآن ويتخذ من الواجهات ما يراه ملائما للظروف.

حكم الطبقة الواحدة - وإن تعددت أشكاله فى العالم العربى موجود وقائم يفرض آثاره على كل عاصمة.

- فى السعودية مثلاً - طبقة واحدة تحكم هى أسرة آل سعود التى وصل عدد أفرادها إلى ما يقرب من خمسة آلاف أمير، لكل منهم مرتباته ومخصصاته عدا أملاكه واستثماراته، وبجانب الأسرة فى تكوين الطبقة بعض المشايخ ممن يستخدمهم آل سعود فى محاولة يائسة لتغطية مصالح الطبقة بأستار الكعبة المقدسة كذلك بجانبهم حفنة من سماسرة القصر أمثال الصبان والشربتلى وبن لادن ولست أعرف مَنْ غيرهم أيضاً!

وبرغم المحاولات البلهاء التى تحاول بها الولايات المتحدة دفع الأمير فيصل إلى الإصلاح إنقاذا لما يمكن إنقاذه، من الأسرة المالكة ومن مصالح أمريكا ذاتها فى السعودية، فإن فيصل لا يستطيع أن يفعل شيئاً حتى لو أراد لأن الأمور فى السعوديةلم تعد تحتمل أنصاف الحلول، ولم يعد مفر من إسقاط الطبقة المالكة والحاكمة كلها - وفيصل نفسه جزء منها.

- وأمام الأمير فيصل الآن على سبيل المثال، تقرير من أحد الخبراء الذين جاء بهم من أمريكا، والتقرير يقدر ثروة الملك سعود فى الخارج بما قيمته 1200 مليون ريال - فهل يستطيع الأمير فيصل أن يطلب من سعود إعادة هذا المبلغ أو بعضه إلى السعودية ليستخدم فى عملية التطوير التى تنصح بها تقارير الخبراء؟

ذلك مستحيل بالطبع، لأن فيصل - ولأسباب متعددة - لا يستطيع أن يتوجه لسعود بمثل هذا الطلب.

أبسط رد لدى الملك على مثل هذه الصفعة فوق خده الأيمن إذا أقدم عليها فيصل، أن يهوى بيده على الخد الأيسر لفيصل ليسأله كم له هو - نفسه - فى الخارج... ولماذا لا يعيده إلى البلاد أو بعضاً منه.


أكثر ما يستطيع أن يصل إليه فيصل هو شكل التغيير - لا جوهره.

ونموذج له، ما حاوله من تخفيض مرتب الملك الشخصى فى الميزانية من 25 مليون ريال سنويا الثمانية عشر مليونا، طبقاً لبنود الميزانية الجديدة التى أعلنت منذ أسابيع قليلة.

وقال فيصـل للناس إنه خفض مرتب الملك بسبعة ملايين ريال... ولم تكن تلك هى الحقـيقة... وإنما هو شكل خارجى يحاول تزييفه.

لقد كان الملك عندما يقبض خمسة وعشرين مليون ريال فى السنة يدفع بعض مرتبات خدمه الخاص وبعض نفقات أطفاله الصغار، وكان كل ما فعله فيصل أن نقل الملايين السبعة التى خفضها من مرتب الملك - أو هكذا قال - إلى بند قائم وحده فى الميزانية تدفع منه مباشرة لخدم الملك وأطفاله بدل أن يدفعها الملك.

وهذا هو نوع "إصلاح" الأمير فيصل، وهو لا يقدر على أكثر من ذلك، لأن الطبقة الواحدة المالكة والحاكمة من حوله ثم هو جزء لا يتجزأ منها، مصلحة ومصيراً وشعوراً ومنطقاً!

- فى سوريا مثلا -طبقة واحدة تحكم هى مزيج من الإقطاعيين وكبار التجار فى دمشق وحـلب.

وفى عهد الوحدة حين وضع قانون الإصلاح الزراعى تبين أن هناك ملكيات زراعية وصلت إلى نصف المليون فدان، وكانت ملكية المائة ألف فدان موجودة فى أكثر من عشر حالات، وبعدها ملكيات عشرات الألوف... ثم الألوف.

كل ذلك على حساب حرمان الفلاح السورى وإذلاله.

لذلك كان معقولا أن يكون الإقطاع بين العناصر التى مولت الانفصال وساعدته، وكان معقولا أن يكون الانقضاض على الإصلاح الزراعى أول مطالب الذين مولوا الانفصال وساعدوه، ولقد تحدث بيان انقلاب القيادة العسكرية فى 28 مارس الماضى عن حوادث طرد الفلاحين من أراضيهم وهدم بيوتهم على رؤوسهم... بما فيه الكفاية.

وفى الناحية الاقتصادية - غير الأرض- فلقد كانت الشركة الخماسية هى القوة الكبرى فى توجيه أقدار سوريا، والشركة تستمد اسمها من عدد ملاكها وهم خمسة!

وكانت الشركة الخماسية أيضاً بين العناصر التى مولت الانفصال وساعدته، وكان مطلبها بعد الانفصال إلغاء التأميم الذى طبق عليها ضمن قوانين يوليو 1961 حينما كانت سوريا جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة... ونجحت الشركة، نجح الخمسة أصحابها، فى تمزيق كل قيد وضع عليهم، وهم الآن وحفنة من نفس الطبقة المالكة يسيطرون على الحكم ويستأجرون له كل من يقدر على خدمته، خدمة لمصالح الطبقة، والعجب أنهم استطاعوا استئجار بعض من كانوا يسمون أنفسهم بالاشتراكيين. وأكثر من ذلك إثارة للعجب أنهم استطاعوا استئجار من يرفعون أعلام الشيوعية...

إن الطبقة المالكة السورية لا يهمها - بعد كل تجاربها - شىء، إلا أن تبقى فى يدها ثروتها لا تهمها الشعارات، وليتحدث بالشعارات من يشاء كما يشاء، طالما الحديث... ألفاظاً فى الهواء... وإنما المهم هو اتقاء أى قوة قادرة على إحداث تغيير حقيقى.

ولست أعرف لماذا لم تنشر تلك الحقائق التى تكشفت من دراسة لأحوال البنوك السورية، جرت فى عهد الوحدة وكانت من أسباب صدور قانون البنوك.

أحد البنوك مثلا كانت ودائعه 50 مليون ليرة... ودائعه هى مدخرات الشعب السورى.

تجاوز هذا البنك فيما يقدمه من قروض، كل حدود ودائعه فبلغت القروض التى قدمها لعملائه 120 مليون ليرة، بعجز قدره سبعون مليون ليرة ضمنه فيها البنك المركزى السورى!

كل ذلك حتى الآن سهل، لكن الخطير أن كل قروض البنك تقريباً كانت لأحد عشر فرداً بالعدد بينهم الخمسة أصحاب الشركة الخماسية.

الأحد عشر أقرضهم البنك 50 مليون ليرة، كل ودائعه، وفوقها 70 مليون أخرى بضمان البنك المركزى... أى أن الشعب بودائعه، والحكومة بالبنك المركزى تولوا - دون علمهم - تمويل مشروعات الشركة الخماسية وزيادة أرباحها.

كان الشعب، وحتى الحكومة - فى عهد الوحدة! - دون أن يعرفا أداة استغلال فى يد الطبقة لفترة من الفترات.

وحين تنبهت الحكومة فى ذلك الوقت إلى الحقيقة المروعة، تحركت على الفور لتصحيح الأوضاع.

لكن الذى يراجع بيان انقلاب الانفصال فى 28 سبتمبر سنة 1961، يجد فيه إشارة إلى أن قرار تنظيم البنوك كان بين الأسباب المدّعاة لتبرير الجريمة.

وكان منطقيا بعد الانفصال أن توجه الجهود إلى إلغاء أثر قانون تنظيم البنوك لتصبح أموال الشعب السورى كلها -عرف أو لم يعرف- فى خدمة القلة المالكة... فى خدمة الطبقة الواحدة.

- ولبنان مثلا - تحت حكم الطبقة الواحدة، برغم قشرة الحضارة التى يكسو بها الجبل الجميل نفسه إلى جانب أشجار الصنوبر وأشجار الأَرْز.

بل إن قشرة الحضارة هى ذاتها القناع الذى تستعمله الطبقة الواحدة لتغطية نفسها ومن ثم فهى المرادفة بشكل أو آخر لجماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى السعودية.

نفس الشىء والخلاف هو فى طبيعة القناع فقط.

الطبقة المالكة فى السعودية، محدثة نعمة كغنى الحرب ،وجاهلة، من هنا فالقناع الذى تغطى به نفسها خشن وسميك،وغبى.

أما الطبقة المالكة فى لبنان فمترفة ومتعلمة، ولذلك فلقد استطاعت أن تنسج أقنعتها من حرير جميل... ألوانه المرحة تنسكب معاً، وتتداخل فى بعضها حتى لا تبدو لها نهاية من بداية.

لكنه قناع، تحته نفس الشىء.. قلة من الناس يملكون كل شىء.. طبقة واحدة تملك وتحكم، ولقد كنت تعرضت لهذه الناحية فى لبنان من قبل فى مقال بعنوان "حكاية لبنان" ولهذا أقتضب الحديث فى هذه النقطة لكى أخلص بالنتيجة التى كنت أريد الوصول إليها وهى:

- أن ما أظهرته الأرقام مما كان فى مصر قبل الثورة الاشتراكية، من وجود طبقة واحدة تسيطر على الثروة الوطنية وتتحكم فيها، وبالتالى تتحكم فى أقدار الوطن كله، لم يكن حال مصر وحدها، وإنما كان حال كل البلاد العربية تقريباً - ولا يزال.

من هنا فإننا خلال الحديث عن الاتحاد الاشتراكى العربى، ونحن نتحرك هنا.. على الأرض المحدودة بالجمهورية العربية المتحدة، نستطيع أن نمد أبصارنا وراء أرضنا المحدودة، فإذا عليها نفس ما كان على أرضنا.

ذلك يحقق لى ما كنت أتطلع إليه فى هذه الملاحظة الأولى قبل الاستطراد فى الحديث عن الطبقة الواحدة التى كانت فى مصر.

كنت أتطلع إلى أن يكون الحديث موصولا بالأحداث فى العالم العربى، وأظنه موصولاً.

الصلة قائمة، يصنعها التقارب بين الطبقات الواحدة، المالكة فى كل بلد عربى، فى مواجهة قوى التغيير على الأرض العربية.

والصلة قائمة، فى أننا خلال تجربة إسقاط حكم الطبقة الواحدة فى مصر، نستطيع أن نجد إجابات واضحة على أسئلة كثيرة من مجرد نظرة سريعة على العالم العربى المحيط بنا.

والصلة قائمة، فى أن الذين يتحركون بحوافز التغيير الثورى فى العالم العربى المحيط بنا يستطيعون اليوم فى استعدادهم لمسئولياتهم أن يجدوا فى تجربتنا حلولا كاملة لأشياء غامضة رابضة على أرضهم تبدو أمامهم ألغازاً مغلقة.

والملاحظة الثانية: التى أريد إبداءها وقبل أن أستطرد فى الحديث عن الطبقة المالكة فى مصر وكيف تكونت - ملاحظة تتعلق بمعايير الحديث وبحدوده.

وفى هذه الملاحظة فإنى أريد أن أعبر بصدق - وعلى قدر جهدى عما أراه أمامى دون إرادة أو قصد فى الإساءة إلى أحد.

إننى لا أنظر الآن ورائى فى غضب.

إن النظرة إلى الماضى فى غضب جهد ضائع، وإنما يمكن أن يكون الغضب فى النظر إلى المسـتقبل، لأنه - ساعتها يحتمل أن يتحول الغضب إلى مقدمة ثورة.

ما أريده هو أن أنظر ورائى فى فهم، وهنا يكون النظر إلى الماضى عملاً نافعاً لأنه - ساعتها - يكون استخلاصاً للتجربة وزيادة وعى بها.

ولست أقبل بين الأمرين منطق القول بأن نترك الماضى للماضى خصوصاً إذا كان أمره قد تغير بقوة الثورة، وفى رأيى أننا لا نستطيع مهما بلغت قدرتنا على النسيان أن نتطلع إلى الإمام قبل نظرة، ولو سريعة، إلى الوراء.

أقول ذلك لأمهد به إلى أننى فى حديثى عن الطبقة الواحدة التى كانت مالكة فى مصر قبل الثورة - سأحاول أن أكون صريحاً إلى القدر الذى تصل إليه معلوماتى.

أعنى أننى لن أتحرج أمام الوقائع...

كذلك لن أتحرج أمام الأسماء.

- لكن بأى الأساليب أفعل ذلك... وبأى المعايير وفى أى الحدود؟

ذلك ما تنصب عليه هذه الملاحظة.

أقصد أن أقول إن دراسة الطبقة الواحدة فى مصر وتكوينها، لا يمكن - فى التقديم للحديث عن الاتحاد الاشتراكي- أن تكون كاملة - إلا إذا قامت على أساس نماذج حية سمع بها الناس أو رأوها وعرفوها.


ذلك وحده السبيل إلى أن تكون الصورة ذاتها حية فى فهمهم ومتحركة.

وعلى سبيل المثال:

لنفرض أننى أريد أن أقول إن كبار ملاك الأراضى، وهم من دعامات الطبقة الواحدة فى مصر قبل الثورة حققوا ملكيتهم للأرض الزراعية الشاسعة بطريق نظام " العهدة " الذى طبقه محمد على.

كان محمد على فى حاجة إلى متعهدين يجمعون له الضرائب وهكذا اختار عدداً من المتعهدين أوكل إليهم هذه المهمة.. مهمة تحصيل الضرائب، مقابل إقطاعهم بعض الأرض فى مناطق "عهـدتهم"، ومنحهم حق استخدام الفلاحين لأرضهم بالسخرة.

لكن هؤلاء المتعهدين أمعنوا فى جبروتهم -بحجة تحصيل الضرائب - إلى الحد الذى جعل الفلاحين يتركون أراضيهم ويهربون، وكان ذلك بالضبط ما يريده المتعهدون فإنه يخلى لهم أرض الفلاحين فى مناطق "عهدتهم" فتصبح ملكاً خالصاً لهم، يسددون ضرائبه إلى الوالى... ولا شىء أكثر من ذلك.

ومن هنا نشأت ملكيات كبيرة فى مصر للأرض الزراعية كانت من العناصر المكونة للطبقة الواحدة...

لنفرض أن ذلك ما أريد أن أقوله.

فهل أكتفى منه بذلك.. أم أضع بعده النماذج الحية؟

لكن إيراد النماذج، سوف يشدنى، بعد النظر إلى الوراء إلى تعيين أشخاص فيه بالذات وتحديد أسماء..

ذلك عادة، شىء أتجنبه... ثم أنا أعرف أن المجتمع الذى أعيش فيه - بسماحة أصيلة فيه - لا يحبه.

لكنى أقول: إن هدفى ليس أن أخرج الموتى من القبور لأعيد صلبهم، ولا هو هدفى أن أشد بعض الأحياء من النسيان لكى أدعى لنفسى سلطة محاكمتهم هنا على صفحة جريدة.

كما قلت: كل ما أريده من التطلع إلى الوراء هو أن أفهم.

وأقول بعده: كل ما أريده من تحديد أسماء بعينها هو أن أدرس نماذج حية بقصد رسم صورة نابضة بألوان الواقع.

ذلك ما أريده، ولا شىء غيره.

وعلى سبيل المثال فلقد أقول إن أسرة الشواربى فى محافظة القليوبية ملكت أراضيها الشاسعة نتيجة لنظام العهدة.

إن محمد على عين محمد الشواربى متعهداً لمنطقة قليوب وكان زمامها فى ذلك الوقت - طبقاً لوثائق الوالى المحفوظة فى القلعة - سبعة آلاف فدان وفى ذلك الوقت لم يكن محمد الشواربى يملك أكثر من مائة فدان أعطاها له الوالى ليزرعها أثناء قيامه بعهدة ما حولها من الأرض.

وفى سنة 1864 جدد الخديو إسماعيل العهدة لابن محمد الشواربى فى نفس المنطقة.

ومضت بضع عشرات من السنين وإذا على باشا مبارك فى كتابه "الخطط التوفيقية" يقرر أن أسرة الشواربى تملك فى زمام قليوب أربعة آلاف فدان.

كلها من الأرض التى كانت عهدة لها.

كان المفروض من المتعهد أن يجبى ضرائب منطقة عهدته فقط أما أن يتحول أكثر من نصف منطقة العهدة إلى ملكية خالصة للمتعهد شخصياً فأمر يثير التأمل، ويستوقف النظر!

وعندما أذكر هذا النموذج الحى لنشوء ملكيات زراعية كبيرة فى مصر أصبحت من دعامات الطبقة الواحدة، فهل يمكن أن يظن بى أحد مظنة الإساءة فى التعريض بأسرة الشواربى أو بأى من أفرادها؟

لا أتصور ذلك ولا أقصده.

وأنا أعرف مثلاً، سيدة من أسرة الشواربى قامت بدور لا ينسى وهى السيدة جنان الشواربى.

كانت فى الهلال الأحمر سنة 1956 وقت حرب السويس، وكانت فى قلب المعركة.

وحين تمكنت قوات الاحتلال من أن توجه كل قوة العاصفة إلى بورسعيد وتحتل هناك رأس جسر على الشاطئ، تمكنت جنان الشواربى من دخول بورسعيد بواسطة تعاون الهلال الأحمر مع الصليب الأحمر الدولى.

ورأت جنان الشواربى صورة بورسعيد والتقت هناك بمحافظها الذى صدرت إليه الأوامر بالبقاء فى المدينة المناضلة الصابرة، وتلقت منه رسالة ما لبثت أن عادت بها إلى القاهرة.

ثم عادت جنان الشواربى مرة ثانية إلى بور سعيد.

مرة ثانية مع الصليب الأحمر بطريقة مليئة بالمغامرات.

وفى بورسعيد استطاعت أن تصل إلى المحافظ، وفتحت صندوق أدوية صغير، أو هكذا بدا - وأخرجت منه رسالة إليه من وزارة الداخلية فى القاهرة تحمل إليه تعليمات مفصلة عن الطريقة التى يتصرف بها تجاه سلطات الغزو، وتجاه سكان المدينة، وتجاه قوات المقاومة، وتجاه المعارك المستمرة، وكان مع الرسالة مبلغ ثلاثين ألف جنيه أرسلتها وزارة الداخلية إلى المحافظ فقد كانت خزينة المحافظة مثقلة بأعباء مفاجئة بسبب الظروف وكانت حاجتها إلى المال ماسة وشديدة.

وما أظن أحداً يجادل فى أن هذه السيدة من أسرة الشواربى قامت بعمل مجيد.

.........

لكنى أحاول أن أفرق بين ما هو حق، وما ليس بحق.

إن ما فعلته جنان الشواربى يمنحها الحق فى وسام على صدرها لكن وسام جنان الشواربى مسـألة، وأربعة آلاف فدان ملكها محمد الشواربى بطريقة العهدة وتحت ظروفها - مسألة أخرى، ولا ينبغى الخلط بين المسألتين... وليست أيهما مسألة شخصية!

هذا موضوع الملاحظة الثانية... ولقد قلته... وضربت له النموذج الواقعى.

ثم ننتقل بعد ذلك إلى الموضوع الذى كنا نتحدث فيه قبل الاستدراك بهاتين الملاحظتين وهو:

- من هى الطبقة المالكة فى مصر، أو التى كانت مالكة، وكيف تكونت؟

نلتفت إلى الوراء قليلاً...

لا نلتفت -كما قلت- إلى الوراء فى غضب.

وإنما بالفهم... ومن أجل الفهم نظرتنا على الماضى...





  Previous Topic الموضوع Next Topic  
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share