Loading
مساعدة بحـــــث قائمة الاعضاء اشتراك بريدى جديد اليوم التسجيل ملف العضو الرئيسية
اسم العضو: كلمة السر:
حفظ كلمة السر تذكيرك بكلمة السر?


منتديات اوليفيا
 المنتديات
 صالون الثقافة والادب
 (( بصــراحــة مع هيكل ))
 6 _ سلاماً يا دار السلام... وأهلاً
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
الكاتب Previous Topic الموضوع Next Topic  

عفروتة شبيك
مشرف ادارى

Egypt
81249 مشاركة

كتب فى :  - 24/11/2010 :  01:23:48  Show Profile





شبيك لبيك

سلاماً يا دار السلام... وأهلاً


التاريخ : 15/2/1963

المصدر : الأهرام

ماذا قال جمال عبد الناصر بعد أن وصلته أول أنباء الثورة فى العراق؟

لو سئلت الآن:

- ما هى أهم أهداف النضال العربى هذا الوقت، وما هى متطلباته التى تسبق غيرها، وتتقدم على كل شىء عداها؟

لقلت من غير ثانية تردد:

- هدفان، يستحقان فى هذا الوقت، كل إخلاص النضال العربى وكل إيمانه.

وبمقدار ما يكرس لهما من فكره وعمله الآن، بمقدار ما يثبت هذا النضال العربى حيويته وأصالته وتقديره للمسئولية التاريخية التى يحمل أمانتها.

الهدف الأول:

تدعيم الثورة فى العراق، وفتح كل طريق أمامها، بغير ما قيد أو شرط، بغير ما حد، بل وبغير ما حساب.

والهدف الثانى:

تعميق الفهم بين القاهـرة وبغداد، وعدم السماح مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسـباب، بأن تتلكأ فى سماء العلاقات بين العاصمتين سحابة، حتى وإن تكن من النوع الشفاف الذى لا يحجب زرقة السماء وراءها.

قبل هذين الهدفين... لا شىء!

وبعد هذين الهدفين... كل شىء هو من قبيل التفاصيل أمرها يهون، ومشكلتها يسيرة تحل نفسها بنفسها عندما يجىء زمانها!

وعن الهدف الأول:

فإنى أشعر مخلصاً، أن الثورة التى تفجرت فى العراق، على نحو يشبه المعجزات، يوم الجمعة المجيد، الماضى، فرصة سوف يعز منالها فى العراق إذا ضاعت هذه المرة.

وإذا عادت الحجب والأستار تغطى وجه العراق العربى، فلست أستطيع أن أرى، متى يجىء يوم جديد، تنزاح فيه الحجب والأستار عن وجه العراق العربى؟

ولقد كان جمال عبد الناصر واقفاً على أرض المسئولية الواعية حين طلب بعد أقل من ربع ساعة من إعلان نبأ قيام الثورة فى العراق، أن توجه طاقات الجمهورية العربية المتحدة كلها لدعمها وتأييدهـا.

ولم تكن هذه الدقائق التى انقضت منذ إعلان قيام الثورة، إلى دخول الجمهورية العربية وراءها بالدعم والتأييد خالية من المناقشات.

كانت الجمهورية العربية المتحدة، قبل قيام الثورة، تتابع تطورات الأمور فى العراق عن كثب.

وكان واضحا لكل ذى عينين، يطل بهما على العراق، أن هناك محاولة وطنية عراقية، تسعى إلى تكتيل تجمع قومى يوجه الضربة الأخيرة والقاضية إلى حكم الرجل الذى انفرد وحده بحكم العراق فى فتره بدا وكأنه قد جن فيها الزمان!

وحين بدأت عمليات إضرابات الطلبة فى جامعات العراق ومعاهده، فلقد كان واضحا للذين ثبتوا عيونهم على العراق أن ذروة الصدام قد باتت قريبة.

ولم تكن إضرابات الطلبة هى الذروة المنتظرة، لكنها كانت تمهيدا لها.

كان القصد منها تحويل أنظار قاسم عن الجيش، وتثبيت اهتمامه على مكان آخر غير المكان الذى تتحفز منه الضربة القاضية.

وبينما كان قاسم مشغولاً بالجامعة وبالمعاهد العليا فى العراق كانت محاولة التكتل والتجمع فى الجيش قد حزمت أمرها، ورسمت على عجل خطة هدم معقل قاسم فى وزارة الدفاع، هذه الخطة التى يمكن تسميتها من غير تجاوز،حرب اليوم الواحد فى العراق.

لكنه كان يوماً... هائلاً وحاسماً.

وأعود إلى جمال عبد الناصر، ووقفته على أرض المسئولية الواعية فى الدقائق الحرجة التالية لإعلان نبأ قيام الثورة فى العراق.

كان جمال عبد الناصر ليلة الجمعة قد قضى ليله ساهراً إلى قرب الفجر.

حتى بعد أن تناول طعام السحور، ظل يقرأ تقريراً مطولاً من المشير عبد الحكيم عامر الذى يشرف الآن بنفسه على عملية تصفية نهائية لكل خطر يهدد حدود اليمن.

وحين أذيع من بغداد أول نبأ عن الثورة، دق التليفون الخاص الذى يقبع دائماً بجوار فراشه يحمل إليه النبأ.

ومد عبد الناصر يده إلى جهاز استقبال قوى بجوار فراشه فوجهه إلى إذاعة بغداد ليسمع بنفسه صوت الثورة كأنه يصغى إلى دقات قلبها.

فى نفس هذه اللحظات كانت هناك مجموعة من الخبراء والمستشارين تعمل فى الرياسة وتبحث، ثم تم اتصال مع الرئيس ينقل إليه رأيهم الأولى.

وكان الرأى الأولى، يقترح الانتظار والتريث ولو ساعة واحدة تتضح فيها الأمور.

وسأل عبد الناصر بالمنطق البسيط الذى يواجه به عادة أعقد المواقف وأخطرها:

- لماذا الانتظار؟

وكان الرد:

- حتى يبين أشخاص الذين قاموا بالثورة واحداً واحداً.. ؟

وقال جمال عبد الناصر:

- أنا أعترض على هذا الأسلوب فى التفكير.

ثم استطرد:

- أريد أن أسأل أسئلة محددة:

هل يبدو من معلوماتنا أو مما لدينا من بيانات الثورة، أنها موجهة من بريطانيا أو من أمريكا؟

وقيل له:

- لا.

واستطرد عبد الناصر فى أسئلته:

- هل يبدو أنها موجهة من الشيوعيين أو لحسابهم؟

وقيل له:

- لا.. أيضا.

وسأل:

- هل يبدو أن للرجعيين فيها دور.. أى دور؟

وقيل له:

- لا...

وسأل أخيراً:

- هل يبدو عليها طابع شعوبى معارض للقومية العربية؟

وقيل له:

- لا... الواقع أنها - فيما نرى الآن - عمل جماعى جاء نتيجة لتكتل عناصر مختلفة كلها عربية وقومية، لكن رأينا فى الانتظار كان يستهدف أن يبين لنا أى هذه العناصر اشترك فيها، وما هو النصيب الذى اشترك به؟


وقال جمال عبد الناصر:

- ذلك لا يهمنى... المهم أنها حركة قومية وعربية، كل ما يبقى بعد ذلك كله تفاصيل لا أتوقف لحظة واحدة لحسابها.

ولا بد أن نسأل أنفسنا هذه الدقيقة:

- ما الذى تريده الجمهورية العربية المتحدة من العراق ؟

- واستطرد عبد الناصر يجيب على السؤال الذى وضعه هو للمناقشة:

- رأيى، ومن غير حاجة إلى طول البحث:

إننا نريد أولاً عراقاً متحداً وقوياً على أرض الوطن العراقى.

وثانياً نحن نريد أن يكون وجه العراق معبراً عن حقيقته القومية العربية. إما أن يكون الذين قادوا الثورة، من الوطنيين العراقيين المستقلين، أو من حركة البعث العربى - بعد أن طهرت نفسها من طفيليات الانتهازيين والمرتدين - أو من تنظيم القوميين العرب، فذلك كله يستوى عندى، ما داموا جميعا مؤمنين بالقومية العربية.

لهذا فإنى لا أرى الانتظار على الإطلاق.

وإنما لا بد أن تدخل الجمهورية العربية المتحدة بكل قوتها فى المعركة، ومنذ هذه اللحظة.

ولم تمضِ ثوانٍ إلا وكانت كل قوى الجمهورية العربية المتحدة تتحول فى مشهد مهيب ورائع بكل إمكانياتها صوب العراق، تؤيد الثورة من غير تحفظ وإلى غير ما حد.

وكان حلما ما حدث فى العراق... أو هو أقرب إلى الحلم.

لقد كان جهد الاستعمار الأول، والمستمر، هو تغطية الحقيقة العربية، لا فى العراق وحده، وإنما فى كل بلد تستطيع طاقته أن تؤثر بطريقة فعالة فى خدمة النضال العربى الواحد.

فى مصر نفسها، قبل غيرها، حاول الاستعمار الغربى، وحاولت الرجعية المتعاونة معه، أن تغطى بالضباب حقيقة مصر العربية، لكى تعطل دورها العربى.

فى المغرب العربى، وفى الجزائر على وجه التحديد، حاول الاستعمار الغربى نفس المحاولة يقصد أن يشد هذا الوطن الثائر؛ ليكون شاطئا ثانياً لأوروبا عبر البحر، أو ليكون مجرد عمق لفرنسا فى القارة الأفريقية.

وفى العراق، كانت نفس المحاولة.

وبينما استطاعت الثورة فى مصر أن تمزق الضباب وتتحرك إلى دورها العربى...

وبينما استطاعت الثورة فى الجزائر أن تحدد مصيرها العربى بشكل قاطع....

فإن العراق بدا وكأنه يتعثر فى طريقه إلى إرادته.

ولقد كانت هناك قوىً تريد للعراق أن يتعثر، ولا يصل إلى إرادته.

أولها - الاستعمار البريطانى،الذى أرغم على الجلاء عن مصر، وفقد فيها كل مصالحه، وفى مقدمتها قناة السويس، والمراكز الحساسة فى مجالات المال التى تم تمصيرها وتأميمها كلها بفعل الاندفاع الثورى - هذا الاستعمار أحس أن وجوده الظاهر أو المستتر فى العراق هو آخر أمل له، قبل نقطة التراجع النهائية فى الخليج والجنوب العربى...

ومن ثم فلقد استمات فى العراق، لا يريد أن يخلى موضع قدم.

والثانية - هى الرجعية العراقية، التى كانت الأسرة الهاشمية المالكة رأسها، والتى كانت ترى - خصوصا فى سنواتها الأخيرة - أن عزلة العراق عن الحركة القومية العربية، هى نفسها ضمانتها لعزلة العراق عن الحركة الثورية الاجتماعية التى راحت فى قوة وعنف وإصرار، تغير شكل المنطقة العربية من الجذور وإلى الأعماق.

وكانت هناك فى طبيعة تكوين العراق، عوامل تساعد الاستعمار والرجعية على محاولة عزله، وفى مقدمة هذه العوامل الأوضاع العنصرية والطائفية فى هذا البلد الذى عاش بحكم موقعه الجغرافى أعنف التفاعلات فى التاريخ العربى والإسلامى.

ومن ذلك كله، فإن ثورة العراق سنة 1958 كانت تبدو - من قبل - حلماً أو شيئاً كالحلـم.

لكن الحلم ضاع وقتها، وتبدد وكانت مسئولية الضياع ثلاثية.

- الجزء الأول منها: يتحمله عبد الكريم قاسم نفسه، ولقد قلت فى الزعيم الأوحد فى حياته ما يغنينى عن العودة إليه وقد أصبح جثة مزقها الرصاص، وأصبح عهده بأكمله مجرد كابوس رزح على صدر العراق ليلاً طال إلى قرب خمس سنوات.

- والجزء الثانى منها: يتحمله الاستعمار البريطانى، الذى ملك فى لحظة بدا فيها مصيره فى العراق على حافة الهاوية، قدرة مذهلة على المناورة والتضليل.

فبينما جثث أخلص أصدقاء بريطانيا فى العراق، نورى السعيد وعبد الإله، ما تزال تُسحل فى شوارع بغداد، كانت بريطانيا تقدم اعترافها بالحكم الجديد.

ثم تحول السفير البريطانى وقتها فى العراق، السير مايكل رايت، إلى مرشد بوليس متطوع لخدمة اللواء عبد الكريم قاسم، بعد دراسة دقيقة لشخصيته.

كان السفير البريطانى هو الذى قال لقاسم إن عبد السلام عارف يتآمر عليه، متعاونا مع الجمهورية العربية المتحدة... ولم يكن ذلك صحيحاً.

وكان السفير البريطـانى هو الذى قال لقاسم إن الجمهورية العربية نذرت نفسها للخلاص مـنه... ولم يكن ذلك صحيحاً أيضاً.

- ثم يجئ الجزء الباقى من المسئولية الثلاثية، وفى ظنى - بصراحة - أن حركة القومية العربية تحمل عبئه، وإن كان يقينى أنها حملته بغير وعى منها!

إن عناصر طيبة النوايا، تنتمى إلى حركة القومية العربية، تركت الأحزاب الشيوعية المحلية، خصوصاً فى العراق وسوريا ولبنان، تستدرجها إلى معركة لا ضرورة لها، وترغمها على أن تطرح للمناقشة شعارات لم يحِن وقتها.

ومن الإنصاف وحده، وليس من التعصب أو العصبية، فإن الجمهورية العربية المتحدة، كانت أول من رأى هذه المعركة التى لا ضرورة لها... وحذر من عواقبها.

لقد فوجئت الجمهورية العربية المتحدة فى أعقاب الثورة العراقية سنة 1958، بمناقشة ليس لها ما يبررها فى بغداد، حول المفاضلة بين الوحدة الكاملة وبين الاتحاد.

ولم يكن الأوان أوان أيهما، وإنما كانت الظروف تستلزم قبلهما شيئاً آخر.

قبل أى حديث عن الوحدة وراء حدود العراق، كان لا بد من الوحدة الوطنية داخل حدود العراق نفسها.

وقبل أى حديث عن الاتحاد مع الجمهورية العربية أو غيرها، كان لا بد أن تتحد القوى المكوِّنة للشعب العراقى ذاته.

ولقد سمعها الرئيس عبد السلام عارف بنفسه من الرئيس جمال عبد الناصر، حين التقى به فى دمشق بعد أيام من ثورة العراق.

كذلك سمعها من الرئيس جمال عبد الناصر كل عراقى اجتمع به أيامها... وبعد تلك الأيام.

بل وكتبها الرئيس جمال عبد الناصر، وكررها فى أربعة خطابات شخصية، بخط يده إلى عبد الكريم قاسم، لكن عبد الكريم قاسم لم يكلف نفسه عناء الرد على واحد منها... ولو بكلمة واحدة.

ومهما يكن من أمر توزيع المسئوليات، وقسمة تبعاتها، فلقد كان شعب العراق هو الذى دفع الثمن.... بحكم الإرهاب الدامى فى بغداد.... بمذابح الموصل المخيفة... بالذين دفنهم الشيوعيون أحياء بالمئات فى كركوك.... بالشهداء الذين سقطوا فى ميدان ضرب النار "بأم الطبول" حيث أُعدم ناظم الطبقجلى ورفاقه من الأحرار وفى محكمة المهداوى حيث وضع أبطال ثورة العراق الأصالى وراء قفص الاتهام تحت رحمة الجلادين والمجانين!

ومع شعب العراق... فإن النضال العربى كله دفع نصيبه من الضريبة الفادحة، بعزلة العراق عن حركته، وبحرمانه فى وقت من أحرج الأوقات، من حيوية هذا الشعب العظيم ومن قدرته وطوال ما يقرب من خمس سنوات، فلقد بدا الخلاص أقرب إلى المستحيل منه إلى الأمل.

حتى استجمعت بقايا ثورة 1958، قصارى جهدها، وانقضت فى معركة موت أو حياة على وزارة الدفاع تخلص العراق من حكم الزعيم الأوحد.

من ذلك كله، هذا الهدف الذى تحدثت عنه - أولاً - من أهداف النضال العربى هذا الوقت وهو "تدعيم الثورة فى العراق، وفتح كل طريق أمامها".

لقد حدثت المعجزة مرتين.

حدثت المعجزة، وتحقق الحلم أو ما يشبه الحلم سنة 1958، لكن الحلم ضاع وتبدد.

ثم حدثت المعجزة مرة أخرى، وتحقق الحلم - أو ما يشبه الحلم، سنة 1963، ولا ينبغى مهما كان الثمن أن يفلت الحلم منا، وأن يتوه.

إن المعجزة لا تحدث ثلاث مرات.

لقد كان الله - أكرم معنا - ربما أكثر مما نستحق.


منحنا المعجزة، فلما ضاعت أعادها إلينا من جديد، فإذا ضاعت مرة أخرى، فليس من تفسير إلا أن أيدينا أضعف من أن تمسك بالمعجزات، أو أن أمانينا أكبر بكثير من طاقتنا.

وأما الهدف الثانى:

من الهدفين اللذين يستحقان هذا الوقت وكل إخلاص النضال العربى، وكل إيمانه، والذى أنتقل إلى الحديث عنه الآن فهوكما قلت:

" تعميق الفهم بين القاهرة وبغداد، وعدم السماح مهما كانت الظروف، ومهما كانت الأسباب، بأن تتلكأ فى سماء العلاقات بين العاصمتين سحابة، حتى وإن تكن من النوع الشفاف الذى لا يحجب زرقة السماء وراءها ".

وأقول مخلصاً، إنه مع إيمانى بأهمية تعميق الفهم بين القاهرة، وبين كل عاصمة عربية ثائرة، أو متحفزة للثورة، فإن العلاقات بين القاهرة وبغداد - على وجه الخصوص - تستحق اهتماماً متزايداً.

ويكفينى فى التدليل على صحة ما أومن به هذا القلق الذى تبديه إسرائيل ولا تخفيه من جراء احتمال أى تقارب بين القاهرة وبغداد.

تكفينى اندفاعة قوى الاستعمار كلها بطريقة عصبية إلى الاعتراف بالثورة فى بغداد حتى لا تترك لعاصمة العراق فرصة تقف فيها وحدها مع القاهرة فى مواجهة تطورات الحوادث.

تكفينى هرولة حكومات الرجعية فى المنطقة إلى الإبراق لعبد السلام عارف بتهانيها لنجاح الثورة.. حتى ناظم القدسى، صديق عبد الكريم قاسم الحميم، كاد أن ينكفئ على وجهه وهو يسرع بطريقة تثير الاحتقار مع الأسف الشديد - إلى التمسح ببغداد، قبل أن يفوت الأوان.

يكفينى ذلك كله للتدليل على صحة ما أومن به.

هؤلاء جميعاً أعداء الحركة الثورية العربية، فى معناها السياسى والاجتماعى.

وكلهم طاروا فى محاولة للسباق مع القاهرة، عل أحدا منهم أن تواتيه فرصة ليضع حجرا على الطريق.

لكنهم يرون الآن أن القاهرة ليست طرفاً فى سباق.

لقد وقفت القاهرة بكل ما تقدر عليه مع ثورة العراق، ومن اعتقادها الصميمى وقفت... لا من رغبة فى المناورات أو إعجاب بالألعاب البهلوانية السياسية.

لم تجرِ القاهرة... ولا هرولت.

ولا تشعر القاهرة أن بها حاجة إلى استغلال ثورة العراق فى صراعها - مع أنه صراع المصير العربى كله - ضد الاستعمار أو ضد الرجعية.

وإنما شعرت القاهرة، أنه من حق ثورة العراق فرصة هادئة، تثبت فيها أقدامها، تمهد أمامها أرضها، قبل الحركة.

لكنه، بعد ذلك ،وهذا واجب القاهرة، لابد من محاولة فهم عميق للعراق، ولابد من اقتراب نحوه مفتوح القلب، مفتوح الفكر.

ولقد كان الخط الأول من خطوط الإستراتيجية الاستعمارية فى المنطقة العربية يرتكز على أساس إيجاد تفرقة بين القاهرة وبغداد.

وفى العصر الحديث، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، فلقد كانت التفرقة موجودة حتى فى مدرسة الإدارة البريطانية التى تتحكم فى القاهرة والمدرسة التى تتحكم فى بغداد.

كانت القاهرة مقراً لقيادة الشرق الأوسط البريطانية.

وكانت بغداد تابعة لقيادة الهند البريطانية.

وكان بين القيادتين تنافس على العمل فى المنطقة العربية كلها.

وبينما تبنت قيادة الهند أسرة سعود فى شبه الجزيرة العربية، كانت قيادة الشرق الأوسط من القاهرة، تتبنى الأسرة الهاشمية.

وليس يهمنى أن أتطرق إلى ذلك التاريخ، وإنما أريد أن أقول إنه فُرض على القاهرة وبغداد، حين كانت كل منها تحت حكم نفس المستعمر، أن تكونا طرفى خلاف.

ثم كان بعد ذلك تنافس الأسر المالكة،فى أكبر عاصمتين عربيتين تحكمهما الملكية:

القاهرة وبغداد.

وحتى بعد الثورة فى مصر حاولت دول الاستعمار الغربى أن تصور حرب مصر ضد حلف بغداد على أنه صورة متجددة من صور صراع تقليدى - خلقوه بأوهامهم أو بمطامعهم - بين القاهرة وبغـداد.

وحتى بعد الثورة فى العراق سنة 1958 وانتهاء حلف بغداد، تكفل جنون الزعيم الأوحد باستعمال رواسب الماضى الدخيلة فى إبقاء فجوة بين القاهرة وبغداد.

وفى رأيى أننا الآن، بعد المعجزة الثانية نملك بداية جديدة فى العلاقات بين القاهرة وبغداد، خصوصا ومرحلة النضال العربى المعاصرة تساعد عليها وتمهد لها ما لم يكن ممهداً أمامها من قبل.

إن القاهرة ترفع الآن - وفى مجال العمل العربى - لهذه المرحلة شعارين لا ثالث لهما:

الأول: أنه لا مهادنة مع الاستعمار أو مع الرجعية.

والثانى: أن الوحدة الممكنة والضرورية الآن هى وحدة الهدف، وأنها تسبق فى أهميتها وحدة الصف التى انتهى أوانها، أو أى شكل من أشكال الوحدة الدستورية التى يملكها المستقبل وحده بأوضاعه وأحكامه.

وحتى فى هذين الشعارين، فإن القاهرة وإن رفعتهما فوق رأسها، لا تملك، ولا تريد، أن تفرض على غيرها وضعهما فوق الرؤوس.

ماذا إذن يتبقى لخلافٍ بين القاهرة وبغداد؟

إن قيل لى: منافسة تقليدية... فإنى أقول:

- ذلك وهم زرعه الاستعمار ولا بد لنا أن نخلعه من جذوره إن كانت له جذور!

لا أقول ذلك فرط تحمس، ولكن عن إيمان أقوله، وعن إحساس بأن المصير المشترك الواحد للأمة العربية لا يتطلب اليوم أكثر من تعميق الفهم بين القاهرة وبغداد الثورة.

ما الذى يمكن أن يقال بعدها؟

يقال بعدها، ولقد قالها لى أحد المهتمين بالشئون العربية، وهو يسمع ما أقول بعد ثورة العـراق...

- لكن التجمع الذى شارك فى صنع الثورة فى بغداد يضم عناصر حزب البعث العربى، وقد كان الحزب على خلاف مع الجمهورية العربية المتحدة!

وأقول على الفور:

- ليكن ذلك صحيحاً.... ماذا فيه؟

إننى، وأظن غيرى من الوطنيين العرب، يفرقون بين البعث الأصيل، وبين العناصر الانتهازية التى تعلقت به قبل الوحدة ثم ارتدت بعد الانفصال عن الوحدة، وعن البعث ذاته، وهى جماعة أكرم الحورانى!

وأنا واحد من الذين اختلفوا مع البعث العربى... البعث العربى الأصيل.

لكن خلافى معه كان فى التفاصيل، وليس فى أساس المبدأ والعقيدة.

ولقد شرحت خلافى مع البعث خلال ما كتبت عما جرى فى سوريا، وما زال رأيى الآن هو رأيى وقتها.

وأهم أسباب الخلاف - وقتها وإلى الآن - أن حزب البعث فى دعوته يتوه فى غيبيات تفقد صلتها فى كثير من الأحيان بالواقع ومواجهته، والتطبيق الفعلى ومشكلاته.

ومع ذلك، فليته أن يكون لحزب البعث دور فى التجمع الذى قاد الثورة فى العراق.

ذلك وحده كفيل بأن يضع أفكار البعث أمام التجربة.

إن استطاع البعث أن يجد إلى الحرية والاشتراكية والوحدة طريقا جديدا فما أحوجنا إلى أن ندرس التجربة.

وإذا وجد البعث أنه لا طريق غير ذلك الطريق الذى فتحته الجمهورية العربية المتحدة إلى تطبيق الحرية والاشتراكية والوحدة... فقد اتضحت أمامه الرؤية وخرج بأفكاره من وراء الضباب!

ثم أكرر بعدها:

- ليكن فى بغداد ما يكون، ليكن فى التجمع الوطنى الذى قاد الثورة ضد قاسم وكشف وجه العراق الحقيقى، أى شريك.

إنى أستعير منطق عبد الناصر وأسأل:

- هل التجمع الذى قام بالثورة فى العراق يعمل لبريطانيا أو أمريكا؟

الجواب: لا.

- هل هو بالشيوعيين ولحسابهم؟

الجواب: لا.

- هل للرجعية فيه دور؟

الجواب: لا.

- هل يبدو للشعوبية الانعزالية فيه أثر ؟

الجواب: لا.

وإذن، فأنا بكل طاقتى معه.

معه كعربى، من هذه الأمة الخالدة.

معه كمصرى، من هذه القاهرة المناضلة.

وبالصفتين، ومن بعيد أقول: سلاماً يا دار السلام... سلاماً يا بغداد... وأهلاً!





kakaka
عضو ماسى

Egypt
2361 مشاركة

كتب فى :  - 24/11/2010 :  05:47:40  Show Profile
دا كان زمان وجبر

الكلام ده كبيييير

Go to Top of Page

mr_1811
عضو ماسى

Egypt
7931 مشاركة

كتب فى :  - 24/11/2010 :  07:19:21  Show Profile
تسلم ايدك على المجهود الكبير ده وفعلا موضوع شيق
Go to Top of Page
  Previous Topic الموضوع Next Topic  
 اضافة موضوع  الرد على الموضوع
 اطبع الموضوع
|| Bookmark and Share ||
أذهب الى:
 

منتديات || دردشة || احدث الاخبار || الرياضة اليوم ||مجلة زووم || عالم المرأة || المطبخ العربى || للكبار فقط

دنيا ودين || القرأن الكريم || عمرو خالد || دليل المواقع || خدمات الموقع || خدمات حكومية || المراسلة وابلاغ انتهاك

|| Bookmark and Share